شرح لمعة الاعتقاد 58

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 58، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحوال يوم الحشر وتفاصيله

يوم الحشر هو يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ويختلف حال الناس فيه باختلاف أحوالهم. يصف القرآن الكريم مشاهد يوم الحشر وتفاصيله.

حالة الناس عند سماع الداعي وخروجهم من القبور

يخرج الناس من قبورهم بسرعة ويتعارفون، ثم يتبعون صوت الداعي دون أن يدرون إلى أين يساقون، وتشخص أبصارهم وتخضع أصواتهم للرحمن. يسيرون إلى أرض المحشر في حالة من الهلع والفزع.

أهوال يوم القيامة والحشر

يوم القيامة يحمل أهوالا عظيمة، حيث يعرق الناس عرقا شديدا، وتأتي جهنم بسبعين ألف زمام يجرها سبعون ألف ملك. يختلف حشر الناس حسب إيمانهم وأعمالهم.

المراجع الإسلامية في تفسير القرآن

كتاب التذكرة للإمام القرطبي يعتبر مرجعا مهما في تفسير القرآن، حيث يجمع بين الآيات ويتناول تفسيرها بشكل مفصل. الإمام القرطبي معروف بتفسيره الشامل للقرآن.

  • 13 جمادى الآخرة 1445هـ - 25/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، أخذنا من الأمس في درس الحشر، الحشر الذي يكون قبل قيام الساعة. فالحشر هو الجمع، يحشرهم أي يجمعهم، ويوم يحشرهم أي يوم يجمعهم. فالحشر جمع الناس مع الجن والدواب وغيرهم، كلهم في محشر. ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا. وأول من يكسى هو إبراهيم نبي الله إبراهيم، وبعده نبينا عليه الصلاة والسلام. وهناك أيضا كما ذكرنا أن هناك حشرا بعد البعث. وقد جاءت دلالة في الكتاب والسنة، أو في القرآن، أن الله عز وجل قال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، وأيضا قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكَةً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾. فهذه الآيات قد يظن مثلا فيها تعارض مع ما جاء في الحشر، مثل قول الله عز وجل: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، أو قول الله عز وجل: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾، خاشعة أبصارهم أي منحنية أبصارهم، وبين قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾، تشخص معنى تنفتح ولا ترتد، تشخص فيه الأبصار مهطعين أي مسرعين، مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء. لا يرتد إليهم طرفهم معنى طرف العين لا يرتد أبدا، بأبصارهم مفتوحة وأفئدتهم هواء، أي قلوبهم خاوية، معنى أنها لا تعقل شيئا، لا يدرون ما الذي سيحصل. فهذه الآيات قد يظن أنها فيها تعارض، وليس فيها تعارض، وإنما هي بحسب الأحوال. وقد ذكر الإمام أبو عبد الله القرطبي في أحوال الموتى، فذكر رحمه الله في التذكرة أن هذا الحشر يكون على خمسة أحوال، يكون على خمسة أحوال، أي بعد قيام الناس من قبورهم. فالحالة الأولى عندما يقومون من قبورهم، والحالة الثانية عندما يساقون إلى الحساب، والحالة الثالثة يكون عند حسابهم، والحالة الرابعة عندما يساقون إلى الجزاء، إما إلى الجنة أو النار، والحالة الخامسة عندما يستقرون في جزائهم، إما إلى الجنة وإما إلى النار. فهذه خمس حالات تكون بعد البعث، وهي الحشر، وسماها الله عز وجل كلها حشرا. فلهذا أولا بعد البعث، ذكر الله عز وجل أشياء كثيرة بعد قيام الناس من قبورهم. ومن ذلك أنهم، قال الله عز وجل مثلا في الزلزلة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾، متفرقون طوائف متفرقة، يصدر الناس أشتاتا. هذا يذهب هنا، مثل ما وصفهم الله عز وجل كالفراش المبثوث، الفراش لما يأتي وتجمع، هذا يذهب هنا، وهذا يذهب هنا، يعني يتعارضون، هذا كل واحد ما يدري أين يذهب. هم الآن يقومون من قبورهم، الناس تقوم من قبورهم، لكن ما يدرون إلى أين يذهبون. هذا يذهب هنا، وهذا يذهب