الخطبة بعنوان العين وأثرها وعلاجها، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 4 جمادى الأولى 1445هـ الموافق 17 نوفمبر 2023م ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يؤكد المحور على حقيقة العين وتأثيرها البالغ المستند لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "العين حق"، ويسرد قصة إصابة الصحابي سهل بن حنيف بعين عامر بن ربيعة، مبيناً كيفية علاج النبي صلى الله عليه وسلم لها بأمر عامر بالاغتسال وصب الماء على سهل فبرأ فوراً، دالاً على مشروعية الاسترقاء والاغتسال من عين المعين كعلاج نبوي فعال.
يشرح المحور حقيقة العين وأنها من قدر الله، ضارباً أمثلة من السيرة لصحابة أصيبوا بها من نظرة إعجاب لا حسد فقط أدت لمرضهم أو وفاتهم، ويستعرض هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رقية المصابين بالأذكار والمعوذات، وأمره بالبركة عند الإعجاب بقول: ما شاء الله لا قوة إلا الله، تبارك الله، مؤكداً أهمية التحصن بالأوراد الشرعية.
يستعرض المحور أحكام العين وعلاجها بغسل العائن والصب على المعيون، ويؤكد على التحصين بالبركة عند الإعجاب وقراءة الأذكار والقرآن، مع ذكر أمثلة من السنة النبوية في تعويذ الأولاد والوقاية من العين والحسد، مكملاً للجانب العملي والتطبيقي للعلاج النبوي.
يختتم الدرس بدعاء المتحدث الله سبحانه وتعالى أن يحصي الأعداء عدداً ويقتلهم بدداً ولا يترك منهم أحداً، سائلاً المولى أن يعز المسجد الأقصى وأهله، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن مما يهم الإنسان في هذه الحياة الدنيا أن يعيش حياة طيبة وحياة هنيئة وحياة سعيدة، دون منغصات ودون أكدار ودون أمراض. وإن من أخطر الأمراض التي قد تصيب الإنسان في هذه الحياة الدنيا، إذا قضى الله عز وجل وقدر ذلك له، مرض العين. فقد كان هذا المرض في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعالجه، يعالج هذا المرض إذا أصيب به بعض أصحابه، يعالج هذا المرض إذا انتشر في المدينة. فكان عليه الصلاة والسلام ربما زار بعض بيوت أهل المدينة فوجد فيهم المريض بالعين، فيقوم النبي عليه الصلاة والسلام بالدعاء له والاسترقاء له، لأن هذا المرض الخطير لا يجعل الإنسان يعيش حياة طيبة، بل ربما أدى به إلى الموت، عياذاً بالله. وهنا يروي أحد الصحابة الكرام قصة وقعت له، وهو سهل بن حنيف رضي الله عنه. فقد أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث أبي أمامة ابن سهل بن حنيف، يرويه عن أبيه الصحابي الجليل، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وساروا معه حتى إذا بلغوا شعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف، وكان رجلاً أبيض حسن الجسم. وهنا الشاهد في هذا الحديث: وكان رجلاً أبيض حسن الجسم. فنظر إليه عامر بن ربيعة، فقال: «ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة»، «ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة». فلبط سهل، أي فصرع وسقط في الماء. فجاء الصحابة رضي الله عنهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، هل لك في سهل؟ إنه والله لا يرفع، لا يرفع رأسه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل تتهمون فيه من أحد؟» فقالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ائتوا به». فدعاه، فقال: «يا عامر» - بعدما تغيض عليه، أي تغير وجهه عليه الصلاة والسلام - قال: «يا عامر، على ما تقتل أخاك؟ على ما تقتل أخاك؟ هلا إذا أعجبك شيء بركت، هلا إذا أعجبك شيء بركت». ثم قال له: «قم فاغتسل». فقام عامر رضي الله عنه وأرضاه، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وحقويه وداخلة إزاره. قال: ثم دعا بقدح، فصب على رأسه من قفاه وظهره، ثم أكفأ ذلك القدح. فقام سهل رضي الله عنه وأرضاه يمشي مع الناس وليس به بأس. تأمل أخي المسلم في هذا الحديث، كيف أن الصحابي الجليل سهل بن حنيف رضي الله عنه أصيب بالعين من قبل عامر بن ربيعة رضي الله عنه، وكلهم صحابة، إلا أن العين حق قد تصيب الإنسان بقدر الله عز وجل. فقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في البخاري من حديث أبي هريرة: «العين