الدرس في شرح كتاب التوحيد 234، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المؤلف بمناقشة مسألة إضافة المشيئة لله ولغيره، ويشرح حكم قول 'ما شاء الله وشئت'. يبين أن الأفضل هو إضافة المشيئة لله وحده.
يتطرق المؤلف إلى حكم إضافة المشيئة إلى غير الله أو إلى صفاته، موضحًا أن إضافة المشيئة إلى مخلوق مع الله باستخدام حرف 'ثم' جائز.
يتناول المؤلف تحليل قول 'ما شاء الله وشئت'، مبينًا أن الحكم يتوقف على النية وراء العبارة، وقد يكون شركًا أكبر أو أصغر حسب الاعتقاد.
يشرح المؤلف أربع صور لمسألة المشيئة وإضافتها لله ولغيره، ويصنفها إلى صور جائزة وشركية، مقدمًا بذلك لشرح مفصل لاحق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول ما شاء الله وشئت، هذا تبويب جديد لكتاب التوحيد، والذي ترجم عليه المؤلف رحمه الله تعالى بهذه العبارة: باب قول ما شاء الله وشئت، أي ما حكمه؟ وهذا التبويب، إخواني في الله، من الأبواب التي تتبع ما قبلها، فالمؤلف رحمه الله تعالى أخذ يسترسل معنا في ذكر العبارات والألفاظ التي تخدش في توحيد المرء من خلال ألفاظه، وها هنا رحمه الله تعالى يشير إلى هذه اللفظة والتي يتفوه بها فئام من الناس، فأراد رحمه الله تعالى أن يبين تحت هذا الباب الأدلة الدالة على حكم هذه العبارة. ومن باب التمهيد والتقريب لمسألة الباب، ينبغي أن نعلم إخواني في الله أن مسألة المشيئة وما يكون من إضافتها تتلخص لنا في أربعة أحوال وهي أربعة أحكام، تنتاب مسألة المشيئة عند الإضافة. الصورة الأولى والحكم الأول: أنك يا عبد الله إذا قلت ما شاء الله أنك تكتفي بالله، فتقول ما شاء الله وحده، ولا تضيف معه غيره، هذه المنزلة هي الأكمل والأفضل والأحسن، وقد جاءت عليها الأدلة، كما سيأتي معنا من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، والذي فيه: «ولكن قل ما شاء الله وحده»، وسيأتي معنا من حديث أبي الطفيل: «ولكن قولوا ما شاء الله وحده». ومر معنا في تذكرون أثر ابن عباس في باب تفسير قول الله ﴿فلا تجعل لله أندادا﴾، قال: أن لا تذكر فلانا، أي في مسألة المشيئة لا تذكر فلانا، وإنما قل ما شاء الله وحده، وهذا هو الحق، وهذا هو الواقع، فالله جل وعلا هو الذي يفعل ما يريد، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولو شاء الله لن تصر منهم، فما هناك إلا مشيئة الله، فما ثم إلا مشيئته سبحانه وتعالى. فقول القائل ما شاء الله وحده هو الأكمل والأفضل، ويتفرع عن ذلك مسألة، وهي أن من أضاف المشيئة إلى غير الله فقد وقع في خطأ فادح وأمر منكر، مثل ما نسمعه من بعض الناس أن يقول: شاءة الأقدار، أو يقول: شاءة الظروف، هذا كثير، تجد من بعض الناس من يريد أن يعبر إما في كتاباته أو يعبر في خطاباته، يقول لأخيه: شاءة الظروف، وما هي الظروف؟ الظروف جمع ظرف، والظرف هو الزمن، وهل للزمن مشيئة حتى يشاؤها شاءة الظروف؟ أو يقول من يقول: شاءة الأقدار، وهذا كثير ممن أسمعه في الأعلام شاءة الأقدار، وفي الأشعار شاءة الأقدار، وهل للقدر مشيئة؟ الجواب: لا. ولهذا ما يجوز أنك تضيف المشيئة إلى غير الله سبحانه وتعالى، فما تكون المشيئة إلا لله. طيب تأتي مسألة أخرى يعبر بها كذلك بعض الناس أن يقول: شاءت عناية الله، شاءت إرادة الله، هل هذا ينفع؟ أجاب العلماء أن هذا أيضا لا ينفع ولا يجوز، لا ينفع ولا يجوز أنك تحيل المشيئة إلى صفة من صفات الله، كما سمعتم تقول: شاءت إرادة الله، أو شاءت عناية الله. قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: فإن هذا لا يجوز، وإن الشيء مشيئة إنما تصرف لله جل في علاه، تقول: شاء الله، وشاء ربنا سبحانه وتعالى. إذن هذه المرحلة الأولى من مراحل المشيئة أن تضاف المشيئة لله وحده، هذا هو الأفضل، هذا هو الأكمل، هذا هو الأحسن. الصورة الثانية وهي الصورة الجائزة: أنك تضيف المشيئة إلى الله سبحانه وتعالى، وأيضا تضيفها إلى مخلوق، لكن بثم، فتقول: ما شاء الله ثم شاء فلان، أو ما شاء الله ثم فلان، فكونك تأتي بهذه الصيغة، هذه الصيغة قال العلماء هي جائزة، وسيأتي معنا في حديث قتيلة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يقولوا: «قولوا ما شاء الله ثم شئت»، دل هذا على الجواز، إن كان ولابد أن تذكر أحدا من المخلوقين في مسألة المشيئة لبيان مرتبة، لبيان منزلتي، فلا بأس في هذا، لكن باستخدام الحرف ثم. وأشرنا ما هي الفائدة اللغوية المستفادة من هذا الحرف؟ أنها تفيد العطف مع التراخي والتعقيب، تفيد التراخي مع التعقيب، لأن ما معنى العبارة ما شاء الله وشئت؟ ما معنى هذه العبارة؟ وهذه الجملة فيها محذوف تقديره: ما شاء الله كان، وما شئت سيكون، فالله عز وجل إذا شاء أمرا فإنه يقع، وللعبد مشيئة، صحيح الله أعطى للعباد مشيئة، لكن مشيئة العباد تبع لمشيئة الله، وما تشاءون إلا أن يشاء الله. فلما كانت مشيئة العباد تبع لمشيئة الله، كان ينبغي أن يظهر هذا في الألفاظ باستخدام ثم، تقول: ما شاء الله ثم شاء فلان، أو ما شاء الله ثم شئت، فلا شيء في ذلك. الحكم الثالث: أن يكون هذه العبارة من عداد الشرك الأكبر، الشرك الأكبر، وذلكم إذا ساويت الله بغيره في المشيئة، مشيئة مساواة لفظية وعقدية، مساواة لفظية وعقدية، لفظية بأن تأتي بحرف العطف، تقول: ما شاء الله وشئت، أو ما شاء الله وشاء فلان، هذه مساواة في الألفاظ، مساواة لفظية. ثم بعد ذلكم يكون الاعتقاد ما شاء الله وشاء فلان، وأنت تعتقد أن لفلان مشيئة مستقلة، مشيئة مستقلة بإمكانه وبقدرته أن يفعل ما يشاء، لا يتقيد بقيد، ولا ينطوي تحت نظام، لا نظام إلهي ولا بشري، كما قال ذلكم القائل المتزلف لبعض حكام زمنه: شئت لا ما شاءت الأقدار، شئت لا ما شاءت الأقدار، فهذه من الألفاظ الشركية، لأن صاحبها يرى أن هذا الشخص وهذا فلان عندهم من المشيئة الماضية النافذة التي لا يحجزها شيء، ومن هذا؟ هذا ليس إلا لله الذي مشيئته نافذة على خلقه جميعا. فمن استخدم لفظ ما شاء الله وشاء فلان، أو شئت، ويعتقد مع هذه المساواة اللفظية المساواة العقدية، فهذا من الشرك الأكبر. ثم الصورة الرابعة، وهو الشرك الأصغر، أن تقول: ما شاء الله وشئت، أو ما شاء الله وشاء فلان، وأنت لا تريد الاعتقاد، وإنما تريد المساواة في الألفاظ، فهذا من الشرك الأصغر، وهذا منهي عنه، وهو حرام، ولهذا بوّب المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب لأجل هذه المسألة بعينها، فقال: باب قول ما شاء الله وشئت. وستأتي معنى النصوص الواضح البين الجلية، فإن هذه اللفظة محرمة، ولو كانت من غير اعتقاد، ولو كانت من غير عقيدة، فقط كونك تساوي مشيئة الرب بمشيئة العباد، هذا من الإخلال بالأدب العظيم، والأدب الواجب في التوحيد، إذ أن من كمال الأدب الواجب مع الله أن لا تساوي مشيئة الله بمشيئة خلقه. فالحاصل إخواني في الله أن مسألة المشيئة وما يتعلق في إضافتها لله ولغيره تتلخص معنى على صور أربع: الصورة الكاملة الفاضلة أن تقول: ما شاء الله وحده، الصورة الثانية الجائزة أن تضيف مع الله غيره في المشيئة لكن بثم، ما شاء الله ثم شاء فلان جائزة، أو يكون من الشرك الأكبر أن تساوي مشيئة الله بمشيئة غيره لفظا واعتقادا، الصورة الرابعة أن يكون من الشرك الأصغر إن أردت المساواة في المشيئة لفظا لا اعتقادا، هذا فقط مقدمة لهذا الباب، وستأتي مسائله، وسيأتي معنى الأحاديث التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب، ونستخلص منها العبارة والفوائد والأحكام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.