الدرس في شرح كتاب التوحيد 204، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المؤلف تحريم إرادة الدنيا بالأعمال الصالحة مستدلاً بالآيات القرآنية مثل قوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم فيها﴾، ويبين أن هذه الآية تشمل كل من يريد البقاء في الدنيا وزينتها. كما يفسر العلماء آية "من كان يريد العاجلة" بأن الله يعجل لمن يشاء من عباده ما يريد من متاع الدنيا.
يشرح المؤلف جزاء الكافرين والمؤمنين في الدنيا والآخرة، مستنداً إلى الأحاديث النبوية التي تشير إلى أن الكفار لهم الدنيا بينما للمؤمنين الآخرة. يُبين أن الكفار الذين يعملون الأعمال الصالحة يُجزون في الدنيا ولكن يُحرمون من الجزاء في الآخرة.
يناقش المؤلف حكم العمل الصالح الذي يُراد به الدنيا، ويبين أنه يحبط ولا يؤجر عليه صاحبه، سواء كان ذلك العمل رياء أو سمعة أو إرادة للدنيا. يُستدل على ذلك بالأحاديث القدسية التي تشير إلى أن الله يترك العمل الذي أشرك فيه غيره.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم فيها﴾، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، مكتفيا بموضع الشاهد منها: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم فيها﴾، وتتمة الآية: ﴿وهم فيها لا يبخسون، أولئك ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾. وهذه الآية من أوائل استدلالات المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الباب، والذي مضى معنا في درس أمس الإشارة إلى بعض مسائله، وهو باب إرادة الإنسان بعمله الدنيا، أي أن الإنسان يريد بعمله الصالح شيئا من حظ الدنيا، وها هو المؤلف رحمه الله تعالى يدلل لنا بهذا الدليل القرآني على تحريم وتجريم هذا الفعل. ففي قوله تعالى: ﴿من كان﴾، «من» اسم شرط، وهو يفيد العموم، وهذا الحكم ساري المفعول لكل أحد، كائنا من كان، يدخل في هذا الحكم، ومن انطبق عليه هذا الوصف: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا﴾، يريد الحياة أن يبقى، يريد أن يبقى في هذه الحياة الدنيوية، وأيضا: ﴿وزينتها﴾، يريد البقاء في الحياة الدنيا، وأيضا يريد زينتها، وزينة الحياة الدنيا ما جعله الله فيها من المتع: من النساء والأموال والبنين والعقارات، وكل ما يأخذ بالألباب، كما جاء في قوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا﴾، هذا هو المتاع الدنيوي، هذه زينة الحياة. فبعض الناس همه في هذه المعمورة أن يخلد إلى الأرض، وأن يصيب شيئا من زينتها، من شهواتها وملذاتها، ومن متاعها، كما ذكره ربنا جل وعلا بقوله: ﴿ذلك متاع الحياة الدنيا﴾، فقال ربنا جل وعلا: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم فيها﴾، نوفي، أي يعطيهم الله ما أرادوا، من كان يريد هذا، يريد بعمله الدنيا، فربما من الناس من يكون عمله الصالح، يعمل عملا صالحا يريد حظا من حظوظ الدنيا، هذا يعطيه ربنا جل وعلا ما أراد، نوفي إليهم، يوفي ربنا، يعطيه ربنا ما أراد من هذه النعم الدنيوية. نوفي إليهم أعمالهم فيها، وهم فيها لا يبخسون، «البخص» النقص، أي ما تجد نقصا فيما أردت من هذه الدنيا، بل تجده كما أردت، ولهذا الكافر -إخواني في الله- هل يعطيه ربنا شيئا من الجزاء؟ الجواب: نعم، ربنا عدل سبحانه عدل، فلو أن كافرا من الكفار عمل عملا صالحا، يوجد من الكفار من يتصدق، من يبني المشاريع الخيرية، من هو بار بوالديه، هو كافر، ربما ينفق على الأيتام، بل ويبني ملاجئ الأيتام، ويبني المستشفيات، ويتبرع للفقراء في أيام المجاعات، يوجد من الكفار من يبذل طرق الخير، هذا يعطيه ربنا الجزاء، لكن جزاءه أين؟ في الدنيا، يعطيه الله طعمة في الدنيا، فيجدها الكافر ثواب ما فعله في هذه الدنيا، يجده في هذه الأرض، بما يكون من إطالة العمر، بما يكون من كثرة المال، بما يكون من راحة النفس، بما يكون من إذهاب الهم، مما يكون من رفع البلاء والأمراض والأسقام عنه، فيجد الكافر أثر العمل في الدنيا. أما في الآخرة لا يعطى له شيء، الكافر ليس له حظ في الآخرة، حظه في الدنيا، حظه في الدنيا، فأخبر ربنا جل وعلا أن الكافر، من كان إذا كان يريد الحياة الدنيا، فعمل عملا وأراد الحياة الدنيا، فالله يعطيه، يعطيه، يعطيه، وهذا مما «عجلت لهم من الطيبات ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في الحياة الدنيا»، هذا من ذهاب الطيبات. ولما جاء عمر بن الخطاب -كما جاء في الصحيح- أن عمر دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآه نائما على حصير، وقد أثر الحصير على جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأثر عمر من هذا المنظر، نبي الأمة مبعوث رب العباد، وها هو أمره ينام على حصير، حصير بالي قاس، حتى أن أثره رسم على جنبه عليه الصلاة والسلام، فما تمالك عمر إلا أن بكى، فاستيقظ رسول الله على بكاء عمر، قال: «يا عمر، ما يبكيك؟» قال: أنت رسول الله، وهذا الحصير قد أثر على جنبك، وهذا كسرى وقيصر في النعيم والجنات والأنهار، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ أما ترضى؟ هذه لهم الدنيا، أخذوها كلها بما فيها، يأخذونها لهم الدنيا، لكن بالمقابل نحن لنا الآخرة»، قال: «أما ترضى يا عمر أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» قال: «بلى يا رسول الله»، قال: «فاحمد الله»، في رواية قال عليه الصلاة والسلام: «أولئك قوم عجلت طيباتهم في الحياة الدنيا»، هذا الشاهد، «عجلت طيباتهم في الحياة الدنيا»، فالكافر قد يجد بغيته، قد يجد بغيته في الدنيا. فهذا الذي قال ربنا جل وعلا: ﴿ومن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم﴾، يعطى ويوفيهم الله الجزاء في هذه الدنيا، فشاهد من هذه الآية أن المؤلف رحمه الله تعالى أوردها لكي يبين أن من أراد الدنيا بعمله، بأي عمل ولو كان من الأعمال الصالحات، فله هذا الجزاء، جزاءه أنك ستجد ما أردت، لكن بالمقابل أنك متوعد بوعيد الله، أنك متوعد بوعيد الله، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿أولئك ليس لهم في الآخرة إلا النار﴾، إلا النار، ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿وحبط ما صنعوا﴾، إحباط العمل، إحباط العمل. فإذا كان الذي فعل هذا كافرا، أي أنه يطلب بعمله الدنيا وزينة الدنيا، فالله جل وعلا يحبط عنه عمله كله إذا كان كافرا، لأنه ما يرجو الله ولا اليوم الآخر، بركنا الدنيا هي حياته، هي مبعثه، وإن كان هذا الصنيع إرادة الدنيا خرج من مسلم عنده أصل الإيمان، عنده الله وعنده اليوم الآخر بإذعان والقياد، لكن ضعفت نفسه وأراد من عمله شيئا من حظ الدنيا، فهنا هذا الذي طالبه بعمله الصالح يحبط، لا يؤجر عليه، كما أشرنا في درس أمس، لربما أن من الناس من يقوم ببعض الأعمال الصالحة في الظاهر، لكن في الحقيقة ما أراد بها إلا أن يتوصل إلى مال، إلى شهادة، إلى منصب، إلى ترقية، فما اتخذ العبادة إلا سلم، إذن هذه العبادة التي هي في الحقيقة سلم تحبط، لا يتحصل على أجر منها، كحال المرائي، المرائي إذا رأى في عمله يحبط هذا العمل الذي رأى به، وهكذا من عمل عملا صالحا أراد به الدنيا والتزلف إلى الدنيا، فإن هذا العمل يحبط. «وحبط ما صنعوا»، ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: «قال الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»، تركته وشركه، فكل عمل زاحم إرادة الإخلاص فهو مردود على صاحبه، سواء كان رياء أو سمعة أو شهرة أو إرادة لدنيا. مسألة خير إخواني في الله أختم بها المقام، ألا وهي: قد يقول قائل: قد تكلمتم وبينتم على أن الكافر إذا أراد الدنيا فالله جل وعلا يعطيه الدنيا، لكن في الواقع أننا نجد خلاف ذلك، فنجد أحيانا من الكفار من لم يتمتع بهذه الدنيا، يريد الدنيا يريد الدنيا لكن ما تحصل عليها، وهذا موجود، لو ذهبت إلى بعض البلاد الكافرة، وهم من الثلاثة فقط، إلى بعض الدول: أوروبا وأمريكا، لا وسع المدارك، أفريقيا فيها كفار زنادقة، فيها عباد الأصنام والأوثان، في آسيا الذين يعبدون أصنافا وألوانا من الأصنام: البوذة وأمثال البوذة، ملايين الملايين من البشر، وهم من أكثر خلق الله، ومع ذلك ما أعطاهم الله الذي أرادوا من الدنيا، بل منهم من يعيش في فقر مدقع، أعظم من فقر المسلمين، أعظم من فقر المسلمين، بعضهم لا زال يعيشون في أكواخ، ومنهم من يعيش في كهوف، ومنهم من لا زال يلبس الريش: ريش الطيور وجلد النعام وجلد الحيوانات لفقره. قد يقول قائل: وكيف هذه الآية التي يقول الله جل وعلا فيها: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم فيها﴾، هؤلاء الكفار أرادوا ما أعطاهم الله؟ وكيف الله هنا قد وعد؟ قال العلماء: هذه الآية عامة، عامة وجاءها التخصيص، هذه الآية عامة لكن جاءها التخصيص، وأين التخصيص؟ قال العلماء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾، فهذه الآية خصصت وقيدت العموم، الأصل أن الكافر وكل من عمل للدنيا يجد مبتغاه، هذا الأصل، لكن كل واحد لا، ليس كل واحد من أراد الله له ذلك، فالله يعجل له طيبات في الحياة الدنيا. وبهذا نفهم ما نجده في الواقع الملموس أن من الكفار من طلب الدنيا وما تحصل عليها، لأن الله ما أرادها لهم، فحرموا في الدنيا كما حرموا في الآخرة، وذلك هو الحرمان العظيم. هذا ما أذكر عن هذه الآية من مسائل، أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.