حق»، ونهى عن الوشم. وروى مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا». هكذا عليه الصلاة والسلام يقول في أمر العين أنها حق تصيب الإنسان. ولهذا قال العلماء: العين تدخل الرجل القبر كما تدخل الجمل القدر، بمعنى أن العين قد تصيب الإنسان وتدخله القبر، أي تميته إذا لم يعالج منها. يقول الإمام النووي رحمه الله في شرح حديث ابن عباس: وفي هذا أن العين من القدر، يريد الرد على من قال أن العين هي القدر، ولكن العين هي من أقدار الله سبحانه وتعالى. قال: العين من القدر، وصحة أمر العين، وأن الضرر بها قوي، الضرر بالعين قوي. فهذا صحابي جليل اغتسل وكان ذا حسن، أي حسن البشرة والجلد، فنظرة واحدة ربما كادت أن تود بحياته، ما استطاع أن يقوم من مكانه ولا يرفع رأسه بسبب هذه العين. وهكذا أيضاً جاء عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أنه جاءه هشام بن عبد الملك الأمير الأموي، جاء إلى المدينة فدخل عليه سالم، فلما كلمه في بعض حاجاته وانصرف عنه، قال هشام بن عبد الملك: «ما رأيت ابن سبعين أحسن كدنة منه»، أي كثير الشحم واللحم. فسبحان الله، بعض الناس لا يبالي ما يخرج من فيه من الكلام. هذا نظر وذاك قال. فأصيب سالم رضي الله عنه، وصل إلى بيته فجاءته الحمى. فقال سالم، وقد عرف أن العين أصابته من هذه الكلمة التي قالها هشام بن عبد الملك: «ما رأيت ابن سبعين، ما لك وابن سبعين؟» أي صاحب سبعين سنة وممتلئ اللحم والشحم. فحم سالم رحمه الله، فقال: «والله لقد أصابني الأعور»، يريد هشام بن عبد الملك، «لقد أصابني الأعور». قالوا: فما خرج هشام من المدينة إلا وقد صلي على سالم، ما تسالم رحمه الله بسبب هذه العين. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يداوي المرضى إذا أصيبوا بالعين، يداوي المرضى، يدخل عليهم عليه الصلاة والسلام، كما دخل على أم سلمة، والحديث في صحيح مسلم: دخل على أم سلمة رضي الله عنها وعندها جارية، وعندها جارية، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما لي أرى بها السفعة؟» أي هذه الجارية كان فيها سوداد وشحوب في الوجه. «استرقوا لها»، أي اطلبوا لها راقياً. فالنبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يعالج هذه العين من هذه الجارية. النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المتقدم غضب على عامر بن ربيعة رضي الله عنه وأرضاه، قال: «على ما تقتل أخاك؟» أو قال: «على ما يقتل أحدكم أخاه؟ هلا بركت». فإذا أعجبك شيء أخي المسلم في نفسك أو في مالك أو في أخيك المسلم فلتبرك، أي قل: ما شاء الله، تبارك الله، عملاً بالآية والحديث. لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. فتقول: ما شاء الله لا قوة إلا الله، تبارك الله. فإن العين حق، فعلى ما أيها المسلم تقتل أخاك المسلم بنظرة، بنظرة إعجاب، أو بنظرة حسد، عياذاً بالله. فهذه العين التي أصيب بها الصحابي الجليل لم تكن عن حسد، وإنما كانت من إعجاب. ولهذا قال شراح هذا الحديث: إن العين قد يصاب بها الإنسان من الرجل الصالح، من الرجل الصالح، كلمة إعجاب أو نظرة إعجاب تودي بحياة إنسان، فتجعله مريضاً يعاني ويقاسي أيامه ولياليه. فقد تكون من محب، وقد تكون من غير محب، وهي أشدها إذا كانت من حاسد. ولهذا أمر عليه الصلاة والسلام أن يقرأ المعوذات: ﴿مِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. وقد اشتكى نبينا صلى الله عليه وسلم، فعاده جبريل عليه السلام، كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: لما اشتكى عاده جبريل، فقال: «يا محمد، اشتكيت؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «نعم». فقال: «بسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، من شر كل عين أو حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك». فكان جبريل عليه السلام يرقي نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم وهو خير البشر، فربما رأى من نفسه أنه يأتي الشيء ولا يأتي فيصاب بمثل هذا. فالإنسان عليه أن يتحصن بالأذكار الشرعية، يتحصن بالأوراد المأثورة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، استغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، في