التحذير من الغرور 1

التحذير من الغرور 1

الدرس في التحذير من الغرور 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الظواهر بعد رمضان وتأثيرها

بعد رمضان، يلاحظ استمرار بعض الناس على الطاعات بينما ينقطع آخرون، وقد يقعون في محبطات الأعمال. هذه الظواهر تبرز أهمية الاستمرار على الطاعة بعد رمضان.

خطورة الغرور والاغترار بالله

الغرور والاغترار بالله صفة خطيرة تحذر منها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، حيث يمكن أن تؤدي إلى استعلاء الإنسان على غيره وإفساد أعماله الصالحة. هذه الصفة قد تكون خفية ولا يشعر بها الإنسان.

علاقة الغرور بالأخلاق وتأثيره

الغرور يؤثر على الأخلاق والآداب، وهي من أعظم أبواب الدين، وقد يؤدي إلى إفساد الأعمال الصالحة. الرسول عليه الصلاة والسلام بين أن سوء الخلق يمكن أن يفسد العمل كما يفسد الخل العسل.

ختام الدرس وتأكيد على المتابعة

يختتم المتحدث الدرس ويدعو الله أن ينفعهم بما قيل، ويعلن عن استكمال الحديث في درس العصر مع التركيز على متابعة ظاهرة الغرور في المجالس القادمة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، استئنافًا إخواني في الله للدروس المقامة في هذا الجامع المبارك، والذي نحب أن نتذاكر فيه ما ينفعنا في ديننا ودنيانا وأولانا وأخرانا. وإن كان من حديثٍ إخواني في الله نستفتح به هذه الدروس، وفي هذا الوقت من الأوقات، فهو أولًا أن نحمد الله، أن نحمد الله جل في علاه، ما من به علينا من إكمال صيام شهر رمضان، يسر لنا الصيام والقيام، وأعاننا فيه على أحسن الأعمال والأقوال، فلله الحمد حمدًا من بعد حمد. فوالله لولا الله ما صدقنا ولا صلينا ولا صمنا ولا قمنا، فالفضل أولًا وآخرًا يعود إليه، هو الذي أخذ بنواصينا لهذا الخير، فلله الحمد حمدًا من بعد حمد. إلا أننا إخواني في الله، من بعد رمضان ظهرت عند الناس بعض الظواهر، منها ما هي ظواهر إيجابية يحمد عليها العباد، كظاهرة الاستمرار على الطاعة والعبادة، فمنا ولله الحمد من لا يزال حريصًا على أداء الصلاة في جماعة في بيوت الله، وذاك لا يزال مع قرآنه، وذاك مع ذكره وأوراده، وذاك مع قيامه ووتره، وهذا لا زال مع صيامه كمن يصوم أيام شوال، وهذا من عظيم إنعام الله على العباد. أحب العباد إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل، هذا من أحب الأعمال، وهذا من أحسن الظواهر التي يحبها الله جل وعلا من شاء من عباده. أضف إلى ذلكم ويقابل ذلك بعض الظواهر السلبية التي ظهرت كذلكم في بعض الناس من هذه الأمة. من هذه الظواهر السلبية بعد رمضان ما كان من الانقطاع عن الطاعة والعبادة، منهم من هجر المساجد، هجر المساجد بالأمس لربما كان يحرص بين الفينة والأخرى أن يكون في بيوت الله لأداء فريضة من فرائض الله، أما الآن فقد ودع المساجد، لربما ما يأتيه إلا في الجمع. ومن من هجر القرآن فأغلق عليه الغلاف وجعله في الرفوف وتركه إلى أن يأتي بعد عام في شهر رمضان فله له عودة ومراجعة في بعد عام، وهكذا قس في باقي النوافل وبأعمال البر والإحسان. وهذه من أسوأ الظواهر السلبية. كذلكم من الظواهر السلبية التي تحصل لبعض الناس بعد رمضان من ينغمس ويبتلى بشيء من محبطات الأعمال، جنى الكثير من الحسنات من شهر رمضان، لكنه يبتلى إما بمظاهر الشرك في ربوبية الله أو في ألوهيته، أو ما يكون من الشحناء والبغضاء، أو ما يكون من الاعتداء على حقوق العباد، فتذهب عليه حسناته سدى. وقد أشرنا في دروس خلت إلى خطورة هذا الباب، وأن الإنسان يحرص قدر الإمكان أن لا تذهب عليه حسناته، فهذه من الظواهر السلبية أيضًا. من الظواهر السلبية التي تحصل لبعض الناس ما يكون من ظاهرة الاغترار على الله، الاغترار على الله ربما من من صام وقام وقرأ القرآن، فما إن خرج رمضان إلا وأخذًا يستعلي على غيره، يكفيني أني صمت وأني قمت وأني فعلت وفعل، فلا يزال يمن على خلق الله، بل يمن على الله بأنه فعل وفعل، وهذه الظاهرة هي التي أقف إخواني في الله معكم في هذه الدروس، وما سيأتي من مجالس حول التحذير من صفة الغرور والاغترار على الله، لأنها من المسالك الخطيرة التي لربما يبتل بها، لأقول من كان فاسدًا فاسقًا، بل من كان صالحًا، من كان من أهل الطاعة والعبادة يبتل بهذه الخصلة، شعر بهذا أم لا يشعر. وحديث إخواني في الله لن يختص بمسألة الاغترار على الله فقط، بل سأتحدث عن صفة الغرور بشكل عام لصفة الغرور، لأن من الغرور ما يكون من الاغترار على الله، ومن الغرور ما يكون