الألفة

الخطبة بعنوان الألفة، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 26 ربيع الآخر 1445هـ الموافق 10 نوفمبر 2023م ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

فضل التآلف والمحبة بين المؤمنين

تناولت الخطبة نعمة الله في تأليف قلوب المؤمنين بعد العداوة، مؤكدة أن تأليف القلوب لا يملكه إلا الله، ووجوب سعي المسلمين لتحقيق التآلف قولاً وعملاً، مع الاستشهاد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في وصف المؤمن باللين والانقياد للحق.

صفات المؤمن الهين اللين وأثر الألفة في النجاة من النار

وصف المقطع المؤمن بأنه هين لين سهل الانقياد، يألف الناس ويؤلفهم، ويشبهه بالجمل الذي يقوده الطفل، مستدلاً بأحاديث نبوية بأن هذه الصفات توجب حرمة النار على صاحبها، وذكر خمس خصال تزيد الألفة أولها إفشاء السلام.

أسباب زيادة الألفة والمحبة بين المسلمين العملية

عدد المقطع خمس خصال عملية تزيد المحبة والألفة بين المؤمنين: إفشاء السلام، إظهار المحبة بالقول والفعل، المصافحة، التهادي، والزيارة في الله، مستدلاً بأحاديث نبوية وآثار سلفية تؤكد أن هذه الأعمال تجلب محبة الله وتغفر الذنوب.

دعاء لنصرة المستضعفين في غزة وفلسطين

اختتم المتحدث بدعاء الله بنصرة المؤمنين في غزة وفلسطين وإنقاذ المستضعفين من بطش اليهود، وطلب تدميرهم بالكامل، وسأل الله المغفرة له ولوالديه ولجميع المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. امتنى الله عز وجل في هذه الآية الكريمة على عباده المؤمنين أن ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا أعداء، وبعد أن كانوا متفرقين، فهذه من أعظم النعم على عباد الله بعد نعمة الهداية والإيمان. فالله عز وجل هو الذي يؤلف بين القلوب، قد يستطيع المرء أن يحشر الناس في مكان معين، ولكنه لا يستطيع أن يؤلف بين قلوبهم، لأن ذلك لا يملكه أحد من البشر، لا يملك أحد تأليف القلوب إلا الله سبحانه وتعالى. ولهذا جعلها الله عز وجل منة عظيمة على عباده، قال الله عز وجل كما في سورة الأنفال: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾. فالذي جمع القلوب على الإيمان وعلى التوحيد الله عز وجل، وعلى المحبة وعلى النصرة هو الله سبحانه وتعالى. ولهذا ينبغي على كل مسلم أن يسعى إلى تأليف القلوب، يسعى إلى هذا الأمر العظيم الذي جعله الله عز وجل نعمة من نعمه العظيمة. ولهذا جاءت الأحاديث في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على فضل التآلف، فضل التحابب في الله عز وجل. فالألفة تعني المحبة بين عباد الله المؤمنين، وتعني النصرة لعباد الله المؤمنين، وتعني كذلك التأييد، وتعني كذلك طاعة الله سبحانه وتعالى. فهذه من نعم الله عز وجل ينبغي علينا تطبيقها واقعًا عمليًا في حياتنا، ليس فقط بالأقوال وإنما أيضًا بالأفعال. كل مسلم يسعى لتحقيق التآلف بينه وبين أخيه المسلم. ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام في صفتي المؤمنين: أي أن هذه الصفة، صفة التآلف والتحابب في الله عز وجل، هي من صفات المؤمنين. قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمنون هينون لينون»، وفي رواية: «المؤمن هين لين، مثل الجمل الأنف، أو كالجمل الأنف، أي الذي يؤخذ بأنفه، كالجمل الأنف إذا قيدا قاد، وإذا نيخ على صخرة استناخ». رواه البيهقي، وهو في صحيح الجامع. تأمل أيها المسلم قوله عليه الصلاة والسلام في صفة المؤمن أنه هيّن وأنه ليّن، أي هذا من طبعه، من طبع المؤمن أنه هيّن ليّن، ينقاد لإخوانه المؤمنين، ينقاد إلى الحق، ويتبع السنة، ويستنصح، وإذا نصح فإنه ينقاد لهذه النصيحة. فلهذا المؤمن يتصف بهذه الصفة، ليس شديدًا، وليس كذلك من أهل الجفاء، أو من أهل المنعة، أو من أهل الكبر، عياذًا بالله، وإنما من صفة أهل الإيمان، أهل الحق، أنهم هينون، وأنهم لينون، وأنهم ينقادون مثل ذلك الحيوان الكبير وهو الجمل، الذي ربما يقوده طفل من الأطفال، إذا قيد انقاد، وإذا نيخ ولو على صخرة استناخ. فكن هكذا يا عبد الله. وهكذا جاء أيضًا في حديث جابر عند البيهقي وغيره، وصححه الألباني رحمه الله كما في صحيح الجامع، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «المؤمن يألف ويؤلف، المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس». هكذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام في صفة المؤمن أنه بطبيعته إنسان أليف، مثلما نصف الحيوان الأليف الذي يأتي عند الناس ويدخل بينهم لأجل طلب رزقه ومعيشته، وتعرفون الحيوانات الأليفة التي تعيش بين الناس ولا تهرب منهم. وهكذا هذا المؤمن، أنه بطبيعته المؤمن الذي يتصف بصفات الإيمان لا ادعاء وإنما تطبيقًا عمليًا، أنه يألف الناس، يدخل معهم ويخالطهم ويصبر على أذاهم. فهذا المؤمن يألف ويؤلف، الذي يدخل بين الناس لطلب رزقه ولطلب معيشته، وأيضًا لأجل أن يحبه الناس، فإن الناس يألفوه، وإذا ألفوه ألفهم كذلك. فهكذا ما جاء في صفة المؤمنين. وإذا حقق المؤمن هذه الصفة، صفة الألفة التي تعني المحبة والتقارب في القلوب، وهكذا أيضًا هذه الصفة العظيمة، فإن الله عز وجل يحرمه على النار، كما جاء عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو تحرم النار عليه؟» قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «كل مؤمن هين لين سهل». انظروا إلى هذه الصفات، ولينظر كل امرئ منا هل تتحقق فيه هذه الصفات العظيمة حتى ينجو من نار الله عز وجل وتحرم عليه النار. فإنما النار والعياذ بالله لأهل الكبر، لأهل العناد، لأهل الشدة، وإنما المؤمن الهين اللين السهل المنقاد المحب لإخوانه المؤمنين الذي يألفهم، فإن هذا ممن يحرم على النار. وقال صلى الله عليه وسلم: «من كان هينًا لينًا سهلًا حرمه الله على النار». وكن يا عبد الله متصفًا بهذه الصفات العظيمة، صفة الألفة والمحبة والمودة لإخوانك المؤمنين، وكن منقادًا ومطيعًا، لا هاربا ولا شاردًا ولا مستعصيًا على عباد الله المؤمنين. نسأل الله عز وجل بمنه وكرمه وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أيها المؤمنون، عباد الله، إن مما يزيد الألفة بين عباد الله المؤمنين خمس خصال، هذه