شرح لمعة الاعتقاد 49

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وجوب الإيمان بما جاء عن النبي

يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وتصديقه، سواء عقلنا معناه أم لا. الرد على ما جاء به النبي بعد إثبات صحته يعتبر خدشًا في الاعتقاد.

الإسراء والمعراج بروح النبي وجسده

مذهب أهل السنة أن الإسراء والمعراج كان بروح النبي وجسده يقظة، واستدلوا بآية الإسراء والحديث. بعض أهل البدع أنكروا ذلك وقالوا إنه كان منامًا أو بروحه فقط.

الرد على منكري الأحاديث النبوية

ذكر الرد على بعض أهل البدع الذين أنكروا حديث موسى وملك الموت، حيث أوضح الإمام ابن خزيمة أن موسى إما لم يعرف ملك الموت أو أراد توضيح عدم تخيير الأنبياء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: فصل، ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، وصح به النقل عنه، فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه. أيضًا من الإيمان بالله جل وعلا الإيمان بما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام، وصح به النقل عنه، على أن يكون عنده الحديث صحيحًا إليه، فإذا صح الحديث، فإنا نؤمن بما جاء به عليه الصلاة والسلام. ولهذا ذكر العلماء أن من اقتضاء شهادة أن محمدًا رسول الله هو داخل في معناها أن يصدقه فيما أخبر، فكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فهو صدق وحق إذا صح عنه ذلك، سواء شيء معقول أو غير معقول، وسواء غاب عنا أو نشاهده، فكل ذلك إذا أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم لم نعلم أنه حق وصدق، كما قال المؤلف رحمه الله. أيضًا، حتى ولو لم نطلع على حقيقة معناه، نؤمن بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا بكلام البقرة، أن البقرة تكلمت، ولهذا في الصحيحين: لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث الصحابة، فقال: إن رجلًا ركب على بقرة، فقالت البقرة لصاحبها: يا فلان، إني لم أخلق لهذا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أنا أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر، أنا أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر. إنما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يعلم يقينًا أن أبا بكر وعمر يؤمنون بكل ما أخبر به عليه الصلاة والسلام. فقال: أنا أؤمن بذلك؛ لأنه من وحي الله، فأخبر عليه الصلاة والسلام بكلام الجمادات، وكذلك أخبر بأشياء كثيرة بعضها لا يدخل في عقول الناس، لكن نؤمن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بها. وهذا يعتبر من الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، ورده مثل هذه الأشياء التي لا تعقل مثلًا في خدش في اعتقاد العبد، إذا رد ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام وما صح. أما إن كان رده لأجل إسناد، فهذا فيه أخذ في الكلام والرد، وأيضًا ليس فيه خدش في الاعتقاد، لكن إن أثبت صحته ثم رده، فهذا يعتبر خدشًا في الاعتقاد. إن كان رده لأجل أنه أحد، فهو قول المعتزلة الباطل، وإن كان رده ليس لأجل أنه أحد، وإنما لأنه لم يدخل عقله، فهذا مذهب رديء، وأيضًا سوء الاعتقاد، وفيه تقديم العقل على ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من الوحي. فمثل الشيخنا رحمه الله ببعض الأمثلة، فقال: مثل حديث الإسراء والمعراج، يريد حديث الإسراء والمعراج، أي حديث الإسراء والمعراج هذا من الفرد الذي يضاف، ويراد به العموم حديث الإسراء، أي حديث الإسراء