الدرس في شرح كتاب التوحيد 157، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الحديث النبوي الذي يحذر من الطيرة واعتبارها شركًا، ويبين أن من اعتقد أن شيئًا يؤثر في الخير أو الشر من دون الله فقد وقع في الشرك. هذا يدل على أهمية التوحيد وخطورة الشرك.
شرح الحديث حول كفارة التطير وعلاقتها بالتوحيد، مع توضيح الدعاء لتحصين النفس من التطير وأهمية التوكل على الله. هذا يبين أن التشاؤم ينشأ من ضعف التوحيد.
الطيرة الشركية هي التشاؤم بأمور لا تعلق لها بالأسباب الحقيقية، مثل التشاؤم بالبوم أو شهر صفر. أما الأخذ بالأسباب الحقيقية فلا يعتبر تشاؤمًا مذمومًا، وهذا يوضح الفرق بينهما.
المقطع ينهي الحديث حول التطير، ويتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل وختمًا بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أهمية الختام بالدعاء والصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وله من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ردته الطيارة عن حاجته فقد أشرك»، قال: «وما كفارة ذلك؟» قال: «أن تقولوا: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو لا زال يتحدث ويرد لنا الأدلة المتعلقة بباب الطيارة، فأورد لنا حديث عبد الله بن عمر، والذي رواه الإمام أحمد في مسنده. وهذا الحديث مما اختلف فيه العلماء في صحته، إذ أنه من طريق ابن لهيعة، واختلف العلماء في روايته، فمنهم من أعلها وضعفها، ومنهم من حسنها، وخاصة إذا روى عنه العبادلة الأربع. وفي هذا الإسناد فقد روى هذا الحديث ابن لهيعة من طريق عبد الله بن وهب، وقد صرح بالتحديث، لهذا جنح الإمام الألباني رحمه الله تعالى إلى تحسينه. فهذا الحديث، إخواني في الله، يقول فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «من ردته الطيارة»، مر معنى أن الطيارة بمعنى التشاؤم، أن الإنسان يتشاؤم بأمر ما، وأن الاعتقاد بهذا التشاؤم يصل إلى أنه من أجله يحدد المواقف ويحدد الأقوال والأفعال والأعمال بناء على هذا الشؤم الذي تبنى، فقال عليه الصلاة والسلام: «من ردته الطيارة عن حاجته فقد أشرك»، فقد أشرك. قال العلماء: أي أن هذا من فعل المشركين. وقد مضى في أوائل مباحثي هذا الباب كيف أن الكفار كان من عاداتهم التشاؤم «إنا تطيرنا بكم»، كانوا ولا زالوا، مع وجود هذا التطور العلمي والتكنولوجي كما يقال، وفشو العلم الظاهر والحضارة عند الغربيين، إلا أنهم لا زالوا يعتنقون مثل هذه المعتقدات الزائفة. تجد عمارة ضخمة فيها من كل التطورات من الليزر والحساسات والمجسامات، ثم في هذه العمارة التي بلغت مبلغًا عظيمًا من التطور، تجد أن الطابق الثالث عشر مفقود، لا يسجل هذا الرقم. تسألهم: أين الطابق الثالث عشر؟ قالوا: لا، ما نسجله. لماذا؟ قالوا: هذا نحس. نحس. على هذا التطور والعلم الذي وصلتم إليه، لا زلتم تعتقدون بالنحس. لا زالوا يعتقدون الكثير من الغربيين لا زالوا يعتقدون بأمر التشاؤم، فهي عقيدة مستفحلة لم تستأصل فيهم. فقوله عليه الصلاة والسلام: «فقد أشرك»، أي شابه المشركين الذين يعتقدون أن للشؤم تصرف مع الله، وأن هذه المخلوقات وهذه الأسباب من الأحوال والأقوال تؤثر في الخير والشر. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «فقد أشرك» كذلك فائدة، أن من وقع في الطيرة فقد وقع في الشرك، وأي الشرك وقع؟ قد يكون وقع في الشرك الأكبر، أو يكون قد وقع في الشرك الأصغر، على حسب. فمن ظن في أمر ما أن هذا الأمر هو الذي يجلب عليه الخير ويجلب عليه الشر من دون الله، فقد وقع في الشرك الأكبر. من اعتقد في أمر ما، كائنًا ما كان، وأن هذا الشيء من مخلوق، من جماد، من زمان، من مكان، من حال، هو مصدر للخير والشر استقلالًا، هذا قد وقع في الشرك الأكبر؛ لأنه يعتقد بوجود مدبر من دون الله جل في علاه. أما من قال: لا حاشا، أنا أعتقد أن الله جل وعلا هو المتصرف في الكون سبحانه، لكن أجعل هذا الأمر سببًا، سببًا من أسباب التشاؤم. قل هنا: وقعت في الشرك الأصغر؛ إذ أن هذه الأشياء ليس لها علاقة بالتشاؤم. ما علاقة الزمان؟ ما علاقة المكان؟ ما علاقة البوم؟ ما علاقة الصفر؟ ما علاقة الأربعاء؟ ما علاقة هذه الحالة؟ ما علاقتها بالتشاؤم؟ ليس لها علاقة. ودائمًا نكرر هذه القاعدة: أن من جعل أمرًا ما سببًا، وهو ليس بسبب لا شرعي ولا كوني، فقد وقع في الشرك الأصغر. فقول عليه الصلاة والسلام: «فقد أشرك»، أي فقد وقع في الشرك، إما الأكبر وإما الأصغر، على التفصيل الذي مضى. قالوا: «فما كفارة ذلك يا رسول الله؟» وهذا من حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إذا علموا الخطأ فما هو الصواب؟ قالوا: «فما كفارة ذلك إذا ابتلي أحدنا بشيء من التطير؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تقولوا: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك». تأتي بهذا الدعاء، وهذا على قول من قال بتحسين الحديث. إذا واجهك شيء من التشاؤم وعصف بقلبك وجال في خاطرك، ولا زالت نفسك تحوك بهذا الأمر الذي تشاؤمت منه، كرر هذا الدعاء، على من يقول بتحسينه: «اللهم لا خير إلا خيرك»، إن كان من خير فلا يأتي بالخير إلا أنت جل في علاك، فالخير بيده سبحانه وتعالى، الكون كونه والخلق عبيده، يفعل ما يشاء جل في علاك، «فلا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك». وهذا الذي يتشاؤم منه الناس، وما وقع في خاطري شبه التشاؤم منه، فإني أرده بأن أعتقد بأن ما من شيء إلا وهو قد قدر علي من ربي، «ولا طير إلا طيرك»، أنت الذي قدرت عليه كل شيء، «ولا طير إلا طيرك». فالأمور المقدرة إن ما يقدرها الله لا يقدرها هذه الأشياء التي تشاؤمت بها، لا من الطيور ولا من غيرها. كما قلنا: لأن العرب قديمًا كانوا يستندون على حركة الطير، أراد أن يمضي في أمر، جاء العائف وهيج الطيور، فإن ذهبت يمنة حكم عليها بشيء، وإن ذهبت يسرة حكم عليها بشيء. هذه الطيور من الذي أدارها يمنة ويسرى؟ هو الله جل وعلا، تتحرك بنفسها على حسب الحظ، ما يحركها إلا الله جل وعلا فعلًا، «ولا طير إلا طيرك»، فما هي إلا مخلوقات بيدك أنت تصرفها كيفما شئت. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولا إله غيرك»، هذا توحيد. هنا نقطة الضعف، ما يقع في التشاؤم إلا من ضعف توحيده. وإن الإنسان متى ما كمل توحيده لم يلتفت إلى هذه الترهات، بل إن الإنسان كلما تعظم في التوحيد زاد تعلقًا بالله، حتى أنه لدرجة لا أقول: أن يتشاءم بالأسباب لا، ولا أقول: أن يعتمد بالأسباب لا، بل ربما ترك الأسباب، بل ربما ترك الأسباب لشدة تعلقه بربه، كما في حديث السبعين ألفًا يدخلون الجنة، سبعون ألفًا من أمتي من غير حساب ولا عذاب، هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. لعظيم التوحيد لله جل في علاه تركوا التطير، فما التفتوا إليه، بل تركوا حتى الاسترقاء مع أنه جائز، تركوا. لماذا؟ عندما عظم عندهم أمر التوحيد. فالإنسان إذا كمل عنده التوحيد يظهر هذا في أقواله وأفعاله. ولهذا في هذا الحديث، في حق من أصيب بالتطير، يكرر: «لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». إذا قرر الإنسان مبدأ التوحيد في قلبه هدأ قلبه، «ومن يؤمن بالله يهدي قلبه». تأتيك الهداية. فالإنسان دائمًا يتعلق، إخواني في الله. فالشاهد من هذا الحديث العظيم، في قوله عليه الصلاة والسلام: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك»، قال: «وما كفارة ذلك؟» قال: «أن تقولوا: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». وفيه فائدة عظيمة، وهي معرفة ما هو الضابط للتشاؤم الشركي، ما هي الطيرة الشركية؟ الطيرة الشركية الضابط لها هذا الحديث: «من ردته الطيرة إذا ردتك الطيرة عن حاجتك فقد وقعت في الشرك»، هذا الضابط. أنا قادم على سفر، فرأيت أمرًا ما، كما يقال: حادث سيارة، أو عجوز مر علي، أو كائن حي، حيوان أسود مبهم، أو أعور، أو بوم، تشاؤمت منه، فتركت السفر، تركت الصفقة، لم أعقد الزواج في شهر صفر. فمن تشاؤم فترك شيئًا ما لجراء التشاؤم، هذا قد وقع في الشرك. هذا هو الضابط: «من ردته الطيرة عن حاجته». أما إذا لم تردك فما يضرك؟ هذا أحيانًا نعم، أحيانًا الإنسان يقع في نفسه شيء، لكن هذا الشيء الذي انعقد في نفسك إذا لم تلتفت إليه لا يضرك. ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن التطير وما يجده الإنسان في نفسه، قال: «ذاك يجدونه في صدوركم»، أو «ذاك تجدونه في صدوركم، فلا تلتفتوا إليه». إذا ما التفت إليه ما يضرك، لا يضرك. قد يقع واحد منكم يعزم على أمر، فيقع عند ناظريه شيء، فيقع منه شيء من الضيق. هنا حدد، حدد يا عبد الله أمرك، إذا أمضيت قدما ما ضرك ذلك الانعقاد، وإذا كففت اعلم أنك قد وقعت في الشرك. هذا إخواني في الله. وأنهب على مسألة، هذا أتحدث عن أشياء يتشاءم منها الإنسان وهي ليست أسبابًا أصلا، لكن إذا بقي الإنسان بأمر وهو سبب حقيقي هذا ما في شيء. مثاله: أنا سأسافر، أنا سأسافر، فلما أردت السفر إذ بالسماء اكتظت بالغيوم، هنا توجست، فقلت: يا جماعة ما ينفع السفر. هل هذا تشاؤم؟ هذا ما هو تشاؤم، هذا من الأخذ بالأسباب. السبب الآن واضح عندي غيوم، هذا يجعلني أفكر في أمطار، سيول، وحل في الطريق، طين في الطرقات، إذن ألغي الرحلة. هذا ليس فيه شيء؛ لأن هذا السبب حقيقي. وأعيد القاعدة: التشاؤم إنما مبنية على أوهام، ليس لها أسباب ولا تعلقات. أما أنك تعتمد في المضي والترك على سبب حقيقي، هذا لا يضر. مثال آخر: أردت أن أشغل السيارة، فلما شغلت السيارة إذ فيها حنة ما أعجبني الصوت، ما أعجبني الصوت، قلت: يا جماعة ما ينفع، وسافر بالسيارة بهذا الصوت لا، ألغينا. هل يقول أحد: أنت متشائم؟ لا، ما أنا متشائم، أنا آخذ بالأسباب. وهكذا قس، وهكذا قس في باقي الأمور. التشاؤم إنما هو مبني على أوهام، أوهام كما قلنا: بوم مرة من فوقك تشائمت، إيش علاقة البوم بالسفر؟ أو أنك تريد أن تعقد على امرأة، فإذا بهم عقدوا وطلبوا منك أن يكون العقد في شهر صفر، قلت: لا إلا صفر. إيش معك في صفر؟ إيش من عداوة معك ومع صفر؟ تقول: صفر يأتي بالمشاكل. ومن أين لك ذلك؟ فإذا كان الإنسان تعلق بأشياء ليست بأسباب حقيقية، هذا هو التشاؤم المذموم. فإن ردك عن حاجتك فقد أشركت. أما من ترك أمرًا ما لأسباب حقيقية دل عليها الشرع ودل عليها العقل، فهذا لا يضر. هذا ما يذكر، إخواني في الله، في هذا المقام من مسائل التطير. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.