الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع الأول مسألة رؤية الله يوم القيامة، حيث يرى أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم، مع وجود خلاف حول رؤية غير المؤمنين لله. يقدم المقطع أدلة من القرآن والسنة على مختلف الآراء.
يصف المقطع الثاني مشهد يوم القيامة حيث يأتي الله عز وجل لأهل الإيمان ومنافقوها في غير صورته ثم في صورته، ويكشف عن ساقه ليتميز المؤمنون من المنافقين. يبين أن المؤمنين يسجدون لله بينما يفشل المنافقون في السجود.
يتناول المقطع الثالث مسألة رؤية الله عز وجل يوم القيامة، حيث يوضح أن أهل السنة يرون أن أهل الإيمان يرون الله يوم القيامة، مع الإشارة إلى وجود أقوال مختلفة بين أهل الملة حول هذه المسألة.
يشير المقطع الرابع إلى وجود أدلة سيتم ذكرها في درس لاحق لتدعيم وجهة نظر معينة والرد على المخالفين، مع التأكيد على أن الله تعالى سيكون أعلم بهذا الموضوع.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فأخذنا شيئًا مما ذكره المؤلف في فصل الرؤية، وأن أهل السنة يرون أن المؤمنين يرون ربهم، وذكرنا دليلًا على هذا. وهناك خلاف في مسألة بين أهل السنة، وهي هل يراه غير المؤمنين؟ أن هل يرون الله عز وجل أحد غير أهل الإيمان؟ أم أهل الإيمان فقط الذين يرونه؟ فمن بعض أهل السنة، كابن بطة العُكبري، وكذلك بعض أهل الحديث، ونُسب إلى بعض الصوفية أن الكفار أيضًا يرون الله، ثم يحجب عنهم. واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، قالوا: الحجب يكون بعد الرؤية، يكون الحجب بعد أن يرونه، يحجبون عنه. وهناك قول أيضًا لأهل السنة كذلك، فهو قول أكثر أهل السنة على أنه لا يراه إلا المؤمنون، لا يراه إلا المؤمنون. وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رسالة في هذه المسألة، أرسلها إلى أهل البحرين، سئل عن هذه المسألة، فألف رسالة وأرسلها إليهم، ورجح فيها أنه لا يراه إلا المؤمنون. وهناك قول لابن خزيمة، وظاهر لابن المُنذر، وجماعة من أهل السنة أيضًا، قالوا أيضًا كذلك: يرونه المؤمنون والمنافقون، وغبارات من أهل الكتاب. وغبارات: أي طوائف من أهل الكتاب. واستدل بالحديث الذي في الصحيحين، حديث الشفاعة، وأن الله عز وجل يأتي عندما يتبع كل إنسان معبوده. فمن كان يعبد الشمس فيتبعه إلى النار، ومن كان يعبد القمر فيتبعه إلى النار، ومن كان يعبد الأصنام فيتبعهم إلى النار، وكل من يعبد أحدًا فيتبع معبوده. وأما أهل الكتاب فيبقون، أهل الكتاب، ومن كان يعبد الصالحين فيدخلون أيضًا إلى النار، لكن ليس مع معبودهم، لأن الله عز وجل يقول: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾. ثم يؤتى بأهل الكتاب، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: يقولون: يا رب، كنا نعبدك. فيقولون: فيقول الله عز وجل: كذبتم، بل كنتم تقولون: إن عزيرًا ابن الله. فيبقى في الموقف أهل الإيمان، أو هذه الأمة ومنافقوها، فتبقى هذه الأمة ومنافقوها، وغبارات من أهل الكتاب، أهل طوائف من أهل الكتاب ممن آمن بنبيه وآمن بجميع الأنبياء. فيأتيهم الله عز وجل في غير صورته، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله. أو يقول لهم: ماذا تنتظرون؟ قالوا: فيقولون: ننتظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله أن تكون ربنا. ثم يأتيهم في صورته جل وعلا، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: بلى، أنت ربنا. فيقولوا لهم: هل بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم، الساق. فيكشف الله عز وجل عن ساقه، فيسجد كل من كان يسجد لله في الدنيا. وأما من يسجد له رياء فيريد أن يسجد، فيرجع ظهره طبقًا واحدًا. معناه: يريد أن ينحني، يرجع إلى الخلف، ما يستطيع أن يسجد. فلهذا في هذا الحديث أن المنافقين من هذه الأمة أيضًا يرون الله، لكن قال بعض العلماء: أنه يحجب بعد ذلك عنهم؛ لأنهم يكونون من أهل النار. وبعض العلماء يقول: لعل في فهم هذا الحديث شيء؛ لأن من يحجب عن الله عز وجل لا دليل على أنه يراه. لأن الأدلة عامة في أنه يراه أهل الإيمان، كما ذكر شيخ الإسلام وغيره. لكن كما قلنا: في هذا الحديث يبين أن هناك غبارات من أهل الكتاب، وهم يحمل على أنهم من آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما هؤلاء الذين يرجع ظهرهم طبقًا واحدًا، فقد يكونون من المنافقين الذين كانوا هناك، أو أنهم من أهل الرياء. لكن ظاهر اللفظ أنهم من المنافقين، ثم يحجبون عن رؤية الله جل وعلا؛ لأنهم لا يدخلون الجنة، ويكونون من أهل النار، وفي الدرك الأسفل من النار. فهذا الحديث يدل على هذا، وهو أيضًا جمع بين القولين، وهو قول من قال: إنهم يرون الله ثم يحجبون عنه. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، حتى إن من رآه فإنه يحجب. فمعنى الكلام: أن منهم من يحجب من أول الأمر، لا يرى الله عز وجل أبدًا، ومنهم من يراه، لكن بعد ذلك يحجب، وهم المنافقون. وهذه مسألة الرؤية أيضًا، كما هو معلوم، أن فيها ثلاثة أقوال لأهل الملة، أو لأهل القبلة، كما يقول العلماء. فمنهم من يقول: إنهم لا يرونه أبدًا، وهم الجهمية، ويدخل معهم المعتزلة، والمعتزلة أيضًا، لكن المعتزلة يقولون: يرونه بدون حيز، يذكرون أشياء خطأ. وأهل السنة يرون أن أهل الإيمان هم الذين يرونه، كما ذكرنا في التفصيل السابق في المسألة. وأما الصوفية فيرون أنهم يرون الله عز وجل في اليقظة، أنهم يرون الله عز وجل في اليقظة، وهذا قول باطل. قال شيخ الإسلام: من يعتقد أنه يراه في اليقظة وأنه يكلمه مثل ما كلم موسى، فهذا يستتاب على كفره، وإلا يقتل، هذا يقتل كفرًا؛ لأنه جعل نفسه في منزلة الأنبياء والرسل، وأيضًا افترى على الله عز وجل أنه يراه في اليقظة، يعني: ليس منامًا. أما المنام، فأهل السنة يجوزون رؤية الشخص يرى الله عز وجل منامًا. وقد رآه جماعة من أهل العلم من التابعين، من أئمة التابعين، وكذلك الإمام أحمد وغيره. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رأيت ربي في أحسن صورة». وأما كما قلنا: الجهمية يرون أنه لا يرى مطلقًا، لا يراه أحد مطلقًا، وهذا قول باطل. واستدل بعدة أدلة، إن شاء الله، في درس لاحق، لعلنا نذكر ما استدل به والرد عليهم. والله تعالى أعلم.