الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع معنى غربة الدين وأهمية الثبات على السنة رغم قلة أهلها، ويبين فضل اتباع السنة والتحذير من مخالفتها. كما يشدد على أهمية لزوم العلم والسنة لتحقيق النجاة.
يتناول المقطع عقيدة أهل السنة والجماعة في أمور متعلقة بيوم القيامة مثل البعث والشفاعة والجنة والنار، ويبين إيمانهم برؤية الله تعالى في الآخرة وبخلود الجنة والنار.
يشرح المقطع أهمية الإيمان والتوحيد في الفوز بالشفاعة يوم القيامة، ويوضح عقيدة أهل السنة في هذه الأمور الغيبية، ويبين أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الحادي عشر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فمواصلة في درسنا في عقيدة السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني رحمه الله تعالى، نواصل إن شاء الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف عليه رحمة الله: أخبرنا أبو طاير بن خزيمة، قال: حدثنا جدي الإمام، قال: حدثنا أحمد النصر، قال: حدثنا أبي عقوب الحنيني، قال: حدثنا كثير من عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء». قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: «الذين يحيون سنتي من بعدي ويعلمونها عباد الله». وقال رحمه الله: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا الحسن الكارزي يقول: سمعت علي بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: «المتبع من سنتك القابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله». ورؤيا للأعمش عن أبي الضحى عن مسروق، أنه قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال: «يا أيها الناس، من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم». قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾. وقال عليه رحمة الله: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس المعقلي، قال: حدثنا أحمد عبد الجبار العطاردي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الرحمن نضب، عن القاسم أبي عروة، عن محمد بن كعب القراضي، قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فجعلت أنظر إليه نظرا شديدا، فقال: «إنك تنظر إلي نظرا ما كنت تنظره إلي وأنا بالمدينة». فقال: «لتعجبي». قال: «ومما تتعجب؟». قال: «قلت: لما حال من لونك ونحل من جسمك ونفي من شعرك». قال: «وكيف؟». قال: «كيف ولو رأيتني بعد ثلاثة في قبري وقد سالت حدقتاي على وجنتي وسال من خري في فمي صديدا، كنت لأشد نكرة». حدثني حديثا كنت حدثني عن عبد الله بن عباس، قال: قلت: حدثني عبد الله بن عباس، يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إن لكل شيء شرفا، وأشرف المجالس ما استقبل به القبلة، لا تصل خلف نائم ولا متحدث، واقتل الحية والعقرب، محدث ولا تصل خلف نائم متحدث، طيب ولا تصل خلف نائم ولا متحدث». قال: وفي الأصل «محدث»، والصواب ما أثبتنا. والتصويب مسند داود، مسند عبد بن حميد، قال: «لا تصل خلف نائم ولا متحدث، واقتل الحية والعقرب وإن كنتم في صلاتكم، ولا تستروا الجدر بالثياب، ومن نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار، ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الذي يجلد عبده ويمنع رفده وينزل وحده». أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ «الذي يبغض الناس ويبغضونه». أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ «الذي لا يقين عثرة ولا يقبل معذرة ولا يغفر ذنبا». أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ «الذي لا يرجع خيره ولا يؤمن شره». قال: «ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يد غيره، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله». قال: «إن عيسى عليه السلام أم في قومه، فقال: يا بني إسرائيل، لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، ولا تظلموا، ولا تكافئوا ظالما بظلمه، فيبطل فضلكم عند ربكم». قال: «الأمر ثلاثة: أمر بين رشده فاتبعوه، وأمر بين غيه فاكتنبوه، وأمر اختلف فيه فكيلوه إلى الله عز وجل». هذا موضع آخر أورد فيه المؤلف رحمه الله تعالى عددا من