الدرس في شرح أحاديث فضائل وآداب الصيام 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن أول ليلة من رمضان حيث تُصفد الشياطين وتغلق أبواب النار وتفتح أبواب الجنة. ويوضح أن تصفيد الشياطين يقلل الشر ولا ينهيه تماماً، لذا يقع بعض المعاصي لكن الخير يغلب في هذا الشهر.
يذكر المقطع فضائل رمضان من تسلسل الشياطين وفتح أبواب الجنة، ويسرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم بتأمينه على دعاء جبريل بالذل لمن أدرك رمضان ولم يُغفر له. ويبرز أهمية اغتنام هذا الشهر العظيم للطاعة والمغفرة.
يفسر المقطع معنى «رغم أنف امرئ» بأنه الذل والعار لمن أدرك رمضان ولم يُغفر له. ويبين أن المغفرة مشروطة بالإقبال على العبادة كصيام وقيام وليلة القدر إيماناً واحتساباً وحفظ الجوارح، لا بمجرد إدراك الشهر.
أعلن المتحدث عن الانتهاء من شرح كتاب التوحيد، وحدد موعداً لدرس عام في رمضان بعد ثلاثة أيام. واختتم الجلسة بشكر الحضور على متابعتهم وحضورهم.
الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن وآله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، أخذنا في الدرس الماضي حديث ابن عباس الذي هو في الصحيحين، فمن يقرأه علينا من حفظه؟ وما هو حديث ابن عباس؟ نعم، فضلًا. وكان أجود ما يكون، فيدارسه، فلا رسول الله... فلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، من الريح المرسلة. اتفق عليه. الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله. وبعد، حديث اليوم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفدت الشياطين، ومُرِدت الجن، وغُلِّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر». رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه. هذا الحديث فيه فضل عظيم ومزية عظيمة لشهر رمضان، ولي الصيام. فيقول في هذا الحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان»، معنى: من أول رمضان إلى آخره صُفدت الشياطين. ومعنى صُفدت: يعني سُلسِلت، كما جاء في بعض الروايات: «سُلسِلت الشياطين»، أو كذلك رُبطت الشياطين في هذا الشهر. بل قال: «ومُرِدت الجن». استدل العلماء بهذا على أن الشيطان غير الجن من حيث الإغواء، فالجن هم جنود بالشيطان، لكن الشيطان يعني الذي أخرجه الله عز وجل من رحمته وطرده ولعنه، ودَرَأه... درأه... تتخذونه ودَرَأه أولياء... درأه. وقوله: «ومُرِدت الجن»، المَرَد هم الذين تمردوا على أمر الله عز وجل، فدل ذلك على أن من الجن من هو طائع، أو من هو عاصٍ لكنه ليس قد بلغ درجة التمرد. درجة التمرد... طيب. قد يسأل سائل ويقول: نجد في رمضان بعض المسلمين لا يزال في معاصيه، لا يزال في كذلك الكبائر، في ترك الصلاة، في معاصي معروفة، فكيف يفعل ذلك والشياطين مُصفدة ومُرِدت الجن كذلك مُصفدة؟ فيقال: كما ذكر ذلك بعض أهل العلم، قال: إنما تُصفد الشياطين لا لعدم حث أتباعها على الشر، وإنما للتقليل من ذلك، للتقليل من إغواء العباد. ولذلك تجد في رمضان يقل الشر، يقل الشر، ويكثر الخير، لا ينعدم ولا ينقطع، وإنما يقل. تجد النفوس تعظم هذا الشهر فتقبل على الخير، وتقبل على الطاعة، وتكف عن الشر، فتبتعد عن المعصية، وتبتعد عن الشرور. فهذا هو المراد، وليس معنا أنه خلاص ما أحد يعصي الله لأن الشيطان الذي يغويهم مربوط ومسلسل، لا، وإنما المراد أن الشيطان يقل شره بسبب سلسلته أو بسبب تصفيده. وقوله هنا: «وغُلِّقت أبواب النار»، معنى غُلِّقت أبواب النار: يعني تقل المعاصي، تقل المعاصي لما يجعل الله عز وجل في هذا الشهر من الخيرات ومن الرحمات، فتجد أن الناس يبتعدون عن أسباب دخول النار، عن أسباب دخول النار. وهكذا يكثر منهم الأعمال، أو تكثر منهم الأعمال الصالحة التي تدخلهم الجنة، فالجنة مفتحة لكثرة من يعمل