هنا. ووصفهم الله عز وجل في آية أخرى كالجراد المنتشر، كالجراد عندما ينتشر الجراد، تجد أنه يتعارض في مشيه، ما يمشي كله، وإن كان كله في اتجاه واحد، لكن يتعارضون في مشيه. وهكذا في ذلك الوقت، كما ذكر الله عز وجل: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، وغيرها من الآيات التي تبين ما يحصل في ذلك اليوم. لكن نحن الآن في الحشر، فيكون الناس بانتشار عظيم، وأيضا تعارض، ما يدرون إلى أين يذهبون. في ذلك الموقف يسمعون ويبصرون، ليسوا بكم ولا عمي، هذا الموقف لا يكون فيه بكم ولا عمي، معناه يسمعون ويبصرون. فيأتيهم بعد ذلك الداعي، هناك داعي يدعوهم، يسمعون صوتا: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. فبعد ذلك يتطايرون وينتشرون، وأيضا يحصل الهلع والفزع. فبعد ذلك يأتيهم الداعي، ويأتيهم الصوت، فيسمعون ويتبعون هذا الصوت. قيل أن صاحب الصوت هو صاحب الصور، وقيل غيره، أن الصوت ملك، قيل أنه جبريل. لكن كل هذا لم يأت فيه دليل. لكن الذي جاءنا في القرآن أنه قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾، فتشخص أبصارهم وتذهب قلوبهم، فلا يدرون إلى أين يذهبون. يتبعون الداعي ما يدرون إلى أين يسوقهم، فيسوقهم إلى أرض المحشر. ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾، فقبل هذا الله عز وجل قد ذكر أنهم يتعارفون بينهم، يتعارفون بينهم. وأيضا يقول بعضهم لبعض: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرَةً﴾، وذات يقول كم لبثتم، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم. معنى بعد ما يقومون الناس من قبورهم يتحدثون بعضهم البعض ويتعارفون، معنى يعرف فلان ويعرف فلان ويتعارف معه، يقول له كم لبثنا بعد ما أماتنا الله. فذاك يقول عشر، وهذا يقول يوم، وهذا يقول كذا، ومنهم من يقول: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وغيرها من الآيات التي ذكرها الله عز وجل. فيقول بينهم كلام، وأيضا أسماعهم موجودة. وأيضا يكون بينهم مثل التحارج، هذا والتعارض، وكما قال الله عز وجل: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾، سراعا. وجاء في الآية الأخرى: ﴿يَنْسِلُونَ﴾، ينسلون أي يسرعون. وهذه صرحت بأنهم يسرعون، يخرجون من الأجداث أي القبور سراعا، معنى يمشون بسرعة، كأنهم إلى نصب يوفضون، معنى كأن هناك هدف يمشون إليه. لكن هم ما يدرون إلى أين يمشون، يسمعون الداعي ويسمعون الصوت ويمشون خلف الصوت، شاخصة أبصارهم، ترهقهم ذلة. وكذلك أيضا أفئدتهم هواء، ويتبعون هذا الداعي، كلهم يتبع هذا الداعي. ينتهي الكلام، فهنا بعد ذلك ينتهي الكلام. قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾، قيل أن معنى همس فسرها مجاهد وغيره، أن همسة هنا أي وقع الأقدام، وقع الأقدام والمشي هذا الذي يسمع. وأما الكلام فيسكت الناس. وقيل أن الهمس أي كلامهم بعد ما يكون مرتفع الصوت، يكون يتكلم الواحد منهم بصوت منخفض جدا. وهذا محتمل، والأول أيضا هو الأصح، أنه فلا تسمع إلا همسة أي أصوات مشي أقدامهم. فيمشون إلى حيث يدعوهم ذلك الداعي إلى أرض المحشر. في يوم القيامة يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبرز لله الواحد القهار. ففي ذلك اليوم العصيب الذي يحشر الناس. وهذه هي الحالة الثانية التي تكون، كما قلنا الحالة الأولى قيامهم من قبورهم وتعارفهم وكذا. فهذا يسمعون ويبصرون، الحالة الثانية أيضا يسمعون، يبصرون ويسمعون الداعي، وتشخص أبصارهم، ولا يرتد إليهم طرفهم، طرف العينين، فيذهبون وراء هذا الصوت. فهذا أيضا الحالة الثانية في سياقهم إلى الحساب، ثم بعد ذلك إلى أرض محاسبة، في تلك الأرض التي يكون فيها الحساب، في يوم كان مقداره ألف سنة، وفي الآية الأخرى خمسين ألف سنة. فهذا في جمع العلماء يقول بعضهم أن المراد أنه بحسب أمر الدنيا