الدرس في تفسير سورة القلم من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل قصة أصحاب الجنة وكيف ابتلاهم الله بسبب بخلهم وعدم إعطاء المساكين، حيث أرسل الله نارًا أحرقت بستانهم ليلًا. يُظهر العبرة من هذه القصة والعلاقة بين الابتلاء وكسب الأيدي.
يفسر هذا الفصل الآيات القرآنية المتعلقة بقصة أصحاب الجنة ويبين فضل الصدقة على الفقراء والمحتاجين. كما يشرح تأثير الصدقة وعدم الاستثناء في اليمين على توفيق الله للإنسان.
يشرح هذا الفصل عقوبة الله للمترفين والباغين ويبين أن العقوبة غالبًا تكون من جنس العمل، مستدلًا بقصص الأمم السابقة مثل قوم ثمود. كما يشير إلى أهمية الصدق في وقت جني الثمار وإخراج ما يواسي به المساكين والمحتاجين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون، فقضى عليها طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم، فتنادوا مصبحين أن يغدوا على حرثهم إن كنتم صارمين، فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين﴾. قال المفسر رحمه الله: «إنا بلوناهم» امتحن أهل مكة بالقحط والجوع كما بلونا أصحاب الجنة «البستان» إذ أقسموا ليصرمنها يقطعون ثمرتها مصبحين وقت الصباح كي لا يشعر بهم المساكين فلا يعطونهم منها ما كان أبوهم يتصدق به عليهم منها، ولا يستثنون في يمينهم بمشيئة الله تعالى. والجملة مستأنفة، أي وشأنهم ذلك. فطاف عليها طائف من ربك نار أحرقتها ليلًا وهم نائمون، فأصبحت كالصريم كالليل الشديد الظلمة، أي سوداء. فتنادوا مصبحين أن يغدوا على حرثهم، غدتهم تفسير لتنادوا، أو «أن» مصدرية، أي بأن إن كنتم صارمين مريدين القطع. وجواب الشرط عليه ما قبله، فهم طلقوا وهم يتخافتون يتسارون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين، تفسير لما قبله، أو «أن» مصدرية، أي بأن. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا بهذه الآيات العظيمات بهذه السورة، سورة القلم، التي حوت ذكر هذا القرآن العظيم ونزوله على النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وما كان من تكذيب المشركين ومعاندتهم وأذيتهم لهذا القرآن ونبي الإسلام وأتباعه المؤمنين. والآيات، كما مر معنا، آيات في سورة مكية تحكي وتصف بعض ما وقع في العهد المكي. وقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه الجنة أين كانوا ومتى كانوا، ولكنها قصة من قصص القرآن الحق الذي أخبر الله عز وجل به لضرب العظة والعبرة. فالله عز وجل امتحن أهل مكة بالقحط والجوع لعلهم يرجعون، وهي تلك السنين التي ابتلي بها أهل مكة حتى أكلوا الجلود ورأوا الموت من شدة القحط والجوع. هذا الامتحان والابتلاء لعلهم يرجعون، ولأجل ما كان من عظيم أذيتهم وكفرهم لأهل الحق ورسول الحق والكتاب المنزل بالحق. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾. ثم ذكر الله عز وجل قصة أصحاب الجنة، وهم أصحاب البستان. بيتوا شيئًا سيئًا وأقسموا عليه، وذلك أنهم بيتوا وأكدوا هذا التبييت السيء بالقسم، بقوله: ﴿إذ أقسموا ليصرموه﴾. والنهى والصرم هو قطع الثمار، وسمي صرمًا لأنهم يفعلون ذلك بهذا الفعل، وهو القطع مع بقاء الأصل، يسمى صرمًا، وله كيفيات بحسب الأشجار والثمار مصبحين، قال في وقت الصباح، أي الباكر قبل أن يخرج المساكين من بيوتهم ويطوفون عليهم وعلى غيرهم. وهذا هو قوله رحمه الله: كي لا يشعر بهم المساكين فلا يعطونهم منها ما كان أبوهم يتصدق به عليهم منها. ومعنى أن أباهم كان على خير وصدقة، ولذلك تعود المساكين أن يطوفوا على هذه المزارع التي علمت بالخير وكان أهلها يتصدقون منها. وفيه فضل هذا العمل، أي التصدق على من يمر بأهل المزارع مما لا يحمل وإنما يعطى ما يسد بعض جوعه ولا يحمله معه. وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم لمن به حاجة أن يستأذن من صاحب البستان وأن يأكل بما لا يحمل معه، وهي من الصدقة التي يحبها الله سبحانه وتعالى وتكون سببًا لبركة الزرع وذقائه. وقوله سبحانه: ﴿ولا يستثنون﴾ أي في يمينهم بمشيئة الله، يعني جعل الله عز وجل لهذا الذي أصابهم سببًا، وهذا السبب هو أنهم أنساهم الله عز وجل لاستثناء في اليمين، يعني ما قالوا: «والله إن شاء الله». وفي هذا أدب آخر في أن الإنسان إذا أراد فعل شيء فليقل: «إن شاء الله» حتى يوفقه الله ويعينه الله على عمله الذي يريد. ومن أسباب منع التوفيق للعمل ووجود أسباب العوارض أن لا يوفق الإنسان الاستثناء في يمينه. وهؤلاء جعل الله عز وجل لهم السبب في أن لا يوفقوا فيما يريدون بأن