التعليق على حلية طالب العلم 22

التعليق على حلية طالب العلم 22

الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 22، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أهمية التلقي المباشر عن العلماء وتوقير المعلم

يبيّن المحور أن أصل طلب العلم هو التلقي من أفواه العلماء لا مجرد الكتب، مستعرضاً معنى الأستاذ والمثافنة. ويسوق أمثلة من سلف الأمة ك موسى مع الخضر، والأوزاعي مع الثوري، ومسلم مع البخاري، لتأكيد وجوب احترام الطالب لمعلمه وتوقيره.

فضل الأخذ عن الشيوخ وخطر الاكتفاء بالكتب في بداية الطلب

يؤكد المحور على أهمية التلقي عن الشيوخ لاختصار الطريق وسرعة الإدراك وحفظ الأسانيد، مستدلاً بالحديث النبوي وأقوال العلماء. ويحذر من الاكتفاء بالكتب في أول الطلب مستشهداً بقولهم: "من كان شيخه كتابه كان خطأه أكثر من صوابه"، مع ذكر استثناء نادر كعلي بن رضوان المصري.

رد العلماء على ابن رضوان في دعواه أفضلية الكتب على المشايخ

يتناول المحور قصة الطبيب ابن رضوان الذي تعلم من الكتب دون شيخ وألف كتاباً يدعو فيه إلى أفضلية الأخذ من الكتب، فرد عليه علماء عصره كالحافظ الذهبي والصفدي وابن بطلان. بينوا أخطاء هذه الطريقة من تصحيف وغلط وقلة خبرة، مؤكدين أن القراءة على العلماء أجدى وأن العلم لا يؤخذ من صحفي ولا مصحفي.