الآثار والأحاديث، ويريد أن يستدل بها رحمه الله على غربة الدين وحال أهل الغربة، وما ينبغي أن يكون عليه صاحب الحق من الاعتزاز بالحق ولو كان وحده، ولو كان في قلة. أورد أولا حديث كثير من عبد الله المزني عن أبيه عن جده، والحديث بهذا الإسناد فيه ضعف، لكن معناه صحيح، جاء في أحاديث أخرى، فله شواهد ومتابعات تصحح بعض جمله. فبالجملة معنى الحديث صحيح. والشاهد منه أن هذا الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء. وقد جاءت روايات تفسر هؤلاء الغرباء، منها: «الذين يصلحون إذا فسد الناس»، ومنها: «الذين يصلحون ما أفسد الناس»، ومنها بهذا اللفظ، ومعناه صحيح، وإسناده ضعيف: «الذين يحيون سنتي من بعدي ويعلمونها عباد الله». وأراد الشيخ رحمه الله هذه الجملة، فإن من غربة الدين أن يكون أهل السنة قليل، ومن يعلمها الناس أقل، فينبغي للإنسان أن يصبر ويثبت على الحق، ولا تغره كثرة الهالكين. كما روي عن الفضيل بن عياض وغيره: أن يلزم الإنسان الحق والهدى ولو كان وحده، ولا يضره كثرة الهالكين. فالكثرة كما تقدم معنا ليست صفة أهل الجنة. قال الله عز وجل: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾. وتقدم معنا حديث أبي هريرة في الصحيحين: «يقال لآدم يوم القيامة: أخرج بعث النار، فيقول: ما بعث النار؟ فيقول: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فلا ينجو من الألف إلا واحد، حتى شق ذلك على الصحابة، فقالوا: أينا ذلك الواحد يا رسول الله؟ فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم هلاك الأمم: اليهود والنصارى، وأجوج ومأجوج، وعلم بهذا أن أهل الحق قليل. ولهذا وصفت الطائفة المنصورة والفرقة الناجية بأنها طائفة وفرقة، والطائفة العدد القليل، والفرقة العدد القليل. فالذي ينجو من أهل الحق قليل بالنسبة لمن يهلك. فلذلك ينبغي للإنسان أولا أن يحذر من أن يكون مع هؤلاء الكثرة الهالكين. وثانيا أن يحرص على الأخذ بأسباب النجاح التي تجعله من هؤلاء القليل الناجين. ومن أعظم أسباب النجاح لزوم العلم والسنة وأهلها. فمن لزم طريق العلم والسنة وأهلها أخذ بأسباب النجاح. ثم ذكر حديث أثر القاسم بن سلام: «المتبع للسنة كالقابض على الجمر»، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله. لأن المتبع للسنة يحفظ الدين، والمقاتل في سبيل الله يقاتل وهو إن صدق وأراد أن تكون كلمة الله العليا فهو في باب خير، لكن لا شك أن المحافظة على الإسلام الصافي النقي أفضل من إدخال الإسلام وهو ليس نقي إلى من ليسوا بمسلمين. فلذلك تنشأ الغثائية من أناس يجهلون الإسلام الصحيح ويدعون غيرهم ممن ليس عندهم الإسلام، فيجتمع جهل فوق جهل، فتكون الغثائية. لكن إذا صفي المجتمع باتباع السنة وأهلها قليل، والقابض عليها كالقابض على الجمر، لكثرة المخالفين وكثرة الفتن والمحن، مع من يثبت. وإذا كان هذا في زمان القاسم رحمه الله تعالى، فكيف بزماننا هذا؟ فإنه أشد. فينبغي للإنسان أن يحرص على لزوم السنة، وأن يخاف أن ينصرف وينحرف عن طريقها. ثم ذكر أثر ابن مسعود، وفيه نفس المعنى وزيادة. ومن ذلك أن الإنسان لا يتكلم في دين الله عز وجل إلا بعلم. فإن من العلم أن يقول الإنسان لما لا يعلم: «الله أعلم». ولا يتكلف الكلام في دين الله عز وجل بغير علم. لأن البدع والضلالات دخلت بسبب تكلف الكلام بغير علم، كما تقدم معنا في الآثار السابقة. ثم ذكر حديث محمد بن كعب القرظي، وأكثر جمله دلت عليه أحاديث صحيحة، وإن كان هو بهذا الإسناد ضعيف بسبب العطاردي وغيره، لكن جمله أكثرها صحيح، دلت عليه أحاديث صحيحة. والشاهد منه ما فيه من أمر لزوم الحق وأهله، وأن الإنسان لا ينجو إلا بذلك. فإذا صار الإنسان ملازما للحق وأهله، فإنه بإذن الله على سبيل نجاة. ومن ذلك العمل بالعلم. وهذه كلها جمل فيها تحقيق العمل بالعلم. وما ذكر عن عيسى عليه الصلاة والسلام ليس من نفس الأثر، وإنما مما يروى، وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، وما وافق منها الشرع قبل، وما خالفها رد. وأكثر جمله معناه صحيح، ديننا وشريعتنا تأمر به. قال المؤلف رحمه الله: ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه من أهوال ذلك اليوم الحق، واختلاف أحوال العباد فيه، والخلق فيما يرونه ويلقونه هناك في ذلك اليوم الهائل، من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائل الزلازل والبلابل الموعود في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر، وغيرها. ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمذنبي أهل التوحيد ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال: أنبأنا أبو حامد بن الشرقي، قال: حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «شفاعة لأهل الكبائر من أمته». وأخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن السيب الأرغياني، قال: حدثنا أنس بن عرفة، قال: حدثنا عبد السلام حرب الملاء، عن زياد بن خيثمة، عن النعمان بن قراد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة، لأنها أعم وأكفى». أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين. وأخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أخبرنا أبو عباس سراج، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمر بن أبي عمر، أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة، قال: أخبرنا جدي الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: حدثنا عباس بن هشام، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمر بن أبي عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: «يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟». فقال: «لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث». «إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قبل نفسه». ويؤمنون بالحوض والكوثر، وإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب، محاسبة فريق منهم حسابا يسيرا، وإدخالهم الجنة، بغنسون يمسهم وعذاب يلحقهم، وإدخال فريق من مذنبيهم النار، ثم اعتاقهم وإخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إليها، ولا يخلدون في النار. فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها، ولا يخرجون منها أبدا، ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحدا. ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم، وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله: «إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر». وتشبيه وقع للرؤية بالرؤية، لا المرء بالمرئي. والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب الانتصار بطرقها. ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبدا، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدا، وكذلك أهل النار الذين لهم أهلها خلقوا لا يخرجون منها أبدا. وأن المنادي ينادي يومئذ: «يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت»، على ما ورد الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال محمد بن علي بن حسن شقيق: سألنا عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله عن الإيمان في معنى الزيادة والنقصان، فقال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، عن أبيه، عن جده عمير بن حبيب، قال: «الإيمان يزيد وينقص». فقيل: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: «إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه، فتلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا، فذلك نقصانه». وقال رحمه الله: أخبرنا أبو الحسن وكيع بن إسحاق المزكي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو عمر الحيري، قال: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن إدريس المكي، وأحمد بن شداد الترمذي، قالوا: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا يحيى بن سليم، قال: سألت عشرة من الفقهاء عن الإيمان، فقالوا: «قول وعمل». سألت ابن شبرمة، فقال: «قول وعمل». وسألت ابن جريج، فقال: «قول وعمل». وسألت سفيان الثوري، فقال: «قول وعمل». وسألت المثنى بن الصباح، فقال: «قول وعمل». وسألت محمد بن عبد الله بن عثمان، فقال: «قول وعمل». وسألت محمد بن مسلم الطائفي، فقال: «قول وعمل». وسألت فضيل بن عياض، فقال: «قول وعمل». وسألت نافع بن