والمعراج؛ لأنه ليس حديثًا واحدًا، وإنما هي أحاديث كثيرة. وقصد بحديث الإسراء والمعراج أن النبي عليه الصلاة والسلام أسري به وعرج به عليه الصلاة والسلام بروحه وجسده، بروحه، وخاصة الإسراء أسري به بروحه وجسده، وكان يقظة لا منامًا. وهذا عند جميع أهل السنة أنه يقظة؛ لأن المنام لأن قريشًا كما قال الشيخ، فإن قريشًا أنكرته وأكبرته، ولم تكذب المنامات، إذا كان منامًا ما سينكرونه؛ لأن المنام يحصل فيه مثل هذا، لكن لما قال لهم: يقظة، فأنكروا هذا. ولهذا مذهب أهل السنة أن الإسراء حصل للنبي صلى الله عليه وسلم بروحه وجسده؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، بعبده يدل على جميع الروح والجسد، أنه أسرى بروحه وجسده. وأيضًا ما جاء في الحديث من التفصيلات، وأنه صعد في البراق، وأنه أيضًا ربط هذا البراق مكان ما يربط الأنبياء، وغيرها من الأمور التي تدل على الحس، وأنه حصل بجسده عليه الصلاة والسلام، وأنه صلى بالأنبياء وغيره. هناك من أهل البدع من أنكر بعض هذه الأشياء، فمنهم من قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام إنما كان حصل هذا الإسراء والمعراج له منامًا، هذا بعض الفلاسفة وبعض الغلاة من المعتزلة. وبعضهم يقول: إنه حصل له بروحه لا بجسده، أنه حصل له هذا الإسراء بروحه لا بجسده، وهذا قاله بعض الحنفية، وبعض أيضًا أهل البدع. وذكر ابن إسحاق في السيرة أن بعض الصحابة قالها: قال إنه أسري بروحه. وعن عائشة ومعاوية وعن جماعة من السلف أنهم كانوا يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم أسري بروحه. وهذا النقل لا يدل على أنهم ينكرون أنه أسري بجسده، وإنما أرادوا أن يبعدوا الخيال الذي يحصل لمن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أسري به منامًا. فقالوا: أسري بروحه، معنى روحه التي أسري بها مع جسده، وليس منامًا؛ لأن المنام ليس الروح التي تصعد أو تنزل، وإنما شيء يخيل إلى هذه الروح، فيجعل في نفسه هذه الأمور، فكله خيال. لكن لما يقول: بروحه، معنى أنه حصل له هذه الروح، شاهدت هذه الأشياء، فهو بروحه وجسده. فهم لم ينكروا الجسد، لم ينكروا الجسد. لكن لا شك أن هؤلاء السلف وغيرهم إنما أنكروا على من قال: منامًا، إنما أنكروا على من قال: إنه أسري به منامًا، فأرادوا أن يبينوا أنه ليس منامًا، فقالوا: إنه أسري بروحه. وخلاصة الأمر أن مذهب أهل السنة أنه أسري بروحه وجسده، وأن هذا الإسراء حصل بعد البعثة لا قبلها. وما جاء في بعض روايات حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر، فهو بما أخطأ فيه شريك على أنه قبل البعثة، فليس صحيحًا أن الإسراء حصل قبل البعثة أبدًا، وإنما هو بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا أمره الله عز وجل في المعراج بالصلاة. ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى عليه الصلاة والسلام ليقبض روحه لطمه، ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فرد عليه عينه. هذا الحديث في الصحيحين، حديث أبي هريرة، قصة هذه القصة: أن ملك الموت جاء إلى موسى ليقبض روحه، وجاء له بصورة رجل، فقال له موسى: ماذا تريد؟ قال: أريد أن أقبض روحك. أو جاء إلى موسى وقال: إني جئت لأقبض روحك، فلطمه موسى، ففقأ عينه، أن لطمه موسى لطمة في عينيه حتى فقع عينه، يخرجها. فرجع ملك الموت إلى ربه جل وعلا، وقال: يا رب، إنك أرسلتني إلى رجل لا يريد الموت. قال ملك الموت لله عز وجل: إنك أرسلتني إلى رجل لا يريد الموت. فقال له: اذهب إلى موسى، وقل له: ضع يدك في متن ثور، فما غطت به يدك من الشعر، فلك بكل شعرة سنة. فقال ملك الموت لموسى هذا، قال: ثم ماذا بعد أن جاءه وقد أرجع عينه؟ قال: ثم الموت، قال: العان إذن، قال: الآن. فهذا الحديث أنكره بعض أهل البدع، وقد ذكر الإمام ابن خزيمة رحمه الله: أنكر بعض أهل البدع لهذا الحديث، ورد عليه. ولخص رده الإمام الخطابي في معالم السنن، ولخصه أيضًا أو ذكر ذلك الحافظ ابن حجر أيضًا عند هذا الحديث في فتح الباري. فذكر الإمام ابن خزيمة أن بعض أهل البدع أنكر هذا الحديث، وقال: كيف إن كان موسى قد عرف أنه ملك الموت، فكيف يفقع عينه؟ وإن كان لم يعرف أنه ملك الموت، فلماذا لم يطالب بالقصاص؟ هكذا نقل الإمام ابن خزيمة عن بعض أهل البدع. ثم رد عليه: أن موسى عليه السلام قد يكون أنه لم يعرف أنه ملك الموت؛ لأنه جاء بصورة رجل، ودخل منزل موسى، دخل بيته بغير إذنه، فلطمه موسى؛ لأنه دخل إلى بيته، وقال له: أريد أن أقبض روحك، معنى كأنه أريد أن أقتلك. فدخل بيته بغير إذنه، فلطم موسى هذا الرجل أو هذا ملك الموت، ففقع عينه. فهذا إذا قلنا: إنه لم يعلم أنه ملك الموت. وإن كان موسى يعلم أنه ملك الموت، فقد يكون موسى أراد أن يبين لملك الموت أنه جاءه ولم يخبره بموته، ولم يخبره أنه ميت. ومن سنة الله عز وجل في الأنبياء أنه لا يقبض نبيًا حتى يخيره، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك: لا يقبض نبيًا حتى يؤخره بين الدنيا والآخرة، كما جاء في حديث أبي سعيد في الصحيحين: لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا: «ما قبض نبي إلا خير»، كما جاء أيضًا في الصحيحين في حديث عائشة. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: «فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما قبض نبيًا إلا خير»، قالت: فلما حضره الموت رأيته يرفع رأسه ويقول: في الرفيق الأعلى. وجاء في رواية في البخاري: «مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا». فلهذا موسى لما جاءه ملك الموت ولم يخيره لطمه. وقال الإمام النووي رحمه الله: إنه ما أدرانا قد يكون أن الله عز وجل أمر موسى أن يلطمه امتحانًا لملك الموت، امتحانًا لملك الموت. وهذا تخريج عظيم، معناه قد يكون، وهذا جائز أن الله عز وجل يأمر موسى أن يلطم ملك الموت امتحانًا له في ذلك. فرجع ملك الموت إلى الله عز وجل، وقال له: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فأرجع الله عز وجل عينه، فرجع إلى موسى بعد ذلك. وظاهر الحديث أنه لم يعرفه أولًا، ثم لما أرجع الله عز وجل عينه وجاءه وقال له: إن الله يقول لك: عرف أنه مرسل من الله، هذا ظاهر الحديث. لهذا قال ابن خزيمة: وإن قلنا إن موسى لم يعرفه وفقع عينه، فقال هذا الرجل. ولما لم يطالب ملك الموت بالقصاص، قال: وهذا كلام بغير علم، فمن أين له القصاص بين الملائكة والبشر؟ من أين له أن الملائكة تقتص من البشر؟ هذا الحكم بين البشر، أما بين الملائكة فهذا ليس فيه شيء. فلهذا هذه كلها تقريبات من أهل البدع لأجل أن ينكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن كما قلنا: مذهب أهل السنة أنهم يؤمنون بمثل هذه الأشياء، نؤمن بأن ملك الموت جاء إلى موسى فلطم عينه حتى فقأها وخرجها، ثم ردها. ثم أن تفسيراتها العلم على ظاهر الحديث كما ذكرنا، ليس فيها شيء مما ينكر. لكن إن وجد مثلًا شيء ينكر مثلًا ينكره العقل، فإننا نؤمن به كما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام. فهذا إن شاء الله ما يذكر في هذه المسائل، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.