شرح كتاب التوحيد 249

شرح كتاب التوحيد 249

الدرس في شرح كتاب التوحيد 249، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية قارون وجحود نعم الله

يتناول هذا الفصل شرح الآية الكريمة المتعلقة بقارون وادعائه أنه أوتي المال لاستحقاقه، ويبين جحود بعض الناس لنعم الله عليهم. يشرح أيضاً أقوال السلف في تفسير هذه الآية.

قصة ثلاثة من بني إسرائيل والابتلاء

يتحدث هذا الفصل عن قصة ثلاثة من بني إسرائيل ابتلاهم الله بمرض جسدي وفقر، ويشرح مفهوم الابتلاء في هذا السياق، مع الإشارة إلى أصل بني إسرائيل ونسبهم إلى نبي الله إسحاق عليه السلام.

ختام الدرس والإشارة إلى الابتلاء القادم

يختتم هذا الفصل الدرس بالإشارة إلى أن الابتلاء الذي سيواجه قوم موسى سيكون مشابهاً لما يمرون به الآن، ويؤجل تفاصيل ردة فعلهم واستجابة الله لهم إلى الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذا الباب، والذي بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿ولئن أذقناه رحمةً منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي﴾». وأشرنا إلى ما أورده المؤلف رحمه الله تعالى من الآثار الموضحة لهذه الآية. ثم أورد لنا المؤلف رحمه الله تعالى دليلًا آخر، قال: «وقوله قال تعالى: ﴿إنما أوتيته على علمٍ عندي﴾، قال قتادة: على علمٍ مني بوجوه المكاسب»، وقال آخرون: على علمٍ من الله أني له أهلٌ، وهذا معنى قول مجاهد. الآية الثانية، إخواني في الله، وهي قوله جل في علاه: ﴿إنما أوتيته على علمٍ عندي﴾، فيها نفس المعنى السابق للآية التي ذكرناها بالأمس، وأن المؤلف رحمه الله تعالى يرد لنا الأدلة إلى حال بعض الناس، وكيف أنهم يعاملون نعم الله جل وعلا بالجحود والنكران. فهذه الآية التي بين أيدينا في قوله تعالى: ﴿إنما أوتيته على علمٍ عندي﴾، قال: الضمير يعود إلى قارون، هذا الذي طغى وبغى، آتاه الله جل وعلا من الكنوز الشيء الكثير، وحباه بالخير العميم لربما ما يخطر على بال أحدٍ من العالمين. وعندما ذكره الناس، ذكره الأخيار قائلين له: «وأحسن كما أحسن الله إليك»، ذكروه بأن ما أنت فيه من أبهة وترف ومال وبذخ إنما هو من إحسان الله، هو الذي جل في علاه أحسن إليك، فعامل هذا بالمثل، أحسن كما أحسن الله إليك، لكنه لم يقر بالأول فضلا أن يقوم بالثاني، لم يقر أصلا بأن هذا إحسان من الله، وإنما جعل أن هذا من محض ماله ومن كسبه. قال: ﴿إنما أوتيته على علمٍ عندي﴾، ما معنى هذه الآية؟ على علمٍ عندي، قال قتادة رحمه الله تعالى: على علمٍ مني بوجوه المكاسب، هذا معنى على علمٍ عندي، أي على علمٍ مني بوجوه المكاسب، أي أن هذا ليس تقولون أن هذا أن الله تفضل عليه. الله يا أخي، أنا لي وجهة نظر كما يقال، هذا من كدي، أنا اشتغلت وعملت، عندي خبرة وحذاقة في التجارة، واستطعت بمهارتي، بشطارتي أني أسلك هذه المسالك، أذهب يمنة حين أن ذهب الناس يسرة، وأني أذهب إلى شرقا حين أن ذهب الناس غربا، واستطعت أن أتميز عن غيري، فجمعت هذه الثروة الضخمة، فأصبحت بهذه المرتبة مليونير أو ملياردير، فلا يذكر الله عز وجل لا بقليل ولا بكثير، فضلا أن ينسب هذا المال إليه جل في علاه، وإنما ينسبه لنفسه ولكسبه وليعقله ولخبرته. وهذا للأسف، إخواني، فلا مما ابتلين به ممن آتاه الله المال الكثير، فإذا طلب أن يتحدث عن حياته الشخصية وعن كيف استطاع أن يصل إلى هذه المرحلة، يقول: أنا وأنا، من أول اللقاء إلى أن ينتهي، أنا وأنا، وأين الله يا عبد الله منك؟ فما تدري أن هذا الذي قد وصلت إليه إنما هو أمر أراده الله لك، ولو أن الله عز وجل أرادك أراد أن تكون فقيرا معدما لكان. لكن الله عز وجل فضل بين الناس في الأرزاق، فضل سبحانه جعل هذا غنيا وهذا ثريا وذاك فقيرا معدما، الله فضل في الأرزاق وفضل بين الخلق في الخيرات بحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها. والثري والغني والتاجر الذي يرى هذه الأموال تأتيه من كسبه ومن خبرته، فليعلم أن هذه المكاسب التي يدعيها ما هي إلا أسباب أسباب يسرها الله لك لكي تتخذها فتجرب عليك المال لا غير. فالإنسان، إخواني في الله، عليه أن يعلم هذا، ولهذا فسرت هذه الآية بقول ربنا: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾، قال قتادة: أي على علم مني بوجوه المكاسب، وهذا الأثر عن قتادة رواه ابن أبي حاتم ورحمه الله تعالى في تفسيره. إذن هذا المعنى الأول، المعنى الثاني، قال: وقال آخرون، أي في تفسير هذه الآية: على علم عندي، قال: وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل، وهذا معنى قول مجاهد. التفسير الثاني لهذه الآية، قال: ﴿إنما أوتيته﴾، أي هذا المال، على علم عندي، أي على علم من الله بأني أهل هذا المال، وقد مر هذا الكلام في درس أمس، ما وقع في تأويل وتفسير الآية الماضية هي نفس الذي دارت عليها أقوال العلماء في تفسير هذه الآية. أي أن بعض الناس، وهذا كذلك في سياق كلام قارون، أن قارون يرى أن هذا المال وإن كان نعم هو من عند الله، لكن كيف جاءه؟ جاءه لأنه يستحق، يستحق أن يعطى هذا المال لما كان من مكانته، لما كان من منزلته، لما كان من حسبه ونسبه، فهو جدير بهذا المال أن يأتيه بكل امتياز، كيف يغيب عني هذا المال؟ لا، أنا أولى به، أنا أولى به، وهذا هو أهل الغرور وأهل الكبرياء والاستكبار. فإن الله جل وعلا أحد يحق عليه حقا سبحانه وتعالى، بل الله عز وجل هو الذي ينبغي أن يستحق أن يعبد وأن يشكر سبحانه وتعالى، فلا يكفر ولا يجحد. فالشاهد أن هذه الآية بهذه المراتب، إخواني في الله، أشار فيها المؤلف بأقوال السلف في قوله: ﴿إنما أوتيت على علم عندي﴾، فيه بيان لحال بعض الناس إزاء نعم الله عليه من الجحود والنكران. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى...»». هذا الدليل الثالث الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، وهذا الدليل هو عبارة عن حديث صحيح جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، والسياق هنا لرواية مسلم. أورد رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو الدليل الثالث تحت هذا الباب، والذي من خلاله سيدلل لنا المؤلف رحمه الله تعالى على أنواع من أنواع الجحود لنعمة الله، لكن من خلال واقع بعض الناس. فالذي بين أيدينا عبارة عن قصة قصها لنا نبينا صلى الله عليه وسلم، وإن قصص القرآن لتضرب منه الأمثال