عمر الجمحي، فقال: «قول وعمل». وسألت سفيان بن عيينة، فقال: «قول وعمل». وأخبرنا أبو عمر الحيري، قال: حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن إدريس، قال: سمعت الحميدي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: «الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص». فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: «يا أبا محمد، تقول: ينقص؟». فقال: «اسكت يا صبي، بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء». وقال الوليد المسلي: سمعت الأوزاعي ومالكا وسعيد بن عبد العزيز ينكرون على من يقول: «إقرار بلا عمل»، ويقولون: «لا إيمان إلا بعمل». قال: قلت: «فمن كانت طاعته وحسناته أكثر، فإنه أكمل إيمانا ممن كان قليل الطاعة كثير المعصية والغفلة والإضاعة، فإنه أنقص إيمانا». وقال رحمه الله: وسمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن بالويه الجلاب يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: قال لي عبد الله بن الطاهر: «يا أحمد، إنكم تغضبون هؤلاء القوم جهلا، وأنا أفغضهم عن معرفة». «إن أول أمرهم أنهم لا يرون للسلطان طاعة، والثاني: أنه ليس للإيمان عندهم قدر». «والله لا أستجيز أن أقول: إيماني كإيمان يحيى بن يحيى، ولا كإيمان أحمد بن حنبل». «وهم يقولون: إيماننا كإيمان جبريل وميكائيل». قال عليه رحمة الله: وسمعت الحاكم يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هاني يقول: سمعت أبا بكر محمد بن شعيب يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظري يقول: «قدم ابن المبارك الري، فقام إليه رجل من العباد، أظن به أنه يذهب مذهب الخوارج، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في من يزني ويسرق ويشرب الخمر؟». قال: «لا أخرجه من الإيمان». قال: «يا أبا عبد الرحمن، هل كبر السن صرت مرجئا؟». فقال: «لا تقبلوني مرجئة، المرجئة تقول: حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة، ولو علمت أني قبلت مني حسنة لشهدت أني في الجنة». ثم ذكر عن محمد بن كدادة، عن سلمة بن الكهين، عن هزيل بن شراحيل، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض، لا رجح». وقال عليه رحمة الله: سميت أبا بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني يقول: سميت أحمد بن مصور القاضي يقول: سميت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سميت الحسين بن حرب أخا أحمد بن حرب الزاهد يقول: «أشهد أن دين أحمد بن حرب الذي يدين الله به: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص». هذه مجموعة من الآثار والأحاديث في مجموعة من المسائل الغيبية، ثم أتبعها فيما يتعلق بالإيمان. فأما الأمور الغيبية، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بما جاء ثبوته في الكتاب وفي السنة، على ما صحت به الأخبار ورويت فيه الآثار. وإنما الآثار تفسر الأخبار، والأخبار تفسر ما في كتاب الله عز وجل من الآيات والسور والمباحث التي ذكرت. من البعث بعد الموت يوم القيامة، وقد تقدم معنا أن القيامة تبدأ من بعد الموت، فتطلق ويراد بها الساعة وما بعدها، وتطلق ويراد بها ما يدخل فيه الإنسان من الحياة البرزخية بعد موته، فإنه يدخل في عالم الغيب. وكل ما يتعلق بيوم القيامة، لأنه ينتقل إلى الحياة البرزخية التي هي بين حياة الدنيا والحياة الآخرة. ومن هذه الحياة البرزخية ما يكون بعدها من البعث والنشور، إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وكل ذلك جملة وتفصيلا يؤمن به أهل السنة والجماعة على ما جاءت به أدلة الكتاب والسنة. وأشار الشيخ رحمه الله تعالى أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما جاء الخبر به في الكتاب، ومن ذلك ما يتعلق بذلك اليوم وما فيه من أهوال، من أخذ الكتب بالأيمان أو الشمائل، أو ما يكون كذلك من مرور الناس بعد الزلازل والبلابل، ثم يمرون على الصراط، وما يكون عليه أحوال المارين على هذا الصراط، كما صحت به الأحاديث والأخبار والآثار. فالناس يمرون في الصراط كما جاءت به الأحاديث الصحيحة، على حسب مشيهم إلى ربهم في أعمالهم في الدنيا. فمنهم من يمر كالريح والبرق، ومنهم يجري جريا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، يختلفون باختلاف أحوالهم، كذلك باختلاف أعمالهم. فمخدوش ومكردس وناج، كل ذلك بحسب أعمال الناس. والآيات في هذا كثيرة في كتاب الله عز وجل، كقوله سبحانه: ﴿القارعة ما القارعة ما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هي نار حامية﴾. وهذا قليل من كثير من أهوال يوم القيامة، بقوله سبحانه: ﴿إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة الرافعة إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة﴾. فأحوال الناس يوم القيامة على أحوالهم في الدنيا، بحسب أعمالهم وصدقهم مع ربهم وخالقهم. وهكذا كذلك ما يكون بعد الموت من أحوال الناس في أخذ الكتاب، وعند الميزان، ومرورا بالصراط، وما يكون عليه حال الناس من أهل اليمين والشمال، وأهل الجنة والنار، كل ذلك يؤمن به أهل السنة على ما صحت به الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم، والآثار عن الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، مفسرة وموضحة ومبينة لما جاء في الكتاب والسنة. ومن ذلك يؤمن أهل السنة والجماعة بالشفاعة، سواء الشفاعة الكبرى والعظمى لنبينا صلى الله عليه وسلم، وهي ثلاث شفاعات: شفاعته لأهل الكبائر، اختص بها عليه الصلاة والسلام، فيعتذر جميع الأنبياء الرسل، كما صحت بذلك الأحاديث، حتى ترجع إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، فيشفع لأهل الموقف حتى يفرج عنهم ما هم فيه. والثانية: شفاعته عليه الصلاة والسلام لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهذا مما اختص به عليه الصلاة والسلام كذلك، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والشفاعة الثالثة: في التخفيف عن عمه أبي طالب، كما قال: «لو لأجلها لكان في الدرك الأسفل من النار»، وأنه يلبس بنعلي يغلي منهما ودماغه، وإنه الأهون أهل النار عذابا في ذلك اليوم. فهذه الشفاعات الثلاث خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهناك شفاعات للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء والصالحين، كالشفاعة لمن يستحق النار أن لا يدخلها، ومن دخلها أن يخرج منها، كما جاء في الحديث: «شفاعة الملائكة والنبيون والمؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين». جاء في الحديث حديث أبي سعيد في الصحيح: «فيقبض الله قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط». ومعنى «لم يعملوا خيرا قط» ليس أنهم كفار، ولكن معناه شيء زائد عن أصل الإيمان، هذا هو الصحيح، سواء أكان اعتقادا أو عملا، ولكن عندهم من الذنوب والمعاصي الكثيرة ما كان سببا في دخولهم النار، فدخلوا النار بعدله، فلما طهروا ولم يكتمل تطهيرهم، شملتهم رحمة رب العالمين، فخرجوا أو أخرجوا برحمة رب العالمين، قبل اكتمال فترة تطهيرهم. وهذا من رحمته سبحانه وتعالى ألا يبقي من استحق العذاب من أهل الإيمان طول فترة عذابه، ولو أوخذ الناس بذنوبهم لكان لهم أطول من ذلك، ولكن شملتهم رحمة رب العالمين. وهؤلاء وهؤلاء الذين لم يجدوا لهم من يشفع لهم، ومعناه أسوأ أهل النار من لم يوجد لهم من يشفع لهم، ومع ذلك تشملهم رحمة رب العالمين سبحانه وتعالى، القائل: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾. وهكذا كذلك بين رحمه الله السبب الأعظم للشفاعة، وهو التوحيد، فإن من أعظم أسباب الفوز بالشفاعة التوحيد، لحديث أبي هريرة في الصحيح: «إن سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث». «إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قبل نفسه». فمن أرجى ما تكون به السعادة بالشفاعة التوحيد الخالص لله عز وجل. ثم ذكر الحوض، وأحاديث الحوض كثيرة، وأشار إلى بعضها، وما فيها من آثار، وأصله في كتاب الله في قول الله عز وجل: ﴿إن أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر﴾. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهر أعطاه الله عز وجل إياه، وأن أمته ترد عليه، آنيته عدد الكواكب، إلى آخر الحديث، جاء أصله في صحيح مسلم، وعند الإمام أحمد من حديث أنس وغيره. وجاء في وصف الحوض أحاديث كثيرة، سبقت معنا في دروس سابقة، منها ما جاء في حديث عبد الله بن عمر، وأبي ذر، وأنَس، وجماعة من الصحابة. ومن صفات هذا الحوض أن آنيته كعدد نجوم السماء كثرة، وماء أحلى من العسل، وأصفى من اللبن، من شرب منه لم يظمأ معدته أبدا، وأنه يطرد عنه كل من حاد عن الدين القويم والصراط المستقيم، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن أقواما يطردون، صنف يعرفهم بأشخاصهم، وصنف يعرفهم بأوصافهم، من أمته بعلامات الوضوء». فيقول: «كما في رواية: أصحابي، وفي رواية: أمة أمتي». فتقول له الملائكة: «إنك لا تدري ما أحدث بعدك وغيروا». فيقول عليه الصلاة والسلام: «سحقا سحقا لمن غير وبدل». وفيه خطر مخالفة طريق النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، وأنه من أسباب حرمان الورود على الحوض. وهكذا كذلك من الأمور الغيبية ما أخبر به من أحوال الناس في ذلك اليوم، وما يكون من اعتاق الناس بحسب ما يكون من صالح أعمالهم. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بأن صاحب الكبيرة إن عذب عذب بعدل الله، وإن غفر له فبرحمة الله، وأنه لا يخلد في النار. ودليل الأدل الكثيرة على ذلك. وهكذا من الأمور الغيبية ما أشار إليه من الإيمان بالرؤية، وقد تقدم معنا بعض أدلته، فإن كل هذه الأدلة تدل على هذا الأمر العظيم من أهوال ذلك اليوم العظيم. ثم ذكر الإيمان وأنه قول وعمل يزيد وينقص، وذكر آثارا كثيرة في أن الإيمان قول وعمل. فالإيمان بأدلة الكتاب والسنة قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. فهذا الإيمان قول وعمل، وعبر بقول لعمل، وعمل لأنه تعبير أكثر العلماء. ولا إمة نقل الإمام البخاري رحمه الله أنه سمع عن أكثر من ألف شيخ، كانوا يقولون: «أن الإيمان قول وعمل». فالإيمان قول وعمل اللسان، وقول وعمل القلب والجوارح. وهكذا كذلك يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، دلت على ذلك أدلة الكتاب والسنة، كما قال سبحانه: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾. فالإيمان يزيد بتلاوة القرآن وذكر الله. قال: ﴿الذين آمنوا تطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. وهكذا كذلك الإيمان ينقص بقلة العمل الصالح، وينقص بفعل المعاصي. «لا يزن الزان حين يزن وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة حين ينتهب وهو مؤمن». فمن فعل هذه الكبائر نقص إيمانه، بل ربما لم يبق معه إلا الإسلام. ولهذا نفي عنه الإيمان في الحديث، أي نفي كمال الإيمان، أما أصل الإيمان الذي به يخرج من الكفر فهو موجود، لكنه هو الإسلام. وهكذا كذلك ذكر بعد ذلك الآثار عن بعض الأئمة في توضيح هذا الإيمان وزيادته ونقصانه، ومناقشة المخالفين من ذلك من الخوارج والمرجئة. فالخوارج الذين هم جزء من الوعيدية، وهذا وجه الخطأ، يرون أن الإيمان شيء واحد، إذا زال بعضه زال كله، وهذا خطأ. بل الإيمان بضع وسبعون وبضع وستون شعبة، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «الإيمان بضع وستون شعبة، وفي رواية لمسلم: بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان». فإذن الإيمان يزيد بهذه الشعب وينقص بنقصانها، فلا يذهب بالكلية إذا ذهب بعض أجزائها، كما أنه لا يبقى كاملا إذا ذهب بعض أجزائه. والخطأ وقع عند الوعيدية والمرجئة، أنهم اعتقدوا أن الإيمان شيء واحد. فزعم الوعيدية أنه إذا ذهب بعضه ذهب كله، ولذلك كفروا فاعل الكبيرة، نزعوا اسم الإيمان عن فاعل الكبيرة. فقال الخوارج: «كافر». وقال المعتزلة: «في منزل بين منزلتين». والمرجئة قابلوا هذا الخطأ بخطأ مثله، فقالوا: «لا يضر مع الإيمان معصية». فجعلوا أن إيمان أعصى العصاة كإيمان الملائكة والأنبياء، ويريدون بذلك أصل الإيمان الذي يخرجهم من الكفر، وهذا خطأ. بل الذي يخرجهم من الكفر هو الإسلام، وليس الإيمان. فالإيمان يتفاوت، ولهذا ذكر الآثار عن الأئمة: أن أحدهم ما يتجاسر أن يقول: «أن إيمان فلان كإيمان أبي بكر وعمر، فكيف بإيمان الملائكة؟». ومعنى أنه من الظلم العظيم أن يجعل إيمان العصاة كإيمان الملائكة والأنبياء. بل الصحيح أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا هو قول أهل السنة الوسط بين الوعيدية والمرجئة. المرجئة الذين يقولون: «لا ي