الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع قضية خلق القرآن، مؤكدًا أنه كلام الله غير مخلوق استنادًا إلى الآيات القرآنية وتفاسير أهل السنة. يستشهد بآيات تؤكد أن القرآن من أمر الله وليس من خلقه.
فسرت عبارة 'وإليه يعود' بمعانٍ متعددة، منها عودة الكلام إلى الله تعالى، وعودة القرآن يوم القيامة إلى الله باختفائه. جاءت هذه التفسيرات من أقوال السلف والتابعين وأحاديث النبي.
المحكم هو البين الواضح، والقرآن يحتوي على آيات محكمات ومتشابهات. يُفهم المتشابه بالرجوع إلى المحكم، وتفاصيل ذلك وردت في أقوال السلف والتابعين.
يتحدث المقطع عن الإيمان بالغيب مثل حقائق الصفات والجنة والنار، حيث يتم الإيمان بمعانيها دون معرفة كيفياتها. هذا الإيمان جزء من المحكمات التي يجب التصديق بها.
بسم الله الرحمن الرحيم وذكرنا هذا وقال منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. قوله منزل، أي الله عز وجل أنزله، وهذه لا شك جاءت به الآيات: إنا أنزلنا إليك الكتاب. وأيضا هذا الكتاب غير مخلوق، وهذا باتفاق أهل السنة، بل صرح كثير من أهل السنة أن من قال أنه مخلوق فهو كافر. بل ذكر الألكاي وغيره عن جماعة كبيرة من السلف أنه كان يقولون: من قال أن القرآن مخلوق فهو كافر، ليس بمسلم. لأن الله عز وجل لما ذكر القرآن، فقال جل وعلا على من قال أنه قول البشر: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. فلما نفع عنه هذه الأمور، علم أنه قرآن كتاب الله جل وعلا، وكلامه سبحانه وتعالى. وقال جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. واجتدل أيضا الإمام أحمد على أن القرآن كلام الله جل وعلا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. وكذلك ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، فسماه من أمره جل وعلا. وقال جل وعلا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ففرق وغاير بين الخلق والأمر، فجعل القرآن من أمره جل وعلا، وليس من خلقه سبحانه وتعالى. وقوله هنا: منه بدأ وإليه يعود، منه بدأ أي تكلم به سبحانه وتعالى. وقوله وإليه يعود فسرت بمعنيين. فسرت وإليه يعود بمعنيين: المعنى الأول أن يعود الكلام إليه ويرجع إليه، أن يضاف إليه الكلام، فيقال: قال الله عز وجل، وذكر الله عز وجل في القرآن، وغيرها من هذه العبارات التي توحي إلى عودة الكلام إلى الله جل وعلا. وفسر أيضا بقوله وإليه يعود، أي قول السلف، لأن هذه العبارة قلت جاءت عن جماعة من السلف، ومن أقدم هؤلاء عمر بن دينار رحمه الله، وهم من التابعين، فقال: القرآن منزل غير مخلوق، إنه بدأ وإليه يعود. ففسر إليه يعود أيضا بأن القرآن يوم القيامة أو قرب القيامة يؤخذ من صدور الناس ومن الصحف، ويرجع إلى الله جل وعلا، فلا يبقى في الأرض آية. فلا يبقى في الأرض آية، وهذا جاء في حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء أيضا من حديث حذيفة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليسري على كتاب الله في يوم فلا يبقى في الأرض منه آية». ليسري على كتاب الله في يوم فلا يبقى في الأرض منه آية. أن كل ما يكون في القرآن من قرآن في الأرض يصعد إلى الله جل وعلا، حتى ما في الصدور، فيأتي الرجل يريد أن يقرأ في الصلاة فلا يجد شيئا في صدره من القرآن، يريد أن يقرأ قرآن لا يجد شيئا، يأتي إلى الصحف أو إلى المصاحف فلا يجد فيها شيئا من القرآن. فهذا معنى أيضا تفسير آخر لقوله وإليه يعود. وممكن أنه يحمل على الأمرين: إليه يعود أي يضاف إليه، وأيضا إليه يعود أي هذا القرآن يصعد إليه جل وعلا بعد إذ أنزله، فهو نزله سبحانه وتعالى، وأيضا يرجع إليه جل وعلا. قال: وهو صور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات. قول هنا صور محكمات أي بينات واضحات، لأن المحكم هو البين الواضح، فهو صوره وآياته محكمات أي واضحات. والمحكم والمتشابه جاء في القرآن على نوعين: محكم عام ومتشابه عام، ومحكم خاص ومتشابه خاص. فالمحكم العام مثل قول الله جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾، أحكمت آياته أي آياته محكمات واضحات بينات، ليس فيها خفاء وليس فيها التباس، بل هي واضحة المعنى وبينت أيضا. كذلك الطرح وفيها إتقان في طرحها، وكذلك أيضا لا يناقض بعضها بعضا، لا يناقض بعضها بعضا. وأما أنه متشابه عام كما ذكر الله عز وجل في القرآن أنه كتاب متشابه، فالمراد المتشابه أي أنه يشبه بعضه بعضا في الإحكام، ويشبه بعضه بعضا في الإتقان، فآياته متقنة ومحكمة، وآياته كذلك لا ينقض بعضها بعضا، فهي متشابهة في الإتقان، وكذلك في أسلوبها، فهو متشابه عام من هذه الناحية. وأما قوله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، فهذه الآية دلت على أن هناك من الآيات ما هو محكم خاص، وهو ما عرف معناه ووضح معناه، وهناك متشابه خاص، وهو ما لم يعرف معناه ولم يوضح إلا بالرجوع إلى غيره، بالرجوع إلى محكم فيرجع إلى محكم فيعرف معناه، أو أحيانا لا يعرف هذا المتشابه فيرجع إلى الله جل وعلا. كحقائق الصفات، وكذلك حقائق الجنة والنار، وغيرها من هذه الأمور التي لا تعلم كيفياتها وحقيقتها، وإن كان تعلم معانيها. فهذا إن شاء الله تعالى ما يأخذ في قوله صور المحكمات. ونقف عند هذا ونكمل في درس لاحق، والحمد لله رب العالمين.