الدرس في شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 43، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع حديث ابن عباس رضي الله عنهما الدال على جواز ركوب الحمار، وأن سترة الإمام تكفي المأمومين فلا يضر مرور الدواب أو الناس بينهم. كما يبين أقوال العلماء في السترة وأن إقرار النبي ﷺ لفعل الصحابي يُعد حجة شرعية معتبرة.
يروي المقطع كيف كانت عائشة رضي الله عنها تنام أمام النبي صلى الله عليه وسلم فيضطر لغمزها عند السجود لضيق المكان وعدم وجود مصابيح. ويستدل العلماء بهذا على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء وأن المراد باللمس في الآية هو الجماع، وعلى جواز الصلاة خلف النائم.
يناقش المقطع كراهة الصلاة خلف النائم والمحدث استناداً لحديث ابن عباس، مبيناً علة الكراهة في المحدث لانشغاله المصلي. ثم يفصل في حديث قطع الصلاة بالمرأة والكلب والحمار موضحاً أن المراد بالمرور لا مجرد الحضور، ويختم بمسألة السترة في المساجد المزدحمة.
يُبيّن المقطع أن المرور بين يدي المصلين جائز عند الضرورة كما في زحام المطاف، لكن الأصل هو الابتعاد عن المرور أمامهم قدر الإمكان. ويختتم الباب بالانتقال إلى الباب التالي في الكتاب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع أحاديث باب المرور بين يدي المصلي، وهو من أبواب كتاب الصلاة من عمدة الأحكام للإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى. وآخر ما تكلمنا عنه هو حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: «أقبلت راكباً على حمار أتان»، وهذا فيه دليل على جواز ومشروعية ركوب الحمار، سواء كان ذكراً أو أنثى، ركوب الحمار الذكر أو الأنثى الأتان، فهذا مما يجوز. قال: «وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الْإِحْتِلَامَ»، يعني: قارب سن الاحتلام، أي البلوغ. قال: «وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى»، هذا يدل على أنه كان في حجة الوداع، حجة الوداع، يصلي بالناس بمنى. قال: «إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ»، وهذا كما سبق معنا، استدل بها الجمهور من أهل العلم على صرف الأمر باتخاذ السترة من الوجوب إلى الاستحباب، من الوجوب إلى الاستحباب. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: «وقال: واستدل بهذا على أن السترة... واستدل بهذا على أن السترة غير واجبة في الصلاة، غير واجبة في الصلاة». وقال الشافعي: «إِلَى غَيْرِ سِتْرَةٍ، إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ»، أي: إلى غير سترة. قال: «وحمله غيره على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى عنزة، كان يصلي إلى عنزة». ما هي العنزة؟ يا أخانا أبا تميم، ما هي العنزة؟ نعم، ما هي العنزة؟ نعم، الحربة الصغيرة، حربة صغيرة كان ينصبها أمامه فيصلي إليها، فيصلي إليها. قال: «لأنه من عادته في أسفاره ذلك»، أي: يصطحب هذه العنزة فينصبها بين يديه إذا أراد أن يصلي. قال: «وهو ما قاله أحمد وغيره، ما قاله أحمد وغيره». قال: «فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ»، قيل: مرة أمام الصف الأول، أمام الصف الأول. وهذا فيه دليل على مسألة سبقت معنا في الدرس الماضي، ألا وهي: أن سترة الإمام سترة لمن؟ سترة للمأموم. الإمام إذا كان له سترة فهذه سترته سترة للمأموم، لا يضر المأمومين من يمر بين يديهم من الناس أو الدواب أو غير ذلك، أو غير ذلك. قال: «فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ»، أي: هو والأتان، هو والأتان. ثم قال: «فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ، فَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ»، يعني: تمشي وتأكل، إلى غير ذلك. قال: «وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ». قال: «فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ»، وهذا يسمى إقرار، وهذا يسمى إقرار. والسنة يا إخوان: سنة قولية، وسنة فعلية، وسنة كذلك أيضاً إقرارية، يقر النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة على أمر ما، على أمر ما، كإقراره للجارية حين أن سألها: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. أقرها على ذلك بقوله لمعاوية بن الحكم السلمي: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ، أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». قال رحمه الله تعالى: قال عن عائشة رضي الله عنها: «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلِي، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتَهَا». قال: «وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ، وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ». وهذا الحديث، حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فيه بيان حكم استقبال المصلي للمرأة، للمرأة. وتخبر أمنا عائشة رضي الله عنها فتقول: «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، أي: أمامه قريباً منه، أمامه قريباً منه. قالت: «وَرِجْلَايَ، رِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ». وقولها: «رِجْلَايَ»، نعم، اسم أو فعل أو حرف؟ اسم أو فعل أو حرف؟ نعم، «وَرِجْلَايَ» عندك يا أخانا عبد الرحمن، ما أنتم داري؟ طيب، أحسن. آه، عبد الرحمن، آه، أعيد السؤال. قالت: «وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ»، «رِجْلَايَ» اسم أو فعل أو حرف؟ اسم، أحسن. طيب، مفرد أو جمع أو مثنى؟ مثنى، ومفرده ماذا؟ رجل، أحسن. قالت: «فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي»، «فَإِذَا سَجَدَ» ما معنى سجد؟ يعني: أهوى إلى السجود. «غَمَزَنِي»، «غَمَزَنِي» ومعنى غمزني: يعني نخسني بيده، نخسني بيده، فيدق يده في رجليها، في رجليها. قالت: «فَقَبَضْتُ، فَقَبَضْتُ رِجْلِي»، أي أنها... أي أنها تقوم بـ ماذا؟ قبض رجليها لكي يسجد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموضع. وهذا إن دل على شيء دل على سعة البيت أم على ضيقه؟ دل على ضيقه، دل على ضيقه. قالت: «وَإِذَا قَامَ بَسَطْتَهَا، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتَهَا»، يعني: أنها تمدد رجليها. واستدل بهذا الحديث من يقول: أن مس المرأة الأجنبية لا ينقض الوضوء، لا ينقض الوضوء. فكان عليه الصلاة والسلام يمس رجل عائشة رضي الله عنها وهو يصلي، وهو يصلي. وهناك أحاديث كثيرة تدل على صحة هذا المذهب. وأما قوله سبحانه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فالمقصود به الجماع، وليس مجرد الممس بالبدن. قال: «وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ، لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ». ذكر الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى قائلاً: قال: «لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ»، أي: ليس فيها سرج، ليس فيها سرج. قال: «وجملة: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ استئنافية، والغرض منها الاعتذار». ما فائدة هذه الجملة؟ قال: الغرض منها الاعتذار عن كونها لا تقبض رجليها إلا إذا غمز النبي صلى الله عليه وسلم، إلا إذا غمز النبي صلى الله عليه وسلم. لأنه قد يقول قائل: لماذا لا ترفع قدميها من نفسها مباشرة؟ قالت: «وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ»، أي: ما ترى النبي صلى الله عليه وسلم ولا تشعر أنه سيسجد إلا إذا غمزها بيده عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث استدل به من استدل من أهل العلم على جواز الصلاة خلف النائم، رَجُل نائم أمامك وأنت تصلي خلفه، تصلي خلفه. وبهذا قال من قال من أهل العلم، قال من قال من أهل العلم. وذهب بعضهم إلى كراهة ذلك، كراهة ذلك. واستدل على كراهة هذا الفعل بما جاء عند أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُصَلُّوا خَلْفَ النِّيَامِ وَالْمُحَدِّثِينَ، لَا تُصَلُّوا خَلْفَ النِّيَامِ وَالْمُحَدِّثِينَ». «النِّيَامُ» جمع، يعني: إنسان نائم أمامك وأنت تصلي خلفه. «وَالْمُحَدِّثِينَ»: أي إنسان يتكلم وأنت تصلي، تصلي وراءه، تصلي وراءه. وعلل الإمام أحمد رحمه الله تعالى، علل الإمام أحمد رحمه الله تعالى كراهة الصلاة خلف المتحدث: أنه يشغل المصلي. تخيل أنت تصلي في إنسان يتكلم أمامك، أليس من المشغل؟ الجواب: بلى، مشغلك، يتحدث، تارة يرفع يده، وتارة قد يتفاعل مع الحديث، إلى غير ذلك. ولهذا كره أكثر أهل العلم الصلاة إلى الشخص المتحدث. هذا الحديث أعله بعضهم بالإرسال، بالإرسال، ولهذا ضعفه أبو داود والبيهقي والعقيل وغيرهم، وغيرهم. الشيخ الألباني رحمه الله تعالى ذهب إلى أن الحديث حسن، كما في صحيح الجامع وغيره من كتبه. ولهذا الأولى يا إخوان أن يبتعد الإنسان عن الصلاة خلف الإنسان المتحدث. أما بالنسبة للإنسان النائم، فعائشة كانت نائمة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، يصلي خلفها، يصلي خلفها. وكذلك أيضاً استشكل بعضهم فعله عليه الصلاة والسلام مع ما جاء في حديث أبي هريرة وغيره في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ وَالْحِمَارُ»، المرأة والكلب والحمار. فبماذا يجاب يا إخوان؟ كيف نوفق بين الحديثين، بين حديث أبي هريرة وبين حديث الباب، حديث عائشة واعتراضها أمامه؟ كيف نوفق؟ أحسنت. حديث أبي هريرة في المرور، إذا مرت المرأة بين يدي المصلي فهذا يقطع صلاته، وهكذا إذا مر الحمار، وهكذا إذا مر الكلب. وفي بعضها: الكلب الأسود. طيب، وأما مجرد كونها أمامه فهذا لا يؤثر على صلاته، لا يؤثر على صلاته. جاء في بعضها: «الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ»، المرأة الحائض. وتقييدها بالحائض يعني: البالغة، يعني البالغة. زيادة «الْحَائِضِ» هذه ضعفها جماعة من أهل العلم، ضعفها جماعة من أهل العلم. وأن الصحيح هو عدم التقييد بالحائض. والروايات التي جاء فيها «الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ» فأعلها جمع من أهل العلم كأحمد وأبي داود وغيرهما. قال الإمام أبو بكر بن العربي: «قال: أنه لا حجة لمن قيد بالحائض، قال: لأن الحديث ضعيف». ما هو المقصود بالمرأة الحائض؟ ما هو المقصود بالمرأة الحائض؟ نعم، البالغة. ليست المرأة التي فيها دورتها الشهرية، وإنما المقصود بها المرأة البالغة. وأخيراً: مسألة يسأل عنها الكثير، اتخاذ السترة أو عدم جواز المرور بين يدي المصلي في أماكن الزحام، كالمسجد الحرام والمسجد النبوي. ذهب كثير من أهل العلم إلى جواز ذلك بسبب الضرورة والزحام والضيق. والضرورات يا إخوان تقدر بقدرها. ومتى وجد شخص سبيلاً إلى أن لا يمر بين يدي المصلي فهذا هو الواجب. النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذه الأحاديث وهو في المدينة، وهو في المدينة، وفي مسجده النبوي. لكن إذا كان زحام كما يكون في المطاف، في صحني الحرم، وأناس تصلي أمام مقام إبراهيم وغيره، فإذا كانت ضرورة فلا بأس، وإلا فالواجب هو البعد عن المرور بين يدي المصلين. وبهذا نكون قد انتهينا من باب المرور بين يدي المصلي، ويأتي معنا بعده إن شاء الله عز وجل باب جامع. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.