الدرس في شرح كتاب التوحيد 184، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الحديث بوصف صفات المؤمنين وبيان أن الإيمان يزيد وينقص، مع التركيز على أهمية قراءة القرآن في زيادة الإيمان. يُظهر المقطع الأول التأثير الكبير للقرآن على حياة المؤمنين.
يتطرق الخطاب إلى أهمية التوكل على الله والجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل لتحقيق النصر، مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُبرز هذا الفصل الدور الحيوي للتوكل في مختلف الأحوال.
يؤكد هذا الفصل على أهمية الدعاء في أوقات الشدة والابتلاء، مستشهدًا بقصص تاريخية مثل قصة نبي الله نوح عليه السلام. يحث على الإلحاح في الدعاء والتوكل الصادق على الله.
يختتم الخطاب بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مع التأكيد على علم الله تعالى. يُعد هذا الختام تأكيدًا على أهمية التضرع إلى الله في كل الأحوال.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية الكريمة في مقام استدلاله على مقام التوكل على الله جل في علاه. وهذه الآية التي بين أيدينا فيها بيان لعظيم صفات أهل الإيمان، وبدأت هذه الآية بأداة من أدوات الحصر، وهي قوله جل وعلا: ﴿إنما المؤمنون﴾. و«إنما» أداة من أدوات الحصر، بمعنى أن الحكم إنما محصور في هؤلاء، إذن لا إيمان عند الله جل وعلا إلا هؤلاء لمعنى الإيمان الكامل. فالناس يتفاوتون في صفاتهم، فمن أعظم صفات أهل الإيمان من حاز على هذه الصفات. وإن الله جل وعلا إنما يذكرها لنا لكي نتحلى بها. فإن استطعت أن تأتي بها على أكمل وجوهها فأنت أنت، وإن لم تستطع يا عبد الله فلا أقل من أن تتحلى بمثل هذه الصفات بما تستطيع من جهد. فالصفة الأولى التي ذكرها الله عن أهل الإيمان: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾، إذا ذكر الله جل في علاه كان أثر هذا الذكر أن يصل إلى القلب فيحدث خوفا؛ لأن «وجل» بمعنى خاف وفزع. كان من أثر التذكير تذكيرهم بالله أن أوجد ذلك الخوف والخشية والرهبة من الله. لا يقول العلماء أن أثر هذا الخوف لا يكون فقط باطنيا، بل ينبغي أن يظهر أثره على الواقع بأن تنكف عما حرم الله، عما زجر الله عنه. ولهذا ذهب كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية على هذا المعنى: أنه في حق رجل هم بمعصية ما، فذكر بالله جل وعلا فخاف فأقلع. الذين إذا ذكر الله أي ذكروا بالله وجلت قلوبهم فانكفوا. هكذا يكون المؤمن، كما في حديث ذاك الرجل الذي تعلق قلبه بابنة عمه إلا أنه راودها عن نفسها، فلما كاد أن يقع بها ذكرته بالله، قالت له: «اتق الله»، فلما ذكر بالله خاف، فأتبع الخوف بالقلع، فانقلع عنها وما فعل بها شيئا. هذا هو الإيمان. لأنك يا عبد الله تهم بالمعاصي ثم تذكر بالله، تقول: «نعم أنا خائف أن عندي خوف من الله»، لا تذكرني «أنا خائف من الله»، ثم إذ بك تسترسل، هذا ليس خوفا من الله. لو كان خوفك حقا لظهر ذلك في واقعك. ثم قال ربنا عز وجل في بيان الصفة الثانية: قال: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾، هذه الصفة الثانية من صفات أهل الإيمان. إذا تليت عليهم آيات الله ذكر عليهم وتلي عليهم القرآن، تأثر وكان من تأثير القرآن أن زاد ذلك في إيمانهم. وفيه بيان على أن من أعظم عوامل زيادة الإيمان القرآن. فمن وجد من نفسه قسوة، ومن وجد في نفسه وحشة، ومن وجد في إيمانه ضعفا، أقبل يا عبد الله على القرآن قراءة، أكثر منه، فحينها ستجد من الإيمان ومن التقوى ما لا تجده في غيرك. ولهذا ذكر الله جل وعلا من صفات أهل الإيمان: ﴿الذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾. وفي هذه الآية بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة من أن الإيمان يتفاضل، فهو يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. هذه عقيدة أهل السنة، بخلاف الوعيدية وبخلاف المرجئة. فالناس يتفاضلون في الإيمان، ومن أعظم ما يزاد به الإيمان قراءة القرآن. وفي هذه الآية كذلك فائدة أخرى: إلى أنك يا عبد الله يمكن أن تزيد في إيمانك من خلال قراءة القرآن، سواء أكان ذلك بقراءتك لنفسك