الدرس في شرح الأصول الثلاثة 16، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول هذا المحور الأصل الثالث المتعلق بمعرفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم مبيناً مراحل عمره وتقسيم حياته بين قبل البعثة وبعدها. يركز على دعوته للتوحيد في مكة وحماية عمه أبي طالب وأحداث عام الحزن ورحلة الطائف وإيمان الجن ومعجزة الإسراء والمعراج.
يستعرض هذا المحور رحلة المعراج التفصيلية عبر السماوات السبع ولقاء النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في كل سماء وصولاً إلى سدرة المنتهى. يؤكد توقيت الحادثة في السنة العاشرة للبعثة وينفي تخصيص شهر رجب أو ليلة 27 للاحتفال بها مستنداً إلى أقوال العلماء.
يسلط هذا المحور الضوء على تصديق أبي بكر الصديق بالإسراء والمعراج وفرض الصلوات الخمس في السماء وتخفيفها من خمسين إلى خمس. ينتقل بعد ذلك للحديث عن هجرة النبي والمسلمين إلى المدينة وأسباب استجابة الأنصار وأنواع الهجرة وحكمها.
يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى تأجيل تتمة الكلام حول ما تبقى من الرسالة والكتاب للدرس القادم. يدعو بالخير للحضور ويختم الجلسة بالحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع رسالة شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين. وها نحن ذا مع الأصل الثالث والأخير من هذه الأصول الثلاثة، ألا وهو معرفة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم. وسبق معنا أهمية معرفة ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن الشخص لا يستطيع أن يتعرف على ربه عز وجل وهو الأصل الأول، ولا على دينه وهو الأصل الثاني، إلا إذا تعرف على الأصل الثالث وهو معرفة ما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك أيضًا ذكرنا في الدرس الماضي أن معرفة النبي صلى الله عليه وسلم تتضمن معرفة اسمه ونسبه، وهكذا عمره وبلده، وهكذا صفاته الخلقية والخلقية، وهكذا معرفة ما جاء به عليه الصلاة والسلام. معرفة ما جاء به عليه الصلاة والسلام، ونسبه واسمه سبق معنا. وكذلك أيضًا عمره: أن عمره هو ثلاث وستون سنة، قضى منها أربعين سنة قبل النبوة والرسالة، ثم نُبئ وأرسل، وعاش بعد ذلكم ثلاثًا وعشرين سنة، ثلاثة عشر منها بمكة، والعشر الأخيرة كانت بالمدينة، كانت بالمدينة. فبلده مكة، وهاجر من مكة إلى المدينة، إلى المدينة. وبعثه الله عز وجل بالنذارة عن الشرك، أي التحذير من الشرك، ويدعو إلى التوحيد، ويدعو إلى التوحيد. فكان عليه الصلاة والسلام منذ أن بعثه الله عز وجل وهو يدعو إلى التوحيد، إلى أن توفاه الله عز وجل وهو يدعو إلى التوحيد في مرضه الذي مات فيه، كان يدعو إلى التوحيد ويحذر من الشرك والغلو في الأولياء والصالحين والقبور والأضرحة. ولهذا لما ذكرت له زوجتاه أم حبيبة وأم سلمة كنيسة رأتاها بأرض الحبشة، بأرض الحبشة، وذكرت ما فيها من تصاوير وغيرها، فقال عليه الصلاة والسلام: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو النبي الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». وكان يقول قبل أن يموت بأيام: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وذكرت أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا هذا لأبرز قبره»، أي لكان قبره في البقيع، لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. وكان يدعو فيقول: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قبور أنبيائهم مساجد». ثم ذكر رحمه الله تعالى قال: «أخذ على هذا عشر سنين»، أي على ماذا؟ على الدعوة إلى التوحيد، دعوة إلى هذا الدين بمكة عشر سنين، يدعو إلى التوحيد، يدعو إلى التوحيد. قال: «وبعد العشر عرج به إلى السماء، عرج به إلى السماء، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة، أمر بالهجرة إلى المدينة». والعشر السنوات الأولى عاشها النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وكانت قريش تحارب الإسلام والدعوة إلى الإسلام، وهكذا تؤذي كل من ترك عبادة الأصنام ودخل في دين الإسلام، بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم منعه الله من أذيتهم بسبب من نعم عمه أبي طالب. عمه يا إخوان على دين قريش، على الأصنام والأوثان وعبادتها، لكن أخذ على نفسه عهدًا أن يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم. لهذا تلكم الأبيات المشهورة التي تنسب إلى أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، يقول فيها: ولقد علمت أن دين محمدٍ *** من خير أديان البرية دينًا لولا الملامة أو حذار مسبةٍ *** لوجدتني صرحًا بذاك مبينا والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا يعني: إذا متّ، أما وأنا حي فما يستطيع واحد أن يتجرأ عليك. ولهذا يا إخوان، العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم جاء بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله، عمك أبو طالب كان يحوطك ويغضب لك، ويغضب لك، ما أغنيت عنه؟ يعني: ماذا نفعته؟ قال: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار، لكان في الدرك الأسفل من النار». بعد عشر سنين توفي أبو طالب، توفي أبو طالب، وهكذا في نفس الوقت، يعني بين أبي طالب وبين خديجة ثلاثة أيام توفيت خديجة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ففقد النبي عليه الصلاة والسلام المعين والمناصر من الداخل وهي خديجة، والمعين والمناصر من الخارج وهو عمه أبو طالب. فسمي ذلك العام بعام ماذا؟ بعام الحزن، عام الحزن. ولهذا بعدها خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، علّه أن يجد من ينصره ومن ينتقل عندهم لكي يبلغ دين الله عز وجل، فكان أهل الطائف أسوأ وأقبح، وموقفهم مع النبي صلى الله عليه وسلم مشهور. وهنا ماذا؟ ماذا؟ الله عز وجل سخر جن نصيبين الذين مروا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فاستمعوا لقراءته وجلسوا معه وآمنوا به، وآمنوا به: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: 29] الآيات. وهكذا أيضًا يا إخوان ما يتعلق بمعجزة الإسراء والمعراج، الإسراء والمعراج كانت بعد ذلك، كانت بعد ذلك، فكانت معجزة عظيمة يا إخوان. أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام، وليس معنى قولهم: من المسجد الحرام، أي من الحرم، من المسجد الذي يصلى فيه، وإنما كان من بيت أم هانيء ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من الأدلة التي استدل بها بعض العلماء على أن مكة حرم، ويحصل بسببها المضاعف في أجر الصلوات وغيرها. طيب، إلى المسجد الأقصى بفلسطين، هذا هو الإسراء، وكان على متن دابة يقال لها البراق، وبصحبة جبريل عليه السلام. ثم المعراج، المعراج من المسجد الأقصى إلى ما فوق السماء السابعة، فكان عليه الصلاة والسلام إذا أتى إلى سماء استأذن، فيقال: من؟ فيقول: محمد، فيُرحب به أهل تلكم السماء. السماء الدنيا: لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم لقي فيها من الأنبياء، لقي آدم عليه الصلاة والسلام، أبو الأنبياء، فرحب بالنبي الصالح والابن الصالح. ثم صعد إلى السماء الثانية، فلقي فيها من؟ لقي فيها نبيين أبناء خالة، نبيين أبناء خالة، أمهاتهما أختان، فمن هما؟ أحدهما... آه، ماذا؟ ذبح، والآخر رفعه الله إلى السماء. نعم، موسى، أحسنت. ابن من؟ موسى، موسى ابن من؟ طيب، أخبرهم بجوابك، الله يبقى على الخاص، أخبرهم. طيب، والثاني من هارون، أحسنت، لكن ماذا توافقه يا أبا طاهر؟ إذن فماذا الجواب؟ عيسى ويحيى، عيسى ويحيى. ولهذا ماذا في قصة مريم؟ وكفلها زكريا لأن زكريا كان زوج... آه، ماذا؟ زوج أختها، زوج أختها، فيحيى ابن زكريا وعيسى ابن مريم هما أبناء خالة، السماء الثانية. طيب، صعد إلى السماء الثالثة، فوجد فيها من... السماء السابعة، وجد فيها... آه، عفوًا، الثالثة، وجد فيها من أوتي شطر الحسن، شطر الحسن، فمن هو؟ يوسف، يوسف ابن من؟ ابن من؟ يوسف ابن يعقوب، ابن من؟ يوسف ابن يعقوب، أكمل صاحبك. قال: يوسف ابن يعقوب، ابن من؟ إسحاق، إسحاق ابن... آه، خلاص، إسحاق من أبوه؟ إسحاق وإسماعيل، أبناء من؟ إسحاق وإسماعيل، أبناء إبراهيم، نعم. ثم صعد إلى السماء الرابعة، فوجد فيها من... وكلما مر على نبي رحب به، السماء الرابعة: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57]، من هو؟ ورفعناه مكانًا عليًا في سورة مريم... إدريس، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 56-57]. طيب. في السماء الخامسة... في السماء الخامسة، أه، لا، إبراهيم هذا فوق. السماء الخامسة، أه، لقي فيها موسى... لا، موسى فوق. في السماء الخامسة، قال الله عنه أنه قال: ﴿يَا بْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خِفْتُ أَن تَقُولَ﴾ [طه: 94]... فمن هو؟ ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي﴾ [طه: 29]، أحسنت، هارون، هو هارون في السماء الخامسة. ثم صعد إلى السماء السادسة، فوجد من... يا أبا سعد، لم نسمع لك همسًا، أيسف؟ الثانية في الخامسة هارون، وفي السادسة دليل... ها، تبغى دليل عشي؟ دليل، خلاص، باقي الخامسة والسادسة ومعنا نبيين فيهما موسى، أحسنت، موسى في السماء السادسة. ثم في السماء السابعة، يا أبا الفضل، في السماء السابعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ثم ماذا على النبي صلى الله عليه وسلم حتى رأى سدرة المنتهى؟ ما هي السدرة؟ أشجار تطلق على أشجار النبق، هذا النبق. طيب، فماذا؟ سدرة المنتهى عندها جنة المأوى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: 16]. وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذه السدرة بأوصاف عظيمة جدًا. ووقف جبريل، وصعد النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: 164-166]. ورفع أيضًا للنبي صلى الله عليه وسلم البيت المعمور، البيت المعمور فوق السماء السابعة، وهو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، كل يوم سبعون ألف ملك، يصلون، فإذا خرجوا لا يعودون إليه، يعني كل يوم سبعون ألف ملك، ولليوم الثاني ماذا؟ غيرهم. انظر كم منذ أن خلق الله الخلق. وأيضًا ماذا سمع؟ صرير الأقلام، أي أصوات الأقلام التي يكتب بها. فماذا؟ هذه معجزة عظيمة جدًا، معجزة عظيمة جدًا. والصحيح يا إخوان أن الإسراء والمعراج لم يقع إلا مرة واحدة، وكان بعد البعثة وقبل الهجرة، وعلى الصحيح كان في السنة العاشرة من هجرة النبي صلى الله... من بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وماذا؟ وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «زاد المعاد» قال: «وعجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارًا». بعض العلم يقول: حادثة الإسراء والمعراج تكررت. صحيح أنها مرة، وابن القيم يتعجب من ماذا؟ من قولهم، يتعجب من قولهم. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ماذا؟ أُسري به بروحه وجسده، لا كما يقول بعضهم أنه بروحه فقط، بالروح والجسد، بالروح والجسد، وهذا الذي عليه معظم السلف والخلف، ويدل عليه ظاهر القرآن وصحيح الأخبار، ومبادرة قريش لإنكاره وتكذيبه، كما ذكر ذلكم الإمام القرطبي في كتابه «المفهم»، في كتابه «المفهم» في شرحه على صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وهل صح أنه في شهر رجب؟ الجواب: لا. وتخصيص اليوم السابع والعشرين من شهر رجب أنه ليلة الإسراء والمعراج، هذا ليس بصحيح. والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى له كتاب اسمه «تبيين العجب فيما وُرد في فضل رجب»، ذكر فيه رحمه الله تعالى قال: «وقد زعم بعضهم أن الإسراء كان في شهر رجب، قال: وهذا كذب، وهذا كذب». ولهذا الجهال يحتفلون بالإسراء والمعراج في السابع والعشرين من شهر رجب، وهذا الاحتفال ليس من السنة، وإنما هو من البدعة. وذكر الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في كتابه «البداية والنهاية» قال رحمه الله تعالى: «قال: ومن الناس من زعم أن الإسراء كان أول ليلة جمعة في شهر رجب، أول ليلة جمعة في شهر رجب، قال: وهي ليلة الرغائب، أي يصلون فيها صلاة الرغائب، تلك الصلاة المبتدعة، قال: وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لذلك، والله أعلم». يقول: «ولا أصل لذلك، والله أعلم». قال رحمه الله تعالى: «ومما يذكر في هذه الحادثة يا إخوان أن النبي صلى الله عليه وسلم أُسري به ليلًا، فأصبح أين؟ أصبح في مكة، وجعل يحدث قريش عن هذه المعجزة، قريش يسخرون، وقريش لا يصدقون، وقريش لا يصدقون. فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: صِف لنا، صِف المسجد الأقصى، ما ذهب إليه قبل ذلك، ما ذهب إلى المسجد الأقصى. قالوا: صِف لنا. فجلاه الله له، فجعل يحدثهم عن أوصافه، وأخبرهم أنه مر على عير لهم في مكان كذا وكذا. ما هي العير؟ القافلة، في قافلة، يعني إبل عليها بضائع، مر عليها في طريقه في مكان كذا وكذا. فلما رجعت العير وسألوهم عن تلك الليلة، قالوا: نعم، في مكان كذا وكذا، أتى بعضهم إلى أبي بكر الصديق وقالوا: يا أبا بكر، ما تسمع صاحبك، إيش يقول؟ قال: ماذا يقولون؟ قالوا: يزعم أنه أُسري به في ليلة إلى المسجد الأقصى وأصبح بيننا». وهم يا إخوان يحتاجون مسافة شهر ذهابًا وشهر إيابًا. فقال أبو بكر: «إن كان قاله فقد صدق». انظر: «إن كان قاله فقد صدق». قيل: أنه سُمّي الصديق من ذلك اليوم، من ذلك اليوم. فمعجزة عظيمة كان فيها تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما يجده في فقد زوجته خديجة وعمه أبي طالب، وجرأة قريش بعدها عليه، جرأة قريش، وموقف أهل الطائف، وسب المشركين وخنقهم، وإلى غير ذلك، فكان فيها من الحكم الشيء العظيم. قال: «وفرضت عليه الصلوات الخمس». أين فرضت الصلوات الخمس؟ ليلة الإسراء والمعراج. وهل في الأرض أو في السماء؟ في السماء. وهذا مما يدل على عظم شأن الصلاة، شأن الصلاة. وأول ما فرضت، أول ما فرضت خمسين صلاة في اليوم والليلة، نزل بها النبي صلى الله عليه وسلم، فلقي موسى، فسأله موسى عما فرض الله عليه وعلى أمته، قال: خمسون صلاة. قال: يا محمد، إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، وذكر له أنه عالج بني إسرائيل، يعني ماذا؟ بني إسرائيل أتعبوا موسى وآذوه، فأمتك لا تطيق ذلك. فلا زال يتردد حتى بلغت خمسًا. ثم ثم نادى منادٍ: ﴿إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: 29]، وهي فهي خمس، وهي خمسون، يعني خمس في الأداء وخمسون في الأجر، لأن الحسنة بكم؟ بعشر أمثالها، بعشر أمثالها، كما جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه في الصحيح. وماذا ذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى كما في كتابه «المفهم»؟ قال: «وقد أجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان في ليلة الإسراء، كان في ليلة الإسراء». قال رحمه الله تعالى: «قال: وصلى في مكة ثلاث سنين». لاحظ: من العاشرة إلى الثالثة عشرة، إلى الثالثة عشرة، ثلاث سنين. وبعدها ماذا؟ قال: «وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة». ويا إخوان، سخر الله للنبي صلى الله عليه وسلم أناسًا من يثرب، ويثرب، ويثرب هو الاسم القديم للمدينة، أتوا إلى موسم الحج، وماذا؟ عرض النبي صلى الله عليه وسلم عليهم دعوته، فأجابوا. وما هو سبب إجابة أهل المدينة قبل غيرهم من الناس؟ أهل المدينة يا إخوان كان عندهم ثلاث قبائل يهودية، فمن هي ثلاث قبائل يهودية؟ بنو... بنو... بنو... بنو... بنو... بنو النضير، بنو... بنو... بنو... بنو... أيها؟ بنو... بنو... بنو... بنو النضير، وبنو... طيب، أحسنت، زاك الله خير، أتيت بخير كثير. نعم، وبنو قريظة، وبنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو قينقاع. اليهود كانوا أهل كتاب، وكانوا يقولون لأهل المدينة من الأوس والخزرج: هذا زمان نبي سيبعث، هو ماذا؟ نبي آخر الزمان، وسيبعث منا وليس منكم، يا عرب، وليس منكم، فإذا بعث سنقاتلكم معه، يا ويلكم منا، سنفعل بكم ونفعل. فكثيرًا ما كان يسمع عرب المدينة بهذا الكلام. فلما سمعوا عن النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، قالوا: هذه فرصة، نسبق اليهود إلى مبايعته، فبايعوا. أو قبل ذلك جلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، عرض عليهم الإسلام فأسلموا، ثم ذهبوا إلى المدينة. في العام الثاني للحج أتى عدد أكبر، وبايعوا، وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى، ورجعوا إلى المدينة، وأرسل معهم مصعب بن... ابن عمير، يعلم ويدعو. رجعوا في العام الذي بعده عدد أكبر، وعلى إثرها كانت بيعة العقبة الثانية التي تتضمن انتقال النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إلى المدينة، إلى المدينة. قال رحمه الله تعالى: «قال: والهجرة الانتقال من بلد الإسلام إلى بلد... أو الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، إلى بلد الإسلام». والهجرة يا إخوان هذه حقيقتها: انتقال من دار الشرك والكفر إلى دار الإسلام والإيمان، إلى دار الإسلام والإيمان. وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه «فتح الباري» قال: «أن الهجرة وقعت في الإسلام على وجهين، الهجرة وقعت في الإسلام على وجهين: الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن». لاحظوا: الانتقال من دار الخوف وهي مكة، إلى دار الأمن، أين دار الأمن؟ المدينة. أول إلى الحبشة، الهجرة حصلت في دين الإسلام على وجهين. الأولى: قال: الانتقال من دار الخوف مكة إلى دار الأمن، أي ماذا؟ كما في هجرتين الحبشة، كما في هجرتين الحبشة. وهكذا أيضًا في ابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة، في أول الأمر كانت المدينة ليست دار إسلام، أول ما بدأ الصحابة يهاجرون. طيب، الثانية: الهجرة من دار الكفر إلى بلاد الإسلام، سواء المدينة أو غيرها، قال: سواء المدينة أو غيرها. فهذه أو هذا الوجه الثاني من ماذا؟ أوجه الهجرة، من أوجه الهجرة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح»، أي بعد فتح مكة، أي بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية. هذا معناه: لا هجرة كاملة أو أفضل من الهجرة من المدينة، من مكة إلى المدينة. وأما الهجرة فباقية إلى قيام الساعة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. أناس يعيشون في بلاد الكفر في فرنسا، في بريطانيا، في أمريكا، في غيرها، هؤلاء عليهم أن يهاجروا إلى بلاد الإسلام: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]. فالهجرة يا إخوان كما ذكر العلماء هجرتان أيضًا: هجرة القلب، هجرة القلب إلى الله ورسوله، وهي الأصل، والنوع الثاني: هجرة الجسد من بلد إلى بلد، وهي تابعة للهجرة الأولى، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في رسالته... ماذا؟ الرسالة التبوكية. والحكمة يا إخوان، الحكمة من الهجرة هو الفرار بالدين وإحراز الدين والمحافظة على الدين، فالمحافظة على الدين مقدم على المحافظة على الأهل والمال والوطن والنفس، والوطن والنفس. فالهجرة من العبادات العظيمة والمقامات العالية التي يوفق الله لها من شاء من خلقه وعبيده. قال رحمه الله تعالى: «قال: والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام». طيب، يأتي معنا تتمة الكلام حول ما تبقى من هذه الرسالة وهذا الكتاب في الدرس القادم إن شاء الله. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.