حديث أبي أمامة ابن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عامر بن ربيعة أن يغتسل، أمره أن يغتسل، قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا استغسلتم فاغسلوا». وجاء في حديث عائشة عند أبي داود وغيره أنها قالت: «كان العائن يؤمر بالوضوء، يؤمر بالوضوء في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يصب على المعين». هكذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام ذلكم العائن أنه يتوضأ أو يغتسل، فيغسل وجهه ويديه ومرفقيه ورجليه وركبتيه وداخلة إزاره، أي مما يلي الحقوين. فهكذا يفعل. وهذا إذا عرف العائن، فإذا عرف وجب عليه وجوباً كما قال أهل العلم أن يغتسل وأن يتوضأ وأن يصب على ذلك المعيون حتى يشفى بإذن الله، كما شفي سهل بن حنيف رضي الله عنه وأرضاه. وهكذا أيضاً قال العلماء: إذا عرف العائن فينبغي عليه أن يعتزل الناس، إذا عرف من نفسه أنه يصيب الناس بالعين ينبغي عليه أن يعتزل الناس، وأن يستعين بالله سبحانه وتعالى على دفع هذه العين بقراءة القرآن والأذكار الشرعية، وأن يبرك على ما يراه أو ما يقوله ويخرج من فيه، أن يقول: تبارك الله. فهذه العين خرجت من محب ولكنه لم يقل تبارك الله، فإذا قال تبارك الله فإن الإنسان لا يصاب بهذه العين، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأى أحدكم شيئاً من نفسه يعجبه، أو ماله، أو من أخيه، فليبرك، فإن العين حق». فلهذا يا عبد الله، عليك أن تبرك إذا أعجبك شيء، وانظر إلى كثرة من يصاب بهذا الداء الذي يصاب به، إما ذو مال، وإما ذو حسن، وإما ذو جاه، وإما ذو علم، هذا في الغالب والأكثر أن يصاب هؤلاء. لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود». كل ذي نعمة محسود، أي من أعطاه الله عز وجل من نعمه ومن فضله فربما حسده غيره ممن ليست له هذه النعمة، فنظر نظرة أو قال كلمة ربما خرجت مع حسد، والعياذ بالله، ولم يقل تبارك الله، فأصيب بها هذا الإنسان. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام دخل على أولاد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بعد موته، دخل عليهم، فقالت أسماء بنت عميس، زوجة جعفر، أم الأطفال: «يا رسول الله، إن بني جعفر تصيبهم العين». وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام: «ما بال أولاد أخي جعفر؟ أجسامهم ضارعة، أجسامهم نحيفة ونحيلة، ربما يأكلون لكن لا يظهر ذلك في أبدانهم». فقالت أسماء: «يا رسول الله، إن العين تصيبهم». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «استرقوا لهم». كان عليه الصلاة والسلام يعوذ الحسن والحسين، فيقول: «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة». رواه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. يعوذ الحسن والحسين. ونحن كذلك يا عباد الله، علينا أن نعوذ أولادنا ونحصن أولادنا، لأنهم لا يعرفون شيئاً من هذه الأذكار، نعوذهم لئلا تصيبهم العين. وخاصة إذا كان الولد حسن الجسم، حسن الشكل. فقد رأى عثمان رضي الله عنه ولداً حسناً جميلاً، فقال رضي الله عنه: «دسموا نونته، دسموا نونته»، أي سودوا مكاناً، مكان طلوع اللحية، وهو هذا المكان، سودوا نونته، وهي المكان الذي يأتي أسفل الذقن. فقال: «سودوا نونته»، أي غيروه، لا تجعلوه يبدو أمام الناس سيما جميلاً، فربما أصابته العين، عياذاً بالله. فنسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وإحسانه أن يقينا وإياكم شر العين، وأن يقينا وإياكم كل حاسد إذا حسد، إنه ولي ذلك والقادر عليه. نسأله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وإحسانه أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن ينصر إخواننا المجاهدين في غزة وفي فلسطين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. نسأله سبحانه وتعالى أن يخذل الكافرين، وأن يخذل الشرك والمشركين. نسأله سبحانه وتعالى أن يرينا عجائب قدرته في اليهود. نسأله سبحانه وتعالى أن يحصهم عدداً، وأن يقتلهم بدداً، وأن لا يغادر منهم أحداً. نسأله سبحانه وتعالى أن يعز المسجد الأقصى وأهله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.