الدرس في شرح الأصول الستة 4، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح الأصل الثاني من أصول الشيخ محمد بن عبد الوهاب الستة، مؤكداً وجوب اجتماع الأمة على الدين ونهي التفرق الذي أضعفها، مبيناً أن سبب الاختلاف يعود إلى عدم العمل بالعلم أو العمل بغير علم. ويحذر من ظن أن التحزب والتعدد الحزبي قوة، مشدداً على أن الفرقة الناجية هي المتمسكة بالكتاب والسنة ومنهج السلف.
يبيّن الأصل الثالث وجوب السمع والطاعة للإمام المسلم في المعروف، لأن اجتماع الكلمة وتحقيق مصالح الدين والدنيا لا يتم إلا بوجود إمام مطاع، مستدلاً بآيات وأحاديث في الاعتصام بحبل الله والنهي عن التفرق. ويؤكد أن الخروج على الإمام يجلب الفتن والفساد كما حدث في مقتل عثمان والثورات الحديثة، محذراً من منهج الخوارج والمعتزلة الذين جعلوا قتال الأئمة من أصول دينهم.
كان عرب الجزيرة يرفضون الخضوع لأي إمارة معتبرين ذلك ذلاً، بخلاف المناطق المجاورة التي كانت تخضع لسلطات، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فألف بين قلوبهم ووحدهم تحت راية الإسلام كما ورد في قوله تعالى: {وَأَجْمَعَهُمْ}. وقد عني العلماء بتقرير هذا الأصل وبيان أن مخالفته ضلال وفتح لأبواب الشر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي الكلام حول ما يتعلق بالأصل الثاني من الأصول الستة في رسالة شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمه الله تعالى. وخلاصة الأصل الثاني: أن الله تبارك وتعالى أمر بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق فيه، وبين الله عز وجل ذلك بياناً شافياً يفهمه العوام. يعني: كيف يفهمه العوام؟ إذا كان عامة الناس سرعان ما يفهمونه، فأهل العلم من باب أولى أنهم يفهمون مثل هذه الأمور. لكن مع هذا البيان، ومع هذا الإيضاح الذي جاء في القرآن والسنة، إلا أن ماذا؟ إلا أن الأمر صار إلى الافتراق والاختلاف في أصول الدين وفروعه، كما ذكر رحمه الله تعالى، وهذا هو الذي أضعف الأمة: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. ومر معنا في الدرس الماضي أن الاجتماع وعدم التفرق والاختلاف، هذا يعتبر من الأصول العظيمة التي يقوم عليها هذا الدين. ولهذا ربنا تبارك وتعالى في كتابه العزيز بين أن سبب هلاك، وأن سبب كذلك ضعف الأمم السابقة هو الاختلاف، وهو التفرق، وهو عدم الاجتماع. قال ربنا سبحانه وتعالى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}. وربنا عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، {وَلَا تَفَرَّقُوا}. ثم بين ربنا عز وجل نعمته العظيمة على أهل الإسلام بالاجتماع والوحدة فيما بينهم: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}، {فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}. وهكذا أيضاً مر معنا أن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر في مسائل الجاهلية التي خالف النبي صلى الله عليه وسلم فيها أهل الجاهلية: أنهم متفرقون في دينهم، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، وكذلك في دنياهم، {وَكَذَلِكَ فِي دُنْيَاهُمْ}، ويرون أن ذلك هو الصواب، {وَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ}. فأتى بالاجتماع في الدين بقوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}، {وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}. وكذلك أيضاً مر معنا أن منشأ الاختلاف غالباً يعود إلى أمرين اثنين. الأمر الأول: ما هو منشأ الاختلاف؟ غالباً يعود إلى أمرين اثنين. الأمر الأول: أحسنت. عدم العمل بالعلم. عدم العمل بالعلم: يعرف الحق ويميزه عن الباطل، فيترك الحق ويعمل بالباطل. وهذا يا إخوان مثاله حال اليهود الذين أوتوا العلم وأوتوا الكتاب فلم يعملوا: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}. والأمر الثاني الذي منشأ الخلاف عليه: الأول عدم العمل بالعلم، الثاني: العمل بغير علم. العمل بغير علم: وهذا يا إخوان أن الإنسان يعمل بجهل فيضل نفسه، وقد يضل أيضاً غيره. ومثال ذلك هو حال النصارى. النصارى يا إخوان كثرت فيهم البدع، ولهذا من دقق النظر في البدع التي يقوم بها وينشرها المتصوفة والمتشيعة وغيرهم، يجد أن لها أصولاً من النصارى. مثل ماذا؟ بدعة المولد، بدعة المولد. من أين أخذوها؟ بدعة المولد النبوي أخذوها من النصارى. قالوا: النصارى يقيمون احتفالاً بميلاد المسيح عيسى بن مريم، فلماذا نحن لا نقيم مثلهم ميلاداً لنبينا صلى الله عليه وسلم؟ هل النصارى سيحبون عيسى أكثر من حبنا لمحمد صلى الله عليه وسلم؟ هنا دخل عليهم الشيطان، ونسوا أن الله عز وجل قد حذرنا من متابعة اليهود والنصارى، والنبي صلى الله عليه وسلم حذرنا فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله»، «عبد الله ورسوله». إذن هذان الأمران هما منشأ كثير من الاختلاف الذي وقع في الأمة. ولهذا قلنا: سفيان رحمه الله تعالى كان يقول: «من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى»، {بِالنَّصَارَى}. والغلط يا إخوان الذي حصل على كثير من الناس في هذا الأصل الثاني هو أنهم ظنوا، لاحظوا يا إخوان: أنهم ظنوا أن التحزب، وأن التفرق، وكثرة الآراء، وكثرة الأفكار بين الناس، أنه سبب لنصر هذه الأمة، وسبيل إلى عزها وتمكينها، {عِزِّهَا وَتَمْكِينِهَا}، وماذا؟ أن عدوها يضعف أمامها. ولهذا زين لهم الشيطان هذا الأمر، تجدهم يدعون إلى إنشاء الأحزاب والتعددية الحزبية والفرق والجماعات إلى غير ذلك، ويعبر بعضهم فيقول: هذه ظاهرة صحية. تفرق هذا والتحزب الموجود في الأمة، يقولون: هذه ظاهرة صحية، هذا من التطور والثقافة، هذا من الحرية، إلى غير ذلك. فزين لهم الشيطان هذا الأمر، فتفرقوا أيما تفرق، وصاروا أحزاباً وفرقاً وشيعاً، كما قال الله عز وجل: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، {بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}. ولربما كل حزب يبدع الآخر، بل ويكفر الآخر، {وَيَكْفُرُ الْآخَرَ} المخالف له، {الْمُخَالِفَ لَهُ}. فكل منهم يزعم أنه على الحق، وأن غيره على الباطل. وكما قيل: {وَكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا بِلَيْلَى * وَلَيْلَى لَا تَقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَ}. كل واحد يقول: أنا على الحق. طيب، قل: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. وأنظروا يا إخوان: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أن ذكر افتراق اليهود، ثم افتراق النصارى، ثم افتراق أهل الإسلام، بين عليه الصلاة والسلام الميزان الذي تعرف به الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. قال: «إلا واحدة». قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «هم الجماعة». الذين يدعون إلى اجتماع الكلمة، ويدعون إلى وحدة الصف على الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة. الجماعة: هم من كان على الحق. {مَنْ كَانَ عَلَى الْحَقِّ} يضعفون ويقوون، يزيدون وينقصون. ابتلاء يا إخوان، ابتلاء: أن الحق أحياناً يعلو على الباطل، والباطل أحياناً يزيد على الحق. كما قال ماذا؟ أبو سفيان بعد غزوة بدر: «يوم بيوم بدر، والحرب سجال». هذا يا إخوان حكم من الله عز وجل. لو كان أهل الحق دائماً منصورين، لا دخل في أوساطهم من ليس منهم، {مِنْ لَيْسَ مِنْهُمْ}. ولهذا لما انتصر المسلمون في غزوة بدر، دخل المنافقون وأظهروا الإسلام، {وَأَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ}. لكن حين أن يصاب المسلمون، يظهر المنافقون. ولهذا بعد غزوة أحد، أبرز المنافقون لما رأوا الإصابة التي أصيب بها المسلمون، {الْإِصَابَةَ الَّتِي أُصِيبَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ}. وأيضاً المغياس والميزان الذي يضبط ماذا؟ الفرقة الناجية والطائفة المنصورة: ما جاء في الرواية الأخرى: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». هذا يا إخوان ميزان منضبط، ميزان منضبط: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ}. هؤلاء مشاقون، هؤلاء مخالفون. إذن فكر، إذن فكر، واعرض أي فرقة من الفرق المنحرفة هذه. هات الصوفية، ضعهم في هذا الميزان، في هذا الميزان: أهم على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة؟ سرت مشرقاً، وسريت مغرباً، شتان ما بين مشرق ومغربي. بدع، شركيات، وخرافات، وسحر، وكهانة، وحروز، وتمائم، ودعاء غير الله عز وجل، وتمسح بأضرحة وأموات وقبور ومشاهد، وطواف حولها، وحدث ولا حرج عن مخالفة هؤلاء القوم لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ائتِ بالشيعة، هات الخوارج، المعتزلة، القدرية، الجهمية، إلى غيرها من الفرق، تجد أنها أبعد الناس عن هذا الميزان. لكن يا إخوان: هات منهج أهل السنة والجماعة الذين يحكمهم الدليل من القرآن والسنة. السني: ممكن تسحبه بأنفه بآية أو حديث، يترك ما هو عليه من رأي خاطئ، ما يقول لك: لا، هذه الآية خذها لك، أو هذا الحديث ما أقبله. وإنما هم مستسلمون لما جاء في القرآن، وما جاء في السنة: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. وهذه الأصول يا إخوان تبين لنا هذه الفائدة: كيف أن أهل السنة باقون على الأصل الصحيح، وأن كثيراً ممن خالفهم قد خالف هذا الأصل الذي جاء في القرآن والسنة. ولهذا نحن نذكر الأصل، ونذكر ما ذكره رحمه الله تعالى من الغلط الذي حصل لكثير من الناس في هذا الأصل، ومنه الأصل الثاني الذي هو بين أيدينا، {الَّذِي هُوَ بَيْنَ أَيْدِينَا}. فلهذا يا إخوان: لا يخفى على كل ذي عينين، فضلاً عن من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، حال الأمة من التفرق، ومن كثرة البدع، وأدخل في الدين ما ليس منه، وصارت الدعوة بعد أن كانت إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ماذا أصبحت؟ إلى أشخاص معينين، {أَصْبَحَتِ الدَّعْوَةُ إِلَى مَاذَا؟ إِلَى أَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ}، وإلى أفكار مخالفة لما في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. وكل فرقة من هذه الفرق تؤيد زعيمها ومؤسسها، {وَ مُؤَسِّسِهَا}، وماذا؟ لو فكروا ورجعوا إلى صوابهم، فأخذوا بما في الكتاب والسنة، لا، {لَا}، لا زال هذا الاختلاف، وهذه الفرقة، وهذا التفرق الذي حصل في الأمة، {الَّذِي حَصَلَ فِي الْأُمَّةِ}. وربنا عز وجل يقول: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}. يعني: الاختلاف هذا سنة كونية. قد يقول البعض: ليش المسلمين مختلفون؟ الله عز وجل أراد هذا الاختلاف كوناً، ولم يرده شرعاً، سبحانه وتعالى. والإنسان ليس عليه أن يعالج هذا الاختلاف الموجود، صعباً، وغداً يكون مستحيلاً: أنك تجمع الناس كلهم على كلمة واحدة. لكن يدعو الإنسان إلى الاجتماع، ويدعو إلى نبذ الاختلاف والفرقة، ويحرص أن يكون هو بعيداً عن هذا التفرق والاختلاف، فيلزم جماعة المسلمين، ويلزم إمام المسلمين. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن عباس عند الترمذي: قال: «يد الله مع الجماعة»، «يد الله مع الجماعة». ومر معنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً». إيلا يا شباب: ما هي الثلاث التي يرضاها الله لنا؟ «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً». أيا حسين: ما هي الثلاث التي يرضاها ربنا عز وجل لنا؟ واحد، ها، طيب هاتها مرتبة، أحسن، لأنه حديث الآن. أن، ها، عند عمر آتي، يا عمر، طيب، يا أبي عبد الرحمن: أن تعبد الله. احفظ يا حسين، احفظ: الأولى: أن تعبد الله، {وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا}. نعم، الثانية: الثانية هي الأصل الثاني، هذا هي الأصل الثاني، فما هي؟ {أَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}. ثالثة: هي الأصل الثالث الذي سيأتي معنا: {أَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ}. ويكره لكم: إيش؟ قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، {وَإِضَاعَةَ الْمَالِ}. فماذا؟ فهذا يا إخوان من الأمور المهمة جداً، {مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ جِدًّا}. وذكر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه التمهيد عن ابن المبارك رحمه الله تعالى. وابن المبارك هذا يا إخوان: كما لا يخفى عليكم، عالم كبير، ومحدث، آماذا، كبير من المحدثين، إماماً من أئمة السنة. قال ابن المبارك: قال: «إن الجماعة حبل الله، فاعتصموا منه بعروته الوثقى، لمن دانا، كم يرفع الله بالسلطان مظلمة في ديننا، رحمة منه، ودنيانا، لولا الخلافة لم تؤمن لنا سبل، وكان أضعفنا نهباً لأقوانا». وهذا من الأمور، يعني ماذا؟ أبيات عظيمة تحث فيها على الاجتماع، وعلى نبذ التفرق والاختلاف. قال رحمه الله تعالى: قال: الأصل الثالث، أي من الأصول، من الأصول كم يا محمد؟ الثلاثة أو الستة؟ ها، الأصل الثالث من الأصول الثلاثة، أو من الأصول الستة؟ ها، ايش هو الكتاب الذي ندرسه نحن الآن؟ ها، الأصول الستة، أحسن. إذن هذا الأصل الثالث من الأصول الستة. طيب، قال: الأصل الثالث: إن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبداً حبشياً. فبين الله هذا بياناً شائعاً كافياً، بوجوه من أنواع البيان: شرعاً وقدراً، {شَرْعًا وَقَدْرًا}. قال: ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم، فكيف العمل به؟ أكثر من يدعون العلم يجهلون هذا الأصل، أو لا يعملون به، {أَوْ لَا يَعْمَلُونَ بِهِ}. فإذا كان هؤلاء هم ماذا؟ الذين ينتسبون إلى العلم، فكيف بالعوام؟ كيف بالجهال؟ فمن باب أولى أن ماذا؟ أن يبتعد عن هذا الأصل. وهذا الأصل يا إخوان أصل عظيم، وهو يعتبر ركناً للأصل الذي قبله. هذا الأصل يا إخوان يتعلق بالأصل الذي قبله، ولهذا قال في أوله: «إن من تمام الاجتماع» ما يحصل الاجتماع إلا إذا وجد إمام نسمع له ونطيع. قال: «إن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا». وإذا لم نسمع، وإذا لم نطع، فماذا يحصل؟ يحصل التفرق والاختلاف، تحصل الفتن والحروب، {تَحْصُلُ الْفِتَنُ وَالْحُرُوبُ}. فلهذا يا إخوان ينبغي أن نعلم أنه لا تكون جماعة للمسلمين، ولا اجتماع لهم، إلا بوجود إمام، {إِلَّا بِوُجُودِ إِمَامٍ}. وهذا الإمام ما تحصل الفائدة من وجوده إلا إذا حصل السمع والطاعة له، {السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لَهُ}. إذن لا قيام لنا إلا بالجماعة، والجماعة لابد لها من إمام وحاكم، {وَهَذَا الْإِمَامُ} يهتم بمصالح المسلمين. هذا الإمام يا إخوان ما فائدته؟ فائدته يقوم بمصالح البلاد والعباد. هذا الإمام فائدته يقيم الحدود، ويقيم علم الجهاد، ويقيم شعائر الدين. هذا الإمام ينصر المظلوم، ويأخذ على يد الظالم، {وَمَاذَا غَيْرُهَا} كثير من المصالح لا تتم إلا بوجود إمام. وهذا الإمام يسمع له ويطاع بالمعروف، لا في معصية الله عز وجل. اهتم العلماء قديماً وحديثاً بهذا الأصل، حتى أن بعضهم أفرد له مصنفات في ماذا؟ فيما يتعلق بالراعي والرعية، فيما يتعلق بإمام المسلمين الذي يجب له السمع والطاعة، إلى غير ذلك، {إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ}. إلى غير ذلك. ولهذا يا إخوان: السمع والطاعة لإمام المسلمين في المعروف، هذا يعتبر أصلاً من أصول أهل السنة والجماعة. ولهذا أدخلوه في كتب، في كتب الفقه، أو التفسير، أو الاعتقاد، أو الحديث. نعم، الاعتقاد: لما يذكرون طاعة الإمام والسمع والطاعة للإمام، ليس المقصود إمام الصلاة، بل ما هو أعظم من هذا: إمام المسلمين، من ولاه الله عز وجل أمر المسلمين، {أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ}. فلهذا قلنا: اهتموا به، لأنه بالسمع والطاعة تنتظم مصالح الدين والدنيا معاً، {الدِّينَ وَالدُّنْيَا مَعًا}. بماذا؟ بالسمع والطاعة لهذا الإمام. والعكس بالعكس: يعني بالافتئات عن الإمام، وعدم السمع والطاعة له، ماذا يحصل؟ يحصل فساد الدنيا وفساد الدين. تخيل: أنت حاكم موجود، الناس ما تسمع له، يقول: يا جماعة، بكرة فعلوا كذا، يقول: روح، ما نفعل شيء، ما سنستجيب لك. فوضى في البلاد، {تَكُونُ فَوْضَى فِي الْبِلَادِ}. تكون فوضى في البلاد. ولهذا قيل: ملك غشوم، يعني ظالم، خير من فتنة تدوم. وجود إمام وحاكم للبلاد، حتى ولو كان ظالماً فاسداً، أفضل من ماذا؟ أفضل من أن يعيش الناس حياة فوضوية بغير إمام وحاكم يحكمهم، {وَحَاكِمٍ يَحْكُمُهُمْ}. وحاكم يحكمهم. ولهذا، ولهذا صار مخالف هذا الأصل من أهل، من أهل البداعي والأهواء. الذي يخالف أصل السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين أصبح من أهل البدع، مثل من؟ الخوارج، مثل كذلك أيضاً المعتزلة، الروافض، فهم يخالفون في هذه، أو في هذا الأصل. وهكذا من سار على طريقتهم، {وَكَذَلِكَ مَنْ سَارَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ}. وانظر إلى ثمرات الخروج على الحاكم: ماذا حصل حين أن تجمع أولئك الخوارج على الخليفة الراشد عثمان بن عفان، {عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ}، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما صنع بعد اليوم». بدأوا يؤلبون على عثمان، عثمان فعل، عثمان عمل، عثمان فعل، ألبوا الناس على عثمان، فاجتمع حول دار الخلافة، دار عثمان، أوباش من الناس، وقام الصحابة لكي يدافعوا عن الخليفة، فنهاهم عثمان، ما يريد فتنة تقع، وحرج على من كان ماذا؟ له طاعة عليه أن يذهب، ممنوع حد يبقى، وتسور دار عثمان، وقتلوا عثمان، والمصحف بين يديه يقرأ، وصائماً. ورأى عثمان في ذلك، في تلك الليلة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عثمان، تفطر عندنا». فقتل في تلك الليلة. طيب، ماذا حصل؟ فتنة وقعت، بايع كثير من الناس علي بن أبي طالب، ولم يبايع البعض، وقامت على إثر ذلك معركة الجمل، ومعركة صفين، {وَمَعْرَكَةَ صِفِّينَ}. وحصل الصلح بين علي ومعاوية، خرج الخوارج، خرجوا معترضين على التحكيم، وأرسلوا ثلاثة لقتل علي، ومعاوية، وعمرو بن العاص. أما علي فبالكوفة، وأما معاوية فبالشام، دمشق، وأما عمرو بن العاص فبمصر. فماذا؟ فقتل عبد الرحمن بن ملجم الخارجي، قتل علي بن أبي طالب، وهو خارج لصلاة الفجر. وصاحب معاوية لم يتمكن، قبضوا عليه. وعمرو، عمرو بن العاص لم يخرج تلك الليلة، وأخرج نائبه، خارجه، فلما رآه الخارجي قتله، يظنه عمر. فلما قتل خارجه، سأل الخارجي: هذا من قتلتم؟ قالوا: قتلت خارجه، وعمر قال: لا، عمر لم يقتل. فقال كلمة أصبحت مثلاً يُضرب: «أردنا عمراً، وأراد الله من، وأراد الله خارجه». انظروا إلى هذه الفتن، وبعدها، وبعدها سيل من الفتن، بسبب ماذا؟ الخروج على الحاكم المسلم، الخروج على الحاكم المسلم. بل لا نذهب بعيداً: انظروا إلى ما يسمى اليوم بالربيع، {بِالرَّبِيعِ}، هذه الثورات التي وقعت في كثير من البلدان، سببها الخروج على الحاكم، عدم السمع والطاعة. نعم، الحاكم قد يكون فاسداً، قد يكون ظالماً، لكن وجوده خير من الفتن، وسفك الدماء، والاعتداء على الأعراض، ونهب وسلب الأموال. وما حصل في سوريا، واليمن، وليبيا، وتونس، والصومال، والآن السودان، وإلى غيرها من البلدان، إلا شاهد على ذلك، على أن أبواب الفتن فتحت بسبب ماذا؟ عدم السمع والطاعة للإمام والحاكم المسلم. والخروج على الحكام يا إخوان، وعدم السمع والطاعة لهم، هذا أصل من أصول بعض الفرق، مثل المعتزلة. المعتزلة عندهم أصول خمسة، المعتزلة عندهم أصول خمسة مشهورة، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهكذا ذكره غيره. الأصل الأول: التوحيد، لا تغركم كلمة التوحيد، هم يعنون شيئاً آخر. الأصل الأول عندهم: التوحيد، الذي هو سلب الصفات. التوحيد عندهم أنهم ينفون ماذا؟ أثبتوا الأسماء، ونفوا الصفات عن الله عز وجل. الأصل الثاني: العدل، ما هو العدل؟ العدل قال: الذي هو التكذيب بالقدر، التكذيب بالقدر. الأصل الثالث: المنزلة بين المنزلتين، هذا في حق من يا إخوان؟ كما سبق معنا: المعتزل يقول: منزلة بين منزلتين، في حق من؟ مرتكب الكبيرة. قالوا: ليس بمسلم، إذن هو كافر. قالوا: لا، ليس كافراً، إذن لا مسلم ولا كافر، إيش نقول؟ قالوا: قولوا: منزلة بين منزلتين، بين الكفر والإيمان، هذه المنزلة لمرتكب الكبيرة. ورابعاً: إنفاذ الوعيد، هم يقولون بخلود مرتكب الكبيرة في النار. وأيضاً الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا هو الشاهد، الذي هو قتال الأئمة، الخروج على أئمة المسلمين وقتالهم، هذا من الأصول عند الخوارج، {مِنْ أُصُولِ عِنْدَ الْخَوَارِجِ}. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال: «ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة، وترك القتال في الفتنة». قال: «وأما أهل الأهواء، المعتزلة، فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم، من أصول دينهم». يجعل المعتزلة أصول دينهم خمسة، ثم ذكر الأصول التي مرت معنا، {الَّتِي مَرَّتْ مَعَنَا}. وهنا أمر يا إخوان: ألا وهو أن عدم السمع والطاعة للأمراء، {لِلْأُمَرَاءِ}، هذا يا إخوان من أمور الجاهلية الأولى التي كانوا عليها، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وخالفهم فيها. ولهذا ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه القيم «مسائل الجاهلية» التي خالف النبي صلى الله عليه وسلم فيها أهلها، ذكر رحمه الله تعالى، ذكر في المسألة الثانية: قال: «إن مخالفة ولي الأمر، وعدم الانقياد له، فضيلة، فضيلة عند من؟ عند أهل الجاهلية، فضيلة عندهم». حين أن لا تسمع، ولا تطيع الأمير والحاكم، قال: «والسمع والطاعة له ذل ومهانة». لاحظوا يا إخوان: عندهم أنك حين أن تخالف ولي الأمر، ولا تنقاد له، هذا شيء طيب عندهم في الجاهلية، هذا منقبة، هذا شيء يمدح عليه الإنسان. وأما السمع والطاعة للإمام، هذا يقول: ذل، هذه إهانة، كيف ترضى أنت بالإهانة؟ إنسان يتحكم فيك. فذكر رحمه الله تعالى ذلك. والشافعي رحمه الله تعالى في كتابه القيم «الرسالة»، {الرِّسَالَةُ} يا إخوان، للإمام الشافعي، هذا من الكتب النافعة العظيمة التي جمعت فوائد يعني كثيرة جداً في الأصول والتفسير والعقيدة وغيرها، {وَغَيْرِهَا}، مما ذكره الإمام الشافعي في هذا الكتاب. قال: «كل من كان حول مكة من العرب، كل من كان حول مكة من العرب، لم يكن يعرف، أو لم يكن يعرف إمارة، كانوا يعرفون أمير عليهم، كانوا قبائل متناثرة متحاربة». قال: «كل من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف إمارة، وكانت تأنف، أي تأبى وترفض، وكانت تأنف، أي القبائل، أن يعطي بعضها بعضاً طاعة الإمارة، طاعة الإمارة». بخلاف اليمن: عندهم أمير، مصر: أمير، الشام: قد يكون فيهم أمير، والعراق: أمير، دولة الغساسنة والمناذرة، وإلى غيرها. لكن عرب الجزيرة من الأمور المعروفة عندهم: كانوا يأنفون أن يكونوا تحت إمارة، يعتبرون ذلك ذل وإهانة لهم. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وماذا؟ وأجمعهم، {وَأَجْمَعَهُمْ}، عليه الصلاة والسلام: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}. وأخيراً: أنه لأجل هذا اهتم العلماء بهذا الأصل، وبينوه غاية البيان، وأدخلوه في كتب العقائد، وردوا على المخالف فيه، وبينوا أن مخالفة ذلك ضلال مبين، وفتح لأبواب الشر، وتعطيل لأمور الدين والدنيا، ومصالح المسلمين. يأتي معنا تتمة هذا الأصل مع الذي بعده في الدرس القادم إن شاء الله. طيب، نكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر