شرح كتاب التوحيد 181

شرح كتاب التوحيد 181

الدرس في شرح كتاب التوحيد 181، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم التوكل وحقيقته

التوكل هو اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب، ويتطلب تحقيق ثلاثة أمور: السبب، قابلية المحل، وعدم وجود المانع. حقيقة التوكل تتجلى في الجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله.

أهمية التوكل في الحياة

التوكل على الله عبادة عظيمة وهي شرط للإسلام والإيمان، يعتمد المسلم على الله في كل أمور حياته مع الأخذ بالأسباب، وقد دلت النصوص على أهمية التوكل في تحقيق النصر والرزق وغيرها.

التوكل سبيل للنصر على الأعداء

التوكل على الله هو السبيل للنصر على الأعداء، فالنصر من عند الله وحده ولا ينبغي أن ينسب لقدراتنا أو إمكانياتنا، بل يجب الاعتماد على الله حق الاعتماد في مواجهة الأعداء.

ختام وأهمية التوكل كتوحيد

التوكل على الله أحد مقامات التوحيد، ويوجد صور أخرى منه سيتم ذكرها لاحقا، ويُطلب من الله النفع بما قيل ويُختتم بالصلاة على النبي والسلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾. بواب المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الباب، وهي من الأبواب الجديدة من كتاب التوحيد، والذي فيه سيتحدث المؤلف رحمه الله تعالى عن مقام التوكل، التوكل على الله. والمؤلف رحمه الله تعالى في الأبواب التي خلت، يعرج على ذكر أهم مقامات التوحيد الذي به يكون كمال التوحيد الواجب، بدءًا بدأ بمقام محبة الله، ثم عرج على مقام الخوف من الله، وهاهو يذكر لنا مقام التوكل على الله جل وعلا. ومقام التوكل، إخواني في الله، فريضة من فرائض الدين، وواجب من واجبات التوحيد، ولهذا كان إفراد الله به من أعظم صور التوحيد، إفراد الله جل وعلا بالتوكل من أعظم صور التوحيد. وسيأتي معنا أن المؤلف رحمه الله تعالى سيأتي لنا بالأدلة الكثيرة الدالة على عظيم هذا المقام. وهنا، قبل الشروع والدخول في آيات ونصوص الباب، نذكر أهم المسائل الممهدة والموطئة لهذا المقام العظيم من مقامات الدين. فالتوكل، إخواني في الله، لغة: بمعنى التفويض، التوكل لغة بمعنى التفويض، كلت الأمر إليك أي فوضته إليك. واصطلاحا، قال العلماء: هو اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار، هذا هو التوكل على الله، اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار. فمن فعل ذلك كان من عباد الله المتوكلين. فحقيقة التوكل، كما يقول العلماء، هو أن تعلم أن هذا الملكوت، وأن هذا الكون كله بيد الله جل في علاه، وأنه لا مناصة يا عبد الله من أنك تأخذ شيئًا من هذا الكون إلا بعد أن تتوكل عليه جل في علاه سبحانه وتعالى. ولهذا قال العلماء: حقيقة التوكل أن تعتمد على الله مع الأخذ بالأسباب، تعتمد على الله مع الأخذ بالأسباب. وفي الحديث: «اعقلها وتوكل»، اعقلها وتوكل، خذ بالسبب وتوكل على الله جل وعلا. فأخذ الأسباب لا ينافي الاعتماد على الله، بل إن مقام التوكل يقوم على الأخذ بالأسباب، لكن باعتبارها أسبابا، فلا تتكل عليها، لا تتكل عليها. ولهذا يقول العلماء: أن المسلم في باب التوكل إذا أخذ بالسبب لا يعتمد عليه، لأن السبب ليس هو الشيء الأوحد الذي يتحصل به المراد، لا تظن أنك تعتمد على الله وأنت تأخذ بالأسباب أن السبب هو الشيء الوحيد إن قمت به تحقق المراد، لا، بل قال العلماء: أن تحقيق المرادات يكون عن ثلاثة أشياء، إن أردنا الحصر. فإن تحقيق المرادات تكمن في ثلاثة أشياء: أولا، أن تأخذ بالسبب، أن تأخذ بالسبب. ثانيا، قابلية المحل للسبب. ثالثا، خلو الأمر من المضاد. هذه الأشياء الثلاثة ينبغي أن تتوفر حتى يتحقق المراد. مثاله: من أراد العافية للأجساد، أراد الصحة للأبدان، عليه أولا أن يأخذ بالأسباب، يتناول الدواء، يتناول العلاج. إن فعل ذلكم، هل ستأتيه العافية؟ لا، لابد من أمر آخر، وهو أن البدن، وأن الجسم، أي المحل، قابل لاستقبال الدواء. أحيانا بعض الناس يتناول علاجا ما يقرره الأطباء، فتجد أن الجسم يلفظه ويرفضه، ما يتقبل العلاج، ما يتقبل. ولهذا يأتي الأطباء بعد ذلك بالبدائل، يقول: جسمك ما يتقبل. ولهذا أحيانا السبب لوحده غير مجدي، فقد يكون أن الجسم لا يتقبل، أو أن الجسم عنده مضاد، أي أن المحل عنده مضاد، مضاد أي يفسد هذا الدواء، يفسد هذا العلاج. ولهذا قال العلماء: أن الأسباب ليس لوحدها يتحقق المراد. وبهذا نعلم أنك يا عبد الله في مقام التوكل على الله لا تعتمد على السبب، بل اعمل بالسبب واعتمد على الله جل وعلا، هذا هو حقيقة التوكل. ومن هنا قسم العلماء التوكل على عدة أقسام، التوكل له عدة صور. من أعظم صور التوكل التوكل على الله، والتوكل على الله عبادة عظيمة جدا جدا، عبادة بلغ من عظمتها أن الله جل وعلا أمر بها، ولا يأمر ربنا سبحانه وتعالى إلا بأمر عظيم، لا يأمر إلا بأمر عظيم. وسيأتي معنا في هذا الباب الآيات التي سردها لنا المؤلف رحمه الله تعالى لبيان فريضة مقام التوكل. ومما يدل على عظمة هذا الباب أن الله جل وعلا علق إسلام العباد، وعلق إيمان الأنام على مدى قيامهم بهذا المقام، فعلى قدر توكلك يكون إسلامك، وعلى قدر توكلك يكون إيمانك، كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، فجعل ربنا جل وعلا التوكل شرطا في الإسلام وشرطا في الإيمان. وقد أبدع الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أيما إبداع عندما أطنب وأسهب في ذكر مقام التوكل، كما في كتابه الفذ «طريق الهجرتين»، حيث أنه جعل فصلا خاصا بالتوكل، وأشار إلى أهمية هذا المقام، ثم بين علاقة التوكل بغيرها من مقامات الدين، فذكر علاقة التوكل بالعبادة، وعلاقة التوكل بالإيمان، وعلاقة التوكل بالتقوى، وعلاقة التوكل بالهداية، وهكذا، مما دلت عليه نصوص الشريعة. حتى حتى عبر من عبر من سلف الصالح بأن التوكل من الدين كحال الرأس من الجسد، تخيل جسد بلا رأس، لا حياة له، وهكذا الدين بلا توكل، لا دين لك. فلابد، إخواني في الله، من توفر التوكل في كل أمورنا، ما من أحد إلا في هذه الدنيا محتاج إلى الله، إذن توكل على الله، توكل على الله يا عبد الله في كل شيء من أمورك. في كل شيء إذا أردت، إذا عزمت على أمر، أي أمر ما عزمت عليه، عزمت على سفر، عزمت على مشروع، عزمت على ذهاب، عزمت على إياب، عزمت على أخذ، عزمت على عطاء، أي عزم عزمت عليه توكل. فإذا عزمت فتوكل على الله، أي عزم إذا توكلت على الله فستجد الخير يأتيك. هذا كذلك في باب الأرزاق، من أراد الرزق من الله فعليك بالتوكل، لا تظن يا عبد الله أن هذا المال وهذه التجارة التي تغدق عليك إنما جاءت بعقلك أو بحذلقتك أو بشطارتك، إنما هو رزق ساقه الله إليك. لو تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا. التوكل كذلك يا عبد الله من أراد النصر على أعداء الدين، من أراد النصر على الكفار المعتدين، قال الله: ما هنالك من طريق ننتغل بها على الكفار بشتى صورهم، وعلى عظيم قوتهم، بمثل ما يكون من توكلنا على ربنا جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾، ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾. وهنا فيه تقديم حقه التأخير، تقدير الآية: يتوكل المؤمنون على الله، لكن على الله قدم ما حقه التأخير لإفادة الحصر، كما يقول أهل البلاغة، أي لا تتوكل على غير الله في أي مقام، في مقام النصرة: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم﴾، متى يأتينا نصر الله جل وعلا؟ متى اعتمدنا عليه وتوكلنا عليه، فيأتينا نصرة الله والمدد من عند الله جل وعلا. وها نحن إخواني في الله في مثل هذه الأيام نتابع هذه الأحداث الدامية والتي تقع في أرض فلسطين، وما نسمعه من أخبار، وإن القلوب لتهفو إلى تلكم الديار، وإن الأبصار لتنبو إلى ما نسمعه من هذه الأحداث الجارية الدامية من قتل شعب أعزل، وما قام به أهل تلكم البلاد من فتيانها وشبابها من الذب والدفاع عن الأعراض وحمى الدين. فنسأل الله جل وعلا أن يثبتهم. لكن فليعلم ولنعلم جميعا أن والله من أعظم ما ننتصر به على أعداء الدين لا بقوتنا ولا بصولتنا ولا بجولتنا ولا بعدتنا ولا بعتادنا، وإنما على قدر تمسكنا واعتمادنا على ربنا جل وعلا، ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾. إن توكلنا على ربنا جل وعلا فانتظر يا عبد الله البشرى من الله والمدد من عنده سبحانه وتعالى. وإن مما يحزن في النفس ونحن في قضم هذه المتابعات أن يطل علينا من يطل من المحللين والسياسيين، وإذ به إذ أراد أن يذكر هذه المفاخر - وهي مفاخر لا شك فيها ولا ريب - أن نجد من أمثال هؤلاء الأبطال أن الله جل وعلا يجعل في أيديهم ما فيه شفاء لما في صدورنا من غل وحقد على الكافرين. أن شفى الله صدورنا بهذه المقاتل والمجازر التي يفعلها الأبطال ضد اليهود والنصارى الملحدين. لكن ينبغي أن نعلم أن لا يطل علينا من يطل من أهل التحاليل والأخبار، ثم يرجع هذه الانتصارات لأنفسنا، بسبب ذكائنا، بسبب الصواريخ النوعية، بسبب كذا، بسبب كذا. لا يعبد الله، هذه أسباب، تعلق بالله جل وعلا، وما النصر إلا من عند الله، النصر من عنده لا من عندنا، لا على قدراتنا، لا على أسرحتنا، لا على صواريخنا، لا على عنصر المفاجأة، كما يكون هذا، كل بتأييد من الله جل في علاه. حتى ما يكون من رمينا وإصابتنا وتسديدنا للأهداف، إنما هو من عند الله، ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ جل في علاه، هو الذي يسدد، وهو الذي يصيب الهدف إن شاء، إن شاء جل في علاه. ولهذا ينبغي على من أراد أن ينبو وأن يقوم أمام أعداء الدين كائنا من كان، من إخوان القردة والخنازير، أو من كان من عباد الصلبان والصليب، أو من كان من الملحدين على كفى صورهم وأشكالهم، يا عبد الله اعتمد على الله، كن في قلبك صدق الاعتماد على الله جل وعلا في أن الله هو الذي ينصرك، تطلب المدد، تطلب الاستمداد، وتعلم أن ما من توز أو نصر أو ظفر أو غنيمة إنما الله هو الذي أرادها لك. وبالمقابل لا يستهويك الفزع ولا الخوف ولا الهلع من الكفار ولو تحالفوا، قال عليه الصلاة والسلام: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك»، رفعت الأقلام وجفت الصحف، الأمر بيده جل في علاه. فإذا كان الأمر كذلك، فينبغي على العبد المسلم إذا أراد النصر، النصر على أعداء الدين، فليكن شديد التعلق بالله، بصدق الاعتماد عليه في ذهابه وأيابه، وفي رميه وفي قذفه، فكل شيء بيد الله جل في علاه. فهذا نوع الأول، إخواني في الله، من أنواع التوكل، وهو التوكل على الله، من أعظم الأنواع، ومن أنفعها عند الله جل وعلا، بل هي من أعظم مقامات التوحيد. وبقي هناك عدة مقامات أو صور من صور التوكل يأتي ذكرها في حينها. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.