أنساهم الاستثناء في اليمين. وقوله: ﴿والجملة مستأنفة﴾ أي أن جملة «ولا يستثنون» فيها إخبار عن حال هؤلاء، والمقصود من هذا الإخبار هو ما تقدم من أن الله عز وجل جعل لهم سببًا يكون به عدم توفيقهم فيما أرادوا، مع ما فيه من الإشارة إلى هذا الأدب الذي ينبغي أن يحرس عليه أهل الإيمان بل وكل إنسان. فطاف عليها طائف من ربك، أي نار أحرقتها ليلًا بالبرودة التي أنزلها الله عز وجل تلك الليلة، أنزل برودة شديدة أحرقت الزرع. ومنهم من قال: حرارة شديدة، ولكن الظاهر أن الأقرب بالنسبة للليل هو البرودة، والبرودة تحرق الزرع كما أن الحرارة تحرق الزرع. وفيه كذلك إضافة هذه الأفعال إلى مخلوقات الله عز وجل ومشيئته، فما يقع في هذا الكون من خير أو شر كله مخلوق لله سبحانه وتعالى. وفيه كذلك تسمية الشر والسوء بغير اسمه، وهذا من أدب القرآن، فلم يسمه سبحانه وتعالى شرًا لأنه لا يضاف الشر إلى الله عز وجل، كما قال في الحديث عليه الصلاة والسلام: «والشر ليس إليك». فلا يضاف الشر إلى الله عز وجل وصفًا ولا فعلًا، ولكنه يضاف إلى الله سبحانه وتعالى خلقًا وقدرًا. ولا يوجد مع ذلك شر محض، فكل ما ظاهره الشر فهو ليس بشر محض، بل فيه خير لأن الله عز وجل خلقه لحكمة. ومن هذه الحكمة أن لا يتحقق ظلم الظالمين، ومن هذه الحكمة أن يكون فيه تأديب للناس بما يردهم إلى ربهم وخالقهم، وغير ذلك من الحكم. وهذه واقعة في هذه القصة. ﴿وهم نائمون﴾ أي غافلون، وأن هذا حصل في الليل، والمراد بذلك عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى الذي لا يعجزه شيء، والذي سبحانه وتعالى لا يفتر عن فعل ما يريد، فهو حي قيوم لا ينام سبحانه وتعالى. والمعنى: احذر يا أيها الإنسان الضعيف من أن تمكر فينكر الله عز وجل بك في وقت غفلتك. وفيه كذلك أن غالب العقوبات تقع في وقت الغفلة، كما أخبر الله عز وجل عن ذلك في آيات كثيرة، فيأتي في وقت الغفلة في الليل أو في النهار. فبأس الله قد يأتي به سبحانه وتعالى وعذابه وعقابه في وقت غفلة الناس في نومهم أو في وقت غفلة الناس كذلك في انشغالهم. وإذا تأملت الكثير من العقوبات التي وقعت على الأمم فإنها تقع في وقت الغفلة، وهكذا كذلك تقع في وقت المعصية، كما قال الله عز وجل: ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون﴾. فإن الله عز وجل أخبر أنه قد يأتي بعقوبته في وقت غفلة الناس. وكما قال الله عز وجل: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها العذاب فدمرناها تدميرًا﴾. فحق عليها القول، أي أمره القدري بوقوع العذاب. وهكذا كذلك في هذه الآية. ﴿فأصبحت كالصريم﴾ قال: كالليل الشديد الظلمة، أي سوداء. والصريم أي ما أرادوا، فجازاهم الله بجنس عملهم بمثله، أرادوا أن يصرموا أن يقطعوا، فقطعها الله قبل أن يقطعوا. وفيه كذلك أن عقوبة الله غالبًا تكون من جنس بغي الباغين وظلم الظالمين. أرادوا أن يقطعوا فيمنعوا الخير عن الناس المساكين، فقطع الله عز وجل عليهم ذلك فمنعهم من الخير، والجزاء من جنس العمل. وقوله: ﴿فتنادوا مصبحين﴾ أي في الصباح الباكر، نادى بعضهم بعضًا يريدون التبكير بأخذ الثمرة قبل أن يأتي المساكين. وهذا معناه أنه كان وقت جني الثمار. وفيه كذلك أن الصدق في وقت جني الثمار حق وليس فضل، فينبغي للإنسان وقت جني الثمار أن يخرج من الصدقة ما يواسي به المساكين والمحتاجين، وهو حق في المال غير حق الصدقة والزكاة. وقوله سبحانه: ﴿فانطلقوا وهم يتخافتون﴾ أي يخفض بعضهم بعضًا الصوت والحركة، تأكيد على نيتهم السيئة وإصرارهم على عملهم الذي يريدون، وهذا من شدة بخلهم وكذلك شحهم. فعاقبهم الله عز وجل بالمثل وعاجلهم بالعقوبة سبحانه وتعالى. وقوله جل وعلا: ﴿أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين﴾ قال: تفسير لما قبله، أو «أن» مصدرية، أي بأن. وكل المعنيين صحيح، أي فسر الله عز وجل فعلهم ذلك إما أنه نيتهم الذي نووها، فتكون بذلك بهذه «الآن» المصدرية، أي أن فعلهم ذلك لنيتهم السيئة هذه ألا يحضر وقت الجني المساكين. وكذلك الأمر الآخر، وذلك إذا تلفظوا وقال بعضهم لبعض بيت هذا المقصد. وقوله سبحانه: «وغدوا على حرد» قال: منع للفقراء قادرين، أي عليه في ظنهم. والمعنى أنهم بكروا والغدو هو التبكير على تلك النية السيئة، فعقبهم الله عز وجل بالمثل والجزاء من جنس العمل. وهذا هو قوله: ﴿فلما رأوها﴾ أي محترقة، علموا أنهم كانوا على ضلال عظيم وظلم وبخل وشح شديد. طيب إلى هنا ونكمل إن شاء الله الباقي في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.