التحذير من الغرور 2

التحذير من الغرور 2

الدرس في التحذير من الغرور 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في خطورة الغرور على الله

يتناول الدرس خطورة الغرور على الله ويقسم المغترين إلى طائفتين: العصاة وأهل الطاعة. يُوضح أن الرجاء المحمود يكون مقرونًا بالعمل.

الغرور على الله بأعمال الصالحين وتأثيره

الغرور على الله يمتد إلى أهل الطاعة والعبادة الذين قد يغترون بأعمالهم الصالحة، مما يؤدي إلى العجب. يجب على المسلم أن يحمد الله على نعمة الهداية ويسأل الله الهداية لغيره.

صور الغرور في أهل الصلاح وتحذيرهم

الغرور في أهل الصلاح يظهر في اعتقادهم أنهم لن يدخلوا النار أو يتذرعون بصلاحهم لفعل المعاصي. هذا الغرور يأتي من نسيان أن التوفيق للطاعة هو فضل من الله.

خاتمة الدرس والدعاء للتوفيق

يختتم الدرس بالإشارة إلى ما سيأتي في الدروس القادمة ويطلب من الله أن ينفعهم بما قاله. يختم بالصلاة على النبي والتسليم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مواصل إخواني في الله عما كنا بصدده في درس الظهر حول ما يتعلق بظاهرة الغرور، وأشرنا -رعاكم الله- إلى ما يتعلق بخطورة هذه الظاهرة. وهنا إخواني في الله ندخل في صلب هذا الموضوع. ذكر العلماء أن صفة الغرور تارة تكون مع الله، بأن يغتر العبد على الله، وتارة تكون مع خلق الله. وأول ما نبدأ به إخواني في الله من صفة الغرور ما يكون من صفة غرور العبد على ربه جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾. وإن الغرور على الله سبحانه وتعالى إنما وقع في طائفتين اثنتين: طائفة من العصاة اغتروا على الله، وطائفة هم من أهل الطاعة والعبادة، وأيضًا هم اغتروا على الله. أما الطائفة الأولى إخواني في الله، وهم من كان من أهل العصاة، من كان من أهل الانحراف والضلال، ممن هو ابتعد عن ربه جل وعلا بفعل الشهوات والملذات والانغماس في الموبقات والمحرمات، هؤلاء وصل بهم الغرور على الله جل وعلا مع انغماسهم بالملذات أنهم يرجون رحمة الله، يرجون رحمة الله بحد زعمهم بأن الله كريم، وبأنه جل وعلا غفور رحيم. حتى إذا لربما تقف عند بعض هؤلاء وهم في قمة انحرافهم وضلالهم، تذكرهم بوعيد الله، قال لك: يا عبد الله، الله غفور رحيم، الله غفور رحيم، ويمشون على هذا المنوال تحت ما يسمى أن هذا هو مقام الرجاء. وهنا البلية، يسمون هذا رجاء، نحن نرجو ما عند الله، نرجو رحمة الله، فلا تقنطنا من رحمة الله. دعنا مع ما يكون من تركهم للعمل، مع ما تركهم من عمل. إخواني في الله، هذا الفعل الذي يفعله كثير من العصاة، ما يكون من بعدهم عن الله مع تعلقهم برحمة الله تحت ما يسمى بالرجاء، هذا من تلبيس الشيطان، هذا من تلبيس الشيطان، هذا ليس من الرجاء في شيء، وإنما هذا يسميه العلماء بالأماني. كما جاء في بعض الأحاديث: «العاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني»، هذا العاجز، هذا الضال من أتبع نفسه هواها، يعطي للنفس مشتهاها بفعل ما تريد، ومع ذلك ويتبنى على الله الأماني، هذه أماني، هذه عبد الله أماني، وهي من الصفات الزميمة. أما الرجاء لا يعبد الله ورجاء، الرجاء مقاب محمود، الكل يرجو رحمة الله، لكن بشرط رجاء الله منوط بعمل. وهنا الفرق بين الرجاء المحمود والرجاء المذموم وهو الأماني. الرجاء المحمود أنك قد يقع منك تقصير، قد يقع منك نقص، قد يقع منك زلل وخلل، لكنك تعمل، ومع هذا العمل ترجو عند الله، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله﴾، هؤلاء هم بالرجاء أليق، وهؤلاء هم بمقام الرجاء أقرب، يعملون بالإيمان، بالهجرة، بالجهاد، ومع ذلك يرجون رحمة الله. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا﴾، الذي يريد أن يطرق باب الرجاء ويتمسك برجاء الله جل وعلا عليه أن يعمل العمل الصالح، ومع ذلك يرجو ما عند الله. أما أنك يا عبد الله تعرض كلية عن العمل الصالح وتنغمس في الملذات وترجو ما عند الله، هذا من الغرور على الله. ولهذا قيل: «الحسن البصري رحمه الله تعالى: إن قومًا يرجون رحمة الله وتركوا العمل، فقال رحمه الله تعالى: هيهات هيهات، تلك أمانيهم»، قال: «هيهات هيهات، تلك أمانيهم»، هذا في حق قوم تركوا العمل ويرجون ما عند الله. وهكذا هم أهل العصاة، هذا من غرورهم على الله جل وعلا. وكما أشار لذلك مجاهد رحمه الله: «من الغرور على الله ما يفعله أهل المعصية من ترك العمل ويتعلق بما عند الله»، فهذا إخواني في الله من الغرور على الله من طائفة العصاة. الغرور الثاني ما يقع من أهل الطاعة والعبادة، وهذا إخواني في الله مسلك خفي. الشيطان عندما أوقع الضلال وأهل المعاصي في باب الغرور، هنا وجد أن أهل الصلاح بما كان من صلاتهم وصيامهم وقيامهم استصعبوا عليه، فدخل عليهم أيضًا من باب الغرور بأن جعلهم يغترون على الله بأعمالهم. قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: «ما رأيت شيئًا في المصلين أشد عليهم من العجب»، ما رأيت شيئًا أشد على المصلين من العجب، ويعني بالمصلين إشارة إلى أهل الصلاح والاستقامة. أعظم مرض دب في أهل الصلاح ما يكون من مسألة العجب والغرور، العجب أنفسهم والغرور على غيرهم بأعمالهم. وإن الغرور الذي يقع فيه أهل الصلاح وممن حباه الله بالطاعة والعبادة يكمن في عدة صور من صور غرورهم بطاعاتهم وعباداتهم. أن يترفعوا على غيرهم بأن يرى أنه أحسن من غيره، يرى أن غيره هو الدون، هو الدون، وأنه أفضل وأكمل وأحسن، وأن له المنزلة دون غيره، فلا زال هذا في نفسه، بل ربما صرح هذا بلسانه، قل: «أسكت أنت، ومن انظر لحالك، أنا الحمد لله أفعل وأفعل وأفعل»، فلا يزال يعدد من فضله ومنزلته عند ربه وبمقابل ذلك أنه يبخس الناس حقهم. وهذا كما جاء في الحديث في حق ذاك الرجل الذي مر على غيره ممن هو يعمل المعصية، قال: «والله لا يغفر الله لفلان، لا يغفر الله لفلان»، تملكه العجب والغرور حتى رأى أنه أفضل من غيره، وأن غيره ليس بشيء، بل حلف وأقسم على الله: «والله لا يغفر الله لفلان»، حينها قال الله: «من ذا الذي يتألى علي ألا إني قد غفرت له وأحبطت عملك»، لا أحد يغتر على الله بأعماله، فضلًا أنك تترفع على غيرك. قال الله: «من ذا الذي يتألى علي ألا إني قد غفرت له»، ذاك العاصي الذي جعلتم له دون، قد غفرت له، وأنت يا من ترفعت عليه قد أحبطت عملك. ففيه إشارة إخواني في الله لعنى من أعظم صور الغرور الذي يدب في الصالحين ما يكون من ترفعهم على غيرهم بشأن عبادات وطاعاتهم. وإنما عليك يا عبد الله أنك