الصالحات في هذا الشهر، والنار مغلقة لقلة من يعصي الله عز وجل في هذا الشهر. فهذا يدل على فضيلة هذا الشهر. وأما قوله: «وينادي مناد»، قيل: أن هذا المنادي من الملائكة، ينادي بأعلى صوته: «يا باغي الخير أقبل»، أياما تريد الخير أقبل على الخير، فها هو شهر الخير، فها هو شهر الخير، «ويا باغي الشر أقصر»، أياما تريد أن تعمل الشر، كف، أقصر، بمعنى: كف عن الشر، كف عن الشر، فإن هذا الشهر قد سُلسِلت فيه الشياطين، وقد كذلك فُتحت فيه أبواب الجنة، وغُلِّقت فيه أبواب النار، فلماذا أنت مصر على الوقوع في المعاصي؟ فأقصر. وهذا فيه دعوة لنا جميعًا في شهر رمضان أن نقبل على الله، وأن نقبل على الأعمال الصالحة، وأن نجد ونجتهد في هذا الشهر في طاعة الله عز وجل، فإنه من الحرمان أن يأتي هذا الشهر ولا يزال المسلم مقيمًا على معصية الله. جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد وغيره أن الصحابة سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يُؤمِّن ثلاثًا، يقول: آمين، آمين، آمين. ولا شك أن التأمين يكون عن دعاء، فاستغرب الصحابة ذلك، وقالوا: يا رسول الله، سمعناك تؤمن ثلاثًا، فعلى ما تؤمن؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «جاءني جبريل فقال: رغم أنف امرئ ذُكرتُ عنده فلم يصل عليك، قل: آمين، قال: فقلت: آمين. ثم قال لي: رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، قال: فقلت: آمين. قال: ثم قال لي: رغم أنف امرئ دخل عليه رمضان وخرج فلم يُغفر له، قل: آمين، قال: فقلت: آمين». الشاهد من هذا الحديث في قوله: «رغم أنف امرئ»، ما معنى «رغم أنف امرئ»؟ يعني: دُسَّ أنفه في التراب، ذلاً وخزيًا وعارًا له. واحد لما يريد أن يهين شخصًا يضع أشرف شيء في وجهه في التراب، صح؟ وهو الوجه، ومما يكون بارزًا من الوجه ما هو يكون بارزًا من الوجه؟ الأنف. أول شيء يمس الوجه يمس أولًا ماذا؟ الأنف. فهذا دليل على الخزي والعار والإهانة والذل. فهذا دعاء من جبريل، وتأمين من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «رغم أنف امرئ دخل عليه رمضان وخرج فلم يُغفر له». كيف لم يُغفر له؟ لأنه لم يتخذ أسباب مغفرة الذنوب، لم يتخذ أسباب مغفرة الذنوب. ما هي أسباب مغفرة الذنوب؟ الإقبال على العبادة والطاعة في هذا الشهر. «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». إذن، مغفرة الذنوب ليست بمجرد أن تدرك رمضان، ليس كل من يدرك رمضان تغفر ذنوبه، وإنما من يدرك رمضان فيتخذ أسباب مغفرة الذنوب. ومن أعظم أسباب مغفرة الذنوب كما جاء في هذا الحديث: الإقبال على الخير، والكف عن الشر، والكف عن الشر. هذا هو ضابط... ضابط غفران الذنوب في رمضان. ومن الإقبال على الخير: صيام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وقيام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وقيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا. نعم. ومن أسباب مغفرة الذنوب كذلك: حفظ الجوارح عن المعاصي، كما مر معنا في الأحاديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم. هذا هو حقيقة الصيام، هذا هو الذي ينتفع بالصيام. فليست العبرة بأن ندرك رمضان، وإنما العبرة: ماذا سنفعل في رمضان؟ ماذا سنفعل في رمضان؟ فهذا معنى: «وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر». ففيه الحث على الخير في رمضان، وفيه الحث على الكف عن الشر في رمضان. بهذا نكتفي، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. وهذا آخر مجلس لنا إن شاء الله قبل دخول رمضان إن شاء الله، ونكتفي بهذا. قد انتهينا من كتاب التوحيد، ولعل لنا درسًا عامًّا إن شاء الله في رمضان، وراء ثلاثة أيام، نسمي على الإطوة، ويقول لنا درس عام في رمضان. شكرًا، شكرًا.