أو بأن يقرأ عليك غيرك. لهذه الآية: ﴿وإذا تليت عليهم﴾، لست أنت التالي، التالي غيره، ومع ذلك أثر هذا فيك. فالإنسان قد يتأثر بالقرآن ولو قرئ من غيره. قرئ من غيره يتأثر بهذا. وهذا الذي كان يصنعه عليه الصلاة والسلام أحيانا، كما طلب من عبد الله ابن مسعود: «اقرأ علي القرآن». قال: «يا رسول الله أقرأه عليك وعليك أنزل؟!» أي: «أنت أولى، أنت أولى، أنت صاحبه الذي نزل عليك القرآن». قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». من غيري. فتلى عليه ابن مسعود آيات من سور من القرآن. فالشاهد من ذلكم أن الإنسان يتأثر بالقرآن سواء هو الذي يتلوه أو أن التالي غيره، كمن يستمع إلى قراءة الإمام وهو يقرأ في صلاة الجهرية. وهذا فيه إشارة إلى عظيم مقام التدبر لكتاب الله جل وعلا، أو أنك تسمع القرآن كما يوجد في هذه التقنيات في الإنترنت أو الجوالات أو الراديو أو الإذاعة أو المسجل. هذا يا عبد الله إن أصغيت إليها سمعك مع التدبر، فإن هذا معين على زيادة الإيمان. قال: ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾، هذه الصفة الثالثة، وهي التوكل على الله. وعلى الله ماذا؟ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾. وهنا فيه مبلغ ما يعني، كما يقال: ما أخذ بلاغي في تقديم ما حقه التأخير. تقدير الآية: «يتوكلون على ربهم»، لكن جاء السياق: ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾. وقد مر معنا أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الاختصاص ويفيد الحصر ويفيد القصر، أي أنه لا توكل إلا على الله. فهذا من عظيم صفاتهم أنهم يتوكلون على ربهم. ثم تمام الآية في بيان صفتين جاء ذكرهما في نفس سياق هذه الآية، قال ربنا جل وعلا: ﴿الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا﴾. الصفة الرابعة من صفات أهل الإيمان: إقامة الصلاة. وقال العلماء: وهذا يشمل الصلاة الفريضة والصلاة النافلة، ويشمل أداؤها أن يكون على أكمل الوجوه في شروطها وأركانها وهيئاتها. هذا من صفات أهل الإيمان الحرص على إقامة الصلاة. الصفة الخامسة: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، على قول جماعة من المفسرين: أي «مما» ومن هنا يكون للتبعيض، أي أنهم يخرجون من أموالهم ما يكون نفقة، لا يستأثرون بأموالهم لأنفسهم، وإنما يقتطعون من أموالهم ما هو لله. هل يدخل في هذا الزكاة؟ نعم يدخل في هذا الزكاة، فإنها من النفقة التي يحبها الله، وهي نفقة واجبة تنفقها في سبيل الله. ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، ويدخل في ذلك ما تنفقه على أهلك، ما تنفقه على قرابتك، ما تنفقه على حوائج المسلمين، فإن ذلك من صفات أهل الإيمان. فهذه الآية شملت واحتوت على خمس صفات، ختمها بدأها ربنا بقوله: ﴿إنما المؤمنون﴾ حصر، وختمها ربنا بقوله: ﴿أولئك هم المؤمنون حقا﴾. فلينظر كل منا أين هو من هذه الصفات الخمس؟ إن استطاع أن يحوزها وقل من يفعل ذلك، كان على خير عظيم. لكن احرص يا عبد الله على أن تتصف ببعض صفاتها أو بجزء من أجزائها. الشاهد من هذا كله أن المؤلف رحمه الله تعالى أورد لنا هذه الآية في بيان مقام التوكل، ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾. المؤمن يتوكل على الله في كل شؤونه وفي كل أحواله. وقد مرت معنا مسائل التوكل، ومما أضيفه كذلك من مسائل التوكل: ينبغي على المسلم أن يعلم أنه محتاج إلى التوكل في كل أحواله، في وقت قوته وشدته، وفي وقت ضعفه وعزه، في كل الأحوال. يا عبد الله، أنت محتاج إلى أن تتوكل على الله في وقت القوة والشدة، وأعطاك الله ما أعطاك من أسباب الظهور والغلبة والنصر والظفر، هنا كذلك مع قوة بأسك تحتاج إلى أن تتوكل على الله، لا تغتر بما أعطاك الله، لا تغتر كما في قوله عز وجل: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾. أعطاهم الله سببا من أسباب القوة، وهو كثرة العدد، حتى قال من قال ممن خرج في هذه الغزوة في غزوة حنين: «لن نغلب، لن نغلب من قلة عددنا، كثير وجيشنا وفير». حينما اعتمدوا على الأسباب لم يأت ربنا بالنصر. ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا﴾. وقد مر معنا في حديث أمس في دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم بك أصول وبك أحول وبك أقاتل». بغض النظر عن الأسباب المتاحة ولو توفرت، فليكن اعتماد المسلم في غلبة على أعداء الدين، ولو أعطاه الله ما أعطاه من المدد من الأسباب، فليكن كذلك اعتمادنا على ربنا. وهكذا قل في وقت ضعفنا وعزنا، كما نحن فيه الآن في مثل هذه الأزمان، وأعداء الدين يتلاعبون بنا، وما نسمعه من الذل والهوان الذي ضرب على أهل الإسلام في شرق الدنيا وفي غربها، وفي غربها، وما أحوال أهل فلسطين عنا ببعيد. ضعف وعز ابتلينا به هوان إلى الله نشكو ضعفنا وعزنا، وما يقع في حقهم من مجازر يندى لها الجبين ويتقطع لها القلب ويدمي لها الصدر. مع ضعفنا وعزنا هنا نجعل ضعفنا وعزنا وسيلة إلى أن نصدق مع الله في صدق توكلنا على الله. ذلكم مثلا بالدعاء، نلهج إلى الله جل وعلا بالدعاء، ندعو ونلوذ على الله بالدعاء بالاستغاثة والاستعانة والتضرع والالتجاء إليه، وصدق الاعتماد عليه. للأسف نجد أن من الناس من إذا سمع بمثل هذه الأقوال وما ينبغي على أهل الإسلام في مثل هذه الأحوال من ضرورة كثرة الدعاء والتضرع إلى الله، يجعل أن هذا يحسب علينا، وأن هذا ضعف، وأن هذا عجز، وأن هذا إنما هو دغدغة للعواطف، وأنه ينبغي أن ننبغي للعدو، ولا وسيلة ولا وسيلة إلى ذلك إلا أن نأخذ حقنا بأيدينا. يا عبد الله، لا تستحقر من شأن الدعاء، لا تستحقر من شأن الدعاء. لنا عبرة بمن هم أفضل منا وخير منا، ابتلاهم الله بأعظم مما ابتلينا به. لك عبرة يا عبد الله بنبي له نوح عليه السلام، كيف كان حاله؟ ابتلاه الله بالضعف، قل له من آمن معه؟ وما آمن معه إلا قليل، حتى السفينة التي بناها كانت كثيرة بالحيوانات والدواب والسباع والهوام والحشرات التي أمره الله أن يحملها عليها. وكان الأعداء كثر، كثر يضحكون عليه ويتضحكون عليه، بل وكانوا يستهزئون ويسخرون منه. حينها في حالة ضعفه بمن التجأ؟ بالدعاء، توكل على ربه، فدعا ربه: «إني مغلوب فانتصر». ما كان هذا يحسب عليه، بل كان هذا لصالحه. فلما رأى الله جل وعلا صدق اعتماد عبده عليه والتجاءه إليه، فدعا ربه: «إني مغلوب فانتصر»، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونا، فالتقى الماء على أمر قد قدر، وحملناه على ذات ألواح ودسر. نصر الله جل وعلا، أنت لا تعلم كيف يأتي نصره سبحانه وتعالى، يبتلي أعداء الدين بالهزيمة من حيث لا تشعر. لكن التجئ إلى الله، كحالنا في مثل هذه الأزمان والأوقات، نلح على الله بالدعاء، في سجودنا، في قيامنا، نسأل الله جل وعلا أن يفك هم أولئك الفلسطينيين، ومما ابتلوا به من خبث ومكر وكيد اليهود. ولا تستحقر يا عبد الله ولا تزدري من الدعاء، فالدعاء شأنه عظيم. في أحد المعارك كان القائد عليها قتيبة بن مسلم رحمه الله، وكان يتفقد جنده، ومن جنده محمد بن واسع العابد الزاهد، فكان قتيبة رحمه الله تعالى في الليل يتحرى ويسأل عن جنده، فسأل عن هذا الرجل الصالح: «أين محمد بن واسع؟» فقام جنده يبحثون عن هذا الرجل، فوجدوه في جوف الليل يدعو ويصلي، وقد رفع إصبعيه السبابتين إلى السماء يدعو: «يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم»، ويتبرع إلى الله جل وعلا على أن الله ينصرهم على عدوهم. فرجع من رجع، قالوا: «يا قتيبة، إنه يدعو الله جل وعلا». فما كان من قتيبة إلا أن فرح فرحا حتى أنه انهمرت منه دموع الفرح، قال: «أبشروا، أبشروا، فوالله لأصبع محمد بن واسع عندي أحب من المائة ألف سيف شهير، وأحب إلي من مائة ألف شاب طرير» -أي شجاع-. بماذا استأنس بهذا الأمر؟ وهو صدق الاعتماد على الله. فينبغي إخواني في الله، ونحن في هذا المقام، وفي هذه الأزمان، ومع هذه الأحوال التي ضاقت على أهلنا في فلسطين، وما يدبر لهم من مكيدة ومجازر ومقاتل، لا نيأس من روح الله. نلح على الله بالدعاء، ذاك بسجوده، ذاك في قيامه، ذاك في جوف الليل، نقطع من أوقاتنا من الإلحاح على الله من دعاء لربنا، دعوة صادقة تخرج من القلوب فتصل إلى علام الغيوب، فيغير الله جل وعلا مجرى الأحداث. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.