تحمد الله على ما من الله به عليك من الهداية، وتسأل غيرك بأن الله يهديه، وأن الله يصطفيه، وأن الله يجتبيه، وأن الله يأخذ بقلبه للصلاح والتقوى والفلاح. من صور الغرور الذي يدب في أهل الصلاح أن بعضهم لربما يحدث نفسه أنه قضى من الجنة، أنه قضى من الجنة وأنه لن يدخل النار. هذا نعم يفعله بعض الناس لما يرى من صلاته، من صيامه، من ذكره، من تقواه، من إحسانه، يقول: «خلاص قد وصلت إلى المنزلة العلية الذي به أستحق أن أدخل الجنة»، ولما أخشى النار. ولما أخشى النار يقول إمام الذهبي رحمه الله تعالى: «قال: ومن لم يخشى على نفسه من النار فهو مغرور»، من لم يخشى على نفسه من النار فهو مغرور، هذا مغرور. أنك يا عبد الله ترى أنك في منأ عن النار، من هذا الذي يجزم بذلك؟ لا أحد. هذا نبينا صلى الله عليه وسلم كان من دعائه: «أسألك الجنة وأعوذ بك من النار». الأنبياء وأهل الصلاح الكل مع ما يكون من تقواهم وما يكون من استقامتهم إلا أنهم يخشون على أنفسهم من الضلال ومن الانزلاق ومن دخول النار. لهذا من لم يخشى على نفسه من النار فهو مغرور كذلك. وإخواني في الله من صور الغرور الذي يدب في الصالحين ومن كان على طاعة أنه لربما تذرع بصلاحه وما كان من طاعاته أن يتقحم شيء من المعاصي والمحرمات. تحالي حالنا الآن في رمضان، يجد منا من وجد من نفسه أنه استقام قدر الإمكان على الطاعة والبر والإحسان، على الصيام والقيام وقراءة القرآن، ثم بعد ذلك يقول: «افسحوا لي إذن، افسحوا لي أن أفعل ما يحلو لي»، خلاص يكفيني الطاعة، ويكفيني عبادة، ويكفيني ما قمت، والآن يحال بيني وبين ما حرم عليه، فيفعل من المعاصي ما يفعل. فإذا ذكر بوعيد الله وما أعده الله من سخطه وغضبه لفعل معاصي، قال: يا عبد الله قد كنت وقد فعلت، صمت وقمت، يكفيني هذا. يا أخي إلى متى؟ فلا يزال يغتر على ربه جل وعلا بعباداته وطاعاته، هذا من الغرور على الله. ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمن علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾، المن لله ولرسول، لا أنت تمن على ربك، لأنك ما كان من استقامتك وما كان من طاعاتك وعباداتك إنما هو فضل محض من ربك، ليس بحولك ولا بقوتك. إذا الإنسان تذكر هذا الشيء علم أنه ينبغي أن يعلم أن ما كان من توفيق الله إنما كان بيد ربه سبحانه وتعالى، فكيف تمن على الله بأني وأني؟ ولازلت تمن على ربك جل وعلا بما كان من طاعاتك وعباداتك. فالشاهد إخواني في الله أن مسألة الغرور على الله جل وعلا لربما وقعت في طائفة من العصاة ممن هو يركن على فعل المعاصي ويرجو ما عند الله، هذا غرور بالله، أو ما يكون من أهل الطاعة والعبادة كما قلنا في حق من لربما يرى أنه بطاعاته وعباداته أفضل من غيره، أو من يرى أنه بطاعاته وعباداته لا يخشى من النار، أو من يرى أنه بطاعاته وعباداته لربه أنه يمكن من فعل ما يجلب عليه سخط الله، بحجة أنه طائع لله في رمضان، وكل ذلك من الغرور بالله جل وعلا. فهذا إخواني في الله ما يذكر من القسم الأول من صفة الغرور التي تكون مع الله جل وعلا. وسيأتي معنا في دروس قادمة بإذن الله ما يتعلق بالقسم الثاني من صفة الغرور وما يكون مع خلق الله. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.