الختام بالصلاة على النبي والشكر والدعاء

يختتم المتحدث المحاضرة بالصلاة على النبي محمد وآله، ويحمد الله تعالى، ويؤكد أن الله أعلم بالصواب. ثم يتوجه بالشكر للحضور والمشاهدين على متابعتهم وحسن إنصاتهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالأمر الثاني مما تضمنه الفصل الثاني: كيفية الطلب والتلقي. وكان الأمر الأول هو كيفية الطلب ومراتبه، والثاني: تلقي العلم عن الأشياخ. قال رحمه الله تعالى: "الأصل في الطلب أن يكون بطريق التلقين والتلقي على الأساتيذ، والمثافنة للأشياخ، والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف وبطون الكتب". الأول: أي الأخذ عن الأشياخ، قال: "والأول من باب أخذ النسيب عن النسيب الناطق، وهو المعلم". وأما الثاني: وهو أخذ الطالب عن الكتب، قال: "فهو جماد، قال: فلا له اتصال النسب". ونبه ها هنا إلى أهمية أن يأخذ الطالب العلم عن العلماء، وعن المدرسين والأساتذة والمعلمين. وقوله هنا: "الأصل في الطلب أن يكون بطريق التلقين والتلقي عن الأساتذ"، والأساتذ جمع أستاذ، وهي كما ذكروا أن أصلها فارسي لكنها عربت ودخلت في اللغة العربية، ومعناها: الماهر بالشيء، العظيم الماهر بالشيء، فقالوا له: أستاذ. فقد يكون أستاذًا في العلم الشرعي، وقد يكون أستاذًا في مهنة من المهن الأخرى، وهكذا. وقوله: "والمثافنة"، أي: المجالسة للأشياخ، أي: المجالسة للأشياخ، والمراد بها ها هنا: مجالسة العلماء لتلقي العلم عنهم، كما جاء ذلك في كتب اللغة كلسان العرب وغيرها. وها هنا يا إخوان أمر لا بد من ذكره، ألا وهو: احترام الطالب للمعلم، واحترام التلميذ للعالم، فهذا من الأمور المهمة جدًا. ولاحظوا كيف أن الله عز وجل لما ذكر لنا قصة موسى مع الخضر، انظروا إلى أدب موسى مع الخضر، إلى أدب موسى مع الخضر: "هل أتبعك" وهكذا، عبارات تدل على احترام، وتدل على تقدير من قبل موسى للخضر، لأنه رحل لكي يأخذ عنه علمًا. ذكروا قصة الإمامين: الأوزاعي والثوري. كان الأوزاعي شيخًا للثوري، فكانوا في السعي بين الصفا والمروة، الأوزاعي يركب على الناقة، والثوري يقود هذه الناقة، فاجتمع الناس عليهم، اجتمع الناس حولهم، فجعل الذي يقود الناقة وهو سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى، يجعل يدفعهم، يعني: يوسع الطريق، ويقول لهم: "دعونا نسلي الشيخ، دعونا نسلي الشيخ"، ويقصد بالشيخ: الأوزاعي، الإمام أبو عمر عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، إمام أهل الشام. وصفيان الثوري: أمير المؤمنين في الحديث، ومن أجل أهل عصره، لكن احتراما لشيخه ومعلمه. وكذلك ذكروا أن الإمام مسلم كان من تلاميذ البخاري، فكان مسلم في مجلس البخاري، وجعل البخاري يسرد ويسند الأحاديث، فأعجب مسلم بذلك، فقام من المجلس وقبل رأس البخاري، وقال له كلمة معناها: "جزاك الله خيرًا يا أستاذ الأستاذين، يا أستاذ الأستاذين". ومن هذا القبيل أيضًا ما حصل بين الإمام البخاري وبين شيخه الإمام محمد بن يحيى الذهلي، رحم الله الجميع، حصل بينهم شيء، فجعل محمد بن يحيى الذهلي يتكلم في البخاري، ويحذر منه ومن مجالسه. وفي يوم من الأيام كان الإمام مسلم في مجلس محمد بن يحيى الذهلي، فسمع الذهلي يتكلم في البخاري، والبخاري شيخ مسلم، فماذا فعل مسلم؟ قام وخرج من المجلس احترامًا للبخاري، وحفظًا لكرامة البخاري، ولهذا كان الإمام مسلم رحمه الله تعالى وفيًا مع شيخه البخاري. وهكذا يا إخوان نماذج كثيرة تدل على احترام المعلمين والمدرسين، وإنزالهم المنزلة التي تليق بهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه»، ليس منا. قال رحمه الله تعالى: وذكر العلامة العثيمين رحمه الله تعالى أن في أخذ العلم عن العلماء والأشياخ والمعلمين فوائد، منها: اختصار الطريق. قلنا: قد تبقى تقرأ وتطالع وتبحث ساعات، وقد تخرج بغير نتيجة، وقد تخرج بفهم سقيم، وفائدة مغلوطة، لكن المعلم يقدمها لك على طبق من ذهب، اختصرها التي ألقاها عليك في دقيقة، لربما استغرقت عليه ساعة أو ساعات. وهكذا أيضًا: سرعة الإدراك، لأن الإنسان إذا كان يقرأ على عالم، فإنه يدرك بسرعة أكثر، أكثر ممن ذهب يقرأ من الكتب مباشرة، من الكتب مباشرة، ولربما قرأ خطأً، قرأ خطأً، ولربما فهم خطأً، قد يقرأ قراءة صحيحة لكن بقي الفهم، فالأخذ عن المعلمين هذا يعتبر من الأمور المفيدة جدًا. وذكر الفائدة الثالثة: وهي الرابطة بين طالبي العلم ومعلمه، أسانيد يا إخوان، يأخذ الخلف عن السلف، يأخذ الخلف عن السلف إلى يومنا هذا، وإلى أن تقوم الساعة، وإلى أن تقوم الساعة. وأما الاعتماد على الكتب قبل أن يحصل الطالب... بدايات العلوم، وبعد ذلك التدرج في الفنون، قبل أن تكون عنده من العلم ما عنده، هذا يا إخوان لربما يضر أكثر مما ينفع، ولهذا يقولون: "من كان شيخه كتابه كان خطأه أكثر من صوابه". إلا في الغالب، وإلا قد وجد من العلماء من كان أكثر استفادته من الكتب، كالعلامة، كالعلامة الألباني رحمه الله تعالى، مع دراسته أيضًا على بعض علماء عصره. قال رحمه الله تعالى: "وقد قيل: من دخل في العلم وحده خرج وحده"، أي: من دخل في طلب العلم بلا شيخ، خرج منه بلا علم، إذ العلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع، فلا بد إذن لتعلمها من معلمها الحاذق. وقلنا: ما معنى الحاذق؟ آه، ما معنى الحاذق؟ مرة معنا في كلام المؤلف رحمه الله تعالى بالأمس: ما معنى الحاذق؟ المتقن، الماهر، المتقن للشيء، لحرفته ومهنته. قال: "وهذا يكاد يكون محل إجماع، كل محل إجماع كلمة من أهل العلم، إلا من شد..." الإجماع على ماذا؟ على أن من أخذ العلم عن شيخ، عن معلم، عن عالم، كان أنفع له وأسهل لتحصيل العلم، من كونه يأخذه من الكتب مباشرة أو غير ذلك. قال: "إلا من شد، مثل من قال: مثل علي بن رضوان المصري الطبيب". ميم: إيش معنى ميم؟ أي: المتوفى. ميم سنة أربعمائة وثلاث وخمسين من الهجرة. وعلي بن رضوان هذا هو: أبو الحسن المصري، أبو الحسن المصري، كان طبيبًا عالمًا من علماء الفلك، وهكذا من علماء الفلسفة، وكان من كبار العلماء في عصره. نشأوا قالوا: في بيئة فقيرة، فكان أبوه يعمل فرّانًا، فاضطر إلى أن يعمل وهو صغير لكي يوفر نفقات تعليمه، وما يحتاج له من كتب تعينه على الدراسة، وكان صاحب تصانيف، أي: صاحب كتب. لكن ما هي المشكلة التي وقع فيها؟ كانت له آراء شخصية اشتهر بها، يخالف فيها العلماء الآخرين، وسبب له ذلك كثير من المناقشات الحادة مع أهل العلم. لماذا قالوا؟ لأنه تعلم الطب وهكذا غيره بنفسه، ولم يتعلم على معلم، لم يتعلم على يد معلم، فعنده أخطاء، هذه أدت إلى مناقشات حادة بينه وبين العلماء. قال: "وقد رد عليه علماء عصره ومن بعدهم". قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمته له، أي: كما في سير أعلام النبلاء: "ولم يكن له شيخ". لاحظ: "ولم يكن له شيخ، بل اشتغل بالأخذ عن الكتب، وصنف كتابًا في تحصيل الصناعة من الكتب، وأنها أوفق من المعلمين". قال الذهبي: "وهذا غلط". لم يكتفِ بنفسه أنه أخذ العلم من الكتب وليس عن المعلمين والأشياخ، وإنما ألف كتابًا يبين فيه أن الأخذ من الكتب أحسن من... أحسن من التلقي على أيدي العلماء والمشائخ. قال الذهبي: "وهذا غلط". قال: "وقد بسط الصفدي في الوافي الرد عليه، وعنه الزبيدي في شرح الإحياء"، أي: عن الصفدي. قال: "عن عدد من العلماء، معللين له بعدة علل، منها ما قاله عندكم..." ابن بطلان، في أحد... عنده ابن رضوان، ما في ابن رضوان، أظن في طبعة المؤسسة... يا بلعباس، رضوان أو بطلان؟ بطلان. من عنده طبعة المؤسسة، مؤسسة الشيخ ابن عثيمين، كأن فيها ابن رضوان، كأن فيها ابن رضوان، ويراجع. طيب، قال: "منها ما قاله ابن بطلان في الرد عليه: السادسة: يوجد في الكتاب أشياء تصد عن العلم". يوجد في الكتاب هذا أشياء، أي: كتاب ابن رضوان، تصد عن العلم، قال: "وهي معدومة عند المعلم". قال: "وهي التصحيف العارض من اشتباه الحروف مع عدم اللفظ، والغلط، والغلط بزوغان البصر، وقلة الخبرة بالإعراب، أو فساد الموجود منه، وإصلاح الكتاب، وكتابة ما لا يقرأ، وكتابة ما لا يقرأ". طيب، نكمل هذا. قال: "ومذهب صاحبي الكتاب، وسقم النسخ، ورداء النقل"، هذه كلها أخطاء في طريقة ابن رضوان، وهكذا أيضًا أخطاء في كتابه الذي دعا فيه إلى الأخذ عن الكتب، وأنه أفضل من... من الأخذ عن المعلمين وعن الأشياخ. قال: "ورداء النقل، وإدماج القارئ مواضع المقاطع، وخلق مبادئ التعليم، وذكر ألفاظ مصطلح عليها في تلك الصناعة، وألفاظ يونانية لم يخرجها الناقل من اللغة، كالنورس". قال: "فهذه كلها معوقة عن العلم، وقد استراح المتعلم من تكلفها عند قراءته على المعلم، الذي يتعلم على يد معلم، استراح من هذه الأخطاء، وسلم منها، وسلم منها". قال: "وإذا كان الأمر على هذه الصورة، فالقراءة على العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان لنفسه، وهو ما أردنا بيانه، وهو ما أردنا بيانه". قال الصفدي: "ولهذا قال العلماء: لا تأخذ العلم من صحفي، ولا من مصحفي". يعني: لا تقرأ القرآن على من قرأ من المصحف. بعض الناس يحفظ وحده، تعال احضر، جلس في حلقة تعلم، قال: "لا لا لا، أنا أحب أقرأ لوحدي"، ورمضان قادم، يسأل الله أن يبلغنا إياه، تجد الكثير من الناس يحملون المصاحف ويقرؤون، ولو جلس إلى جنب أحدهم تجد أنه يخطئ أخطاء فاحشة، فادحة، بينما لو جلس في حلقة أو قرأ على معلم، لا، استفاد، لا، استفاد. قال: "ولا الحديث وغيره على من أخذ ذلك من الصحف". انتهى كلامه. نكمل ما تبقى من هذا الفصل في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرًا لكم، شكرًا للمشاهدة.