مع الآخرة، ومنهم من يقول أنه يخيل إليهم بخمسين ألف سنة وهو ألف سنة، وغيرها من الأقوال التي جاءت في هذا. ومنهم من يقول أن الألف تدخل في الخمسين، فيكون خمسين ألف سنة. فيبقى الناس في ذلك المكان الذي يعرقون فيه عرقا شديدا، لأن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق. وما ينجي من هذا العرق إلا من نجاه الله عز وجل، فجعله في ظل كما جاء في الحديث: «سبعة يظلهم الله في ظل يوم لا ظل إلا ظله». وقد ألف بعض العلماء كالحافظ بن حجر وغيره، ألف فيمن يظل يوم القيامة في ذلك الموقف. والذي جمعه الحافظ في الفتح أنه سبعة عشر، سبعة عشر عاملا أو الأعمال التي ذكرت في السنة، سبعة عشر عملا. وقد يكون أكثر. فهؤلاء السبعة عشر أو الذي يعمل هذه الأعمال يكونون في ظل الرحمن. وجاء في ظل العرش يكونون في ذلك الظل، والناس في الشمس يعرقون عرقا عظيما. حتى قال بعضهم إن أحدهم ليتمنى أن يموت ويدخل النار، يتمنى أن يموت ويدخل النار من كثرة العذاب أو من ذلك الحر الذي يأتيه. ويؤتى بجهنم في ذلك الموقف، معنى يزدادون حرا فوق حرهم، معنى حر الشمس التي هي أقرب، معنى قريبة جدا منهم، ما في مسافة إلا قدر ميل، قد يكون قدر ميل المسافة أو المطحلة. فوق هذا يؤتى بجهنم ولها سبعون ألف زمام، وعلى كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها. فتأتي هذه جهنم فيزداد حر المكان، حر النار العظيمة هذه النار الكبيرة، يأتي في ذلك الموقف فيزداد حرهم إلى حرهم. وأيضا يخرج غصنا من النار يقصد أناسا يقصدهم الله عز وجل بهم. فهذا الحشر الثالث، والحشر الرابع هو سوقهم إلى جزائهم، سوقهم إلى جزائهم. فالله عز وجل لما ذكر سوق هؤلاء وحشرهم إلى جزائهم، خالف بين سوق وحشر الكفار وبين حشر أهل الإيمان. فلما ذكر أهل الكفر قال جل وعلا: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًا﴾، في ذلك الوقت عندما يحشرون إلى جزائهم يكونون عميا وبكما وصما، ويحشرون على وجوههم. فقالوا كيف يا رسول الله يحشرون على وجوههم؟ قال: «ليس الذي أمشاهم في الدنيا على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم». فيمشون في ذلك الموقف العصيب وذلك اليوم العصيب، يمشون على وجوههم عميا وبكما وصما، مأواهم جهنم، كلما خبت زدناهم سعيرا، أي كلما أرادت تخمد زاد سعيرها وإشعالها. فلهذا في ذلك الموقف أيضا الله عز وجل ذكر أهل الإجرام، فقال أنه يحشرهم زمرا، أو معنى قال في يوم، معنى يحشرهم ورد، يحشرهم ورد. وأما المتقين يحشرهم وفد، والورد والوفد خلاف بينهم. الورد هو التدافع، معنى كأن الملائكة تدفعهم تدفعهم إلى جهنم. وأما أهل الجنة وأهل التقوى، معنى يأتون إلى جنتهم وفد، والوفد غالبا هو الذي يكرم والذي يضيف، معنى الله عز وجل يكرمهم حتى في مشيهم، فيكرمون بغاية الإكرام، فيكونون وفدا. كما ذكر الله عز وجل: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾، أو قال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾، ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا. المتقون يحشرون الوفد بالضيافة والإكرام، وأما أهل النار فيحشرون وردا، أي يدفعون دفعا. كما ذكر الله عز وجل في سورة الطور أنهم يدفعون إلى النار، يدفعون إلى النار. فهذا الحشر الرابع، وأما الحشر الخامس هو استقرارهم في جزائهم، إما إلى الجنة وإما إلى النار. فهذا شيء مما يذكر في هذا. ومن أراد أن يطلع على مثل هذا يقرأ كتاب الإمام عبد الحق الإشبيلي في يوم القيامة، ما ألفه في يوم القيامة. وكذلك كتاب التذكرة للإمام القرطبي، أبو عبد الله القرطبي صاحب التفسير، فهما مما أطال في هذا الباب، وجاءوا بالآيات وحاولوا الجمع بين الآيات التي جاءت. وإن كان أيضا هو موجود تجده في التفاسير، لكن هنا أكثر تفصيلا. فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.