من الاغترار على عباد الله، وهما يتعلق بمسألة الترفع والإباء والاستكبار. وحديث إخواني في الله عن صفة الغرور لأهمية وخطورة هذا الخلق الفاسد الكاسد لعدة أمور، منها أن الشرع الحكيم قد حذر وحرم وجرم علينا هذا الخلق. روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «لا تغتروا، لا تغتروا، لا تكن يا عبد الله من أهل الغرور والإغترار». وقبل ذلكم الآيات التي حذرت من اتصاف بهذه الصفة «ولا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور»، حذر ربنا جل وعلا في كتابه ونبينا في سنته من اتصاف بهذه الصفة، صفة الغرور. أضف إلى ذلكم يا عبد الله أن صفة الغرور ليست من صفة أهل الإيمان ومن آتاه الله تقوى القلوب، بل بالحقيقة إن صفة الغرور هي من صفات أهل النفاق والشقاق ومن صفات الكفار الفجار، كما قال ربنا جل وعلا ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، وقال ربنا جل في علاه ﴿كَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾. ما عم تجد أن هذه الصفة كانت مستعصلة متلازمة تصاحب أهل الكفر وأهل النفاق والشقاق، فمن أين يا عبد الله يأتيك هذا الداخل فتغتر على الله أو تغتر على خلق الله، فهذا لا يليق بالمسلم ولا بمسلمة. أضف إلى ذلك من خطورة هذا الوصف، وصف الغرور، ومن خطورته أنه من الصفة التي ربما تنسل إلى بعض الأشخاص ولا يشعر به، فهي صفات مدسوسة يبتل بها الإنسان ولا يرى أنه مغرور. ولهذا ما تجد أحد ما تجد أحد أبدًا يبتل بصفة الغرور ويقول لك نعم أنا مغرور، أنا مغرور، ما تجتمع على إنسان أحد من خلق الله يقول أنا مغرور، لا هو يذمها لأنه لو اعترف أنهم مغرور لما رضي بهذه الصفة، صفة مذمومة، لو اعترف وأقر على نفسه أنه في غرور لسارع إلى تصحيح وضعه وإلى تربية نفسه على أحسن الأخلاق والآداب، لكن ما يرى ذلك، يرى أنه على طبيعته، هو مغرور لكن في نظره يراه بمنزلته. ولهذا جعل جماعة من أهل العلم، كان إمام الغزالي رحمه الله جعل الغرور نوعًا من أنواع الجهل، جعل الغرور نوعًا من أنواع الجهل، لأن الإنسان يبتل به ولا يشعر به، وهنا تكمن الخطورة. كذلك مما تكمن فيه خطورة هذه الصفة إذ أنها تتعلق بأعظم باب من أبواب الدين، ألا وهي أبواب الأخلاق والآداب، باب الأخلاق والآداب من أعظم أبواب الدين، والذي ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يراعيه في نفسه أولًا، أن يتخلص من الآداب الفاسدة ومن الأخلاق الكاسدة، وأن يربي نفسه على الأخلاق السليمة والآداب العظيمة، ويتربى على تربية الشرع. وأنتم تعلمون إخواني في الله أن الأخلاق ليس فقط هو أمر سلوكي، بل إن أمر الأخلاق يعود على أعمالك، يعود على أعمالك. ولهذا حسنا العلامة الألباني رحمه الله تعالى ذلكم الحديث الذي فيه يقول نبينا عليه الصلاة والسلام «وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل»، وإن سوء الخلق ليفسد العمل، ما هناك انفكاك، لا هناك ارتباط بين الأخلاق والأعمال، ومن أعظم الارتباط هذا الذي ذكره نبينا عليه الصلاة والسلام، أن الأخلاق الفاسدة لربما عادت إلى الأعمال الصالحة بالإحباط والبطلان. ويدل على ذلك كما رأوه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: «إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها، إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها»، قال عليه الصلاة والسلام «لا خير فيها، هي في النار»، لا خير فيها، هي في النار، سوء الخلق أفسد عليها العمل، ما كان من أذيتها لجيرانها ولغيرها، كان من أثر هذا السلوك المشين أن عاد على أعمالها بالذهاب والزوال. وذكر عن فلانة بأنها قليلة الصيام والصلاة، إلا أنها لا تؤذي جيرانها، قال «هي في الجنة»، قال «هي في الجنة». فالشاهد إخواني في الله، فظاهرة الغرور من الظواهر الذي تحتاج إلى مذاكرة ومجالسة، وخاصة كما سمعنا سلفًا وآنفًا أنها من الظواهر السلبية التي لربما خرج بها جماعة من الناس بعد رمضان، أن اغتروا على الله جل وعلا بما كان من طاعاتهم وبما كان من صلاتهم وصيامهم وقيامهم. وكما قلنا ويكون حديثنا بإذن الله في هذه المجالس وما سيأتي ذكره في ذكر صفة الغرور بشكل عام، حول ما يكون من غرور العبد مع الله، وغرور العبد مع خلق الله. فنكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في درس العصر، وما سيأتي من مجالس حول تتبعي هذه الظاهرة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر. صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.