جاءت بها الأحاديث النبوية عنه عليه الصلاة والسلام، مما تجعل المسلم يزداد محبة في قلوب إخوانه إذا طبقها، ليس فقط في قلوب إخوانه الذين هم على منهجه، بل في قلوب الناس، في قلوب الناس جميعًا، أنهم يحبونه إذا اتصف بهذه الخصال، لأن هذه الخصال جاءت عامة وليست خاصة. فمن طبقها، من باب أولى أنه إذا حصل على محبة عموم المؤمنين، أن كذلك يحصل على محبة خواص المسلمين، وخواص المؤمنين، وخواص أهل السنة والجماعة. فلنحرص على تطبيقها، على تطبيقها عمليًا، حتى نتصف بصفة المتآلفين المتحابين في الله عز وجل. من هذه الخصال: فقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن مما يزيد الألفة والمحبة بين المؤمنين السلام. أوْلى: «أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم، أفشوا السلام بينكم». فصفة السلام، والسلام اسم من أسماء الله عز وجل، تلقيه على عباد الله، تلقيه على عباد الله فيحبونك إذا سلمت عليهم، فتسلم عليهم لأنها صفة ينبغي لكل مسلم أن يتصف بها، فهي تحية أهل الإسلام في الدنيا، وهي تحيتهم كذلك في الآخرة في جنة الله عز وجل، تحيتهم يوم يلقونه سلامًا. انظر يا عبد الله إلى صفة السلام وما يقول فيها نبينا صلى الله عليه وسلم: «أفشوا السلام بينكم». والحديث كما تعلمون في الصحيحين. وهكذا أيضًا مما جاء في زيادة الألفة والمحبة بين عباد الله المؤمنين: إظهار المحبة، أن تظهر في قلبك كما تبطن في قلبك المحبة أيضًا تظهرها بلسانك، تظهرها بأفعالك، تظهرها بلسانك وتظهرها بأفعالك. ليس السلام وحده هو الذي يؤدي إلى الألفة، وإنما كذلك إظهارها، وإظهارها يكون أنك تظهر لهم أنك تحبهم في الله عز وجل، لا لأجل مصلحة ولا لأجل دنيا، وإنما تحبهم لما فيهم من الإسلام، ولما فيهم من التوحيد، ولما فيهم من طاعة الله عز وجل. فتظهر لهم، كما جاء أيضًا عند النبي صلى الله عليه وسلم: لما مر رجل فقال رجل: يا رسول الله، إني لأحبه. قال: «أعلمته أنك تحبه؟» قال: لا. قال: «فاذهب فأعلمه، اذهب فأعلمه أنك تحبه». وإذا جاءك المسلم وهو يقول لك: إني أحبك في الله، فلا شك أنك تزداد بهذا قربًا منه ومحبة له، لأنه أظهر لك الحب، ولم يظهر لك العداوة، ولم يظهر لك البغضاء، ولم يظهر لك الحقد، وإنما ظهر لك بكلامه وبشاشته وحسن تصرفه وحسن أدبه وخلقه، أظهر لك المحبة. فمما يزيد التآلف بيننا جميعًا عباد الله: أن نظهر التآلف، نظهر المحبة فيما بيننا بالتواسي، وكذلك بطيب الكلام، وكذلك بالبشاشة وطلاقة الوجه. وهكذا أيضًا مما جاء مما يؤلف القلوب: المصافحة. قد جاءت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أول من جاء بالمصافحة هم أهل اليمن، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن، وهم أول من جاء بالمصافحة». فهذه بشرى لأهل اليمن لأنهم جاءوا بما يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا رأى المسلم أخاه المسلم صافحه، ولن يتفرقا بعد المصافحة حتى يغفر لهما ذنوبهما، كما جاء بحديث أنس وغيره. ولما سئل أنس عن المصافحة: أكانت في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: نعم. انظر، قال: نعم، أي أن المصافحة كانت في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، إذا لقي بعضهم بعضًا تصافحوا. فهذا مما يزيد الألفة، ومما يزيد المحبة. وهكذا وهكذا، وهكذا أيضًا الأمر الرابع مما يزيد المحبة: الهدية. فقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «تهادوا تحابوا». تهادوا، أي أن الهدية تزيد في المحبة. وهكذا أيضًا الزيارة، وهو الأمر الأخير الخامس: الزيارة، التزاور في الله عز وجل، سواء كان هذا أخوك المؤمن مريضًا أو لم يكن مريضًا، كما جاء في صحيح مسلم حديث ذلك الرجل الذي ذهب إلى قرية أخرى ليزور أخاه، فأرصد الله على مدرجته ملكًا، فقال له: أين تريد؟ قال: أريد القرية الفلانية. قال: وما لك فيها؟ قال: أزور أخا لي في الله، أزور أخا لي في الله. قال: هل لنعمة تربها عليه؟ قال: لا، ولكن أحببته في الله. قال: «فأنا رسول الله إليك أخبرك أنه يحبك». فإذا الزيارة قال فيها ربنا عز وجل في الحديث القدسي: «وجبت محبتي للمتزاورين فيّ». فإذا طبقنا هذه الخصال، الخصال العظيمة، ازدادت الألفة والمحبة بيننا، وهكذا بين عموم المؤمنين والمسلمين، تبادلهم الحب، وتظهر لهم المودة، وتظهر لهم الألفة، فإن الألفة من نعم الله سبحانه وتعالى. نسأل الله عز وجل بمنه وكرمه وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. نسأل الله عز وجل أن ينصر إخواننا المؤمنين المسلمين في غزة وفلسطين، وفي غيرها من بقاع الأرض، كما نسأله سبحانه وتعالى أن ينجي المستضعفين من النساء والأطفال والشيوخ وغيرهم، ينجيهم من بطش اليهود. ونسأله عز وجل أن يدمر ويزلزل اليهود من تحت أقدامهم، أن لا يذر منهم أحدًا، أن لا يغادر منهم أحدًا. نسأله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وإحسانه أن يغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.