والفوائد والعبر والعظة. فقال: «وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ثلاثة من بني إسرائيل...»». إسرائيل من بني إسرائيل هي عشيرة بني إسرائيل العريقة، والذي كان لهم قصب السبق في الفضائل، وكانت خير أم، وكانت هي خير أمة أخرجت للناس في أزمانهم، فضلنا على العالمين في أوقاتهم. وحقيقة بني إسرائيل تعود إلى نبي الله إسحاق عليه السلام، إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، فإن إسحاق كان يلقب بإسرائيل، إسحاق عليه السلام لقبه إسرائيل، كبر ونشأ وترعرع، وجاءت من بعده الذرية، ومن أعظم ذرية إسرائيل وهو إسحاق عليه السلام ما كان من أمر الأنبياء والرسل أن خرجوا من نسله. خرجوا من نسله موسى، من نسل إسحاق، عيسى، هارون، كل بني إسرائيل أنبياء، بني إسرائيل كلهم تفرعوا من إسحاق عليه السلام، لهذا جعل فيهم ربنا جل وعلا النبوة والرسالة، جعل فيهم النبوة والرسالة. وأما أخو إسحاق وهو إسماعيل عليه السلام، فمنه كان انتسلت وتفرعت منه العرب، وخرج منهم نبينا صلى الله عليه وسلم، فنبينا من ذرية إسماعيل، وباقي الأنبياء من ذرية إسحاق، فهذه هي المسألة الذي ينبغي أن نعرفها. فلما نذكر نقول: من علماء بني إسرائيل أو في بني إسرائيل، من إسرائيل هو نبي من أنبياء الله، نبي من أنبياء الله وهو إسحاق ابن إبراهيم عليه السلام. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن ثلاث من بني إسرائيل»، إذن سيتكلم نبيه ويتحدث هاهنا عن واقعة وقعت في هذا المجتمع الإسرائيلي في بني إسرائيل، وما ينقل عن بني إسرائيل، إخواني في الله، يأتينا الكثير، تارة من القرآن، تارة من السنة الصحيحة، وهذا لا إشكال في قبولها وفي سردها وفي روايتها وأخذ العبر والعظة منها. في القرآن قال ربنا: ﴿ألم تار إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى﴾، فربنا ينقل لنا عن وقائع وقعت لبني إسرائيل، هذه تُقبل ولا تُرد أبدا، وهكذا السنة المطهرة كهذا الحديث الذي بين أيدينا أصله في الصحيحين. «إن ثلاث من بني إسرائيل»، نرويها، وهناك تأتي روايات عن بني إسرائيل، لكن من قبل علمائهم وأحبارهم ورهبانهم، هنا قال العلماء: إذا جاءت الحكايات عن بني إسرائيل من هذا الطرف، وهو الطرف الثالث من علمائهم وأحبارهم، وهي لا تخالف ما نحن عليه من شريعة ودين، وفيها العبر والعظة، فإننا نحدث فيها ونرويها، لقوله عليه الصلاة والسلام: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، وإن قصص بني إسرائيل، إخواني في الله، قصص عظيمة، سواء كان في الكتاب أو السنة أو ما صحب به الأخبار. ولهذا صحع النبينا أنه قال: «حدثوا عن بني إسرائيل فإن فيهم الأعاجيب»، فإن فيهم الأعاجيب. فالشاهد في هذا الحديث الذي صدره نبينا بقوله: «إن ثلاث من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى»، حدد نبينا شيئا من صفات هؤلاء الثلاثة، ليس بأسمائهم وإنما بأوصافهم، فهناك الثلاثة، أحدهم كان أعمى، وهو الذي فقد بصره، وأقرع، وهو الذي فقد شعره، والأبرص، وهو المرض الجلدي المعروف الذي يكون فيه اختلاف الجلد عن الموضع المصاب. فهؤلاء الثلاثة تدور عليهم هذه القصة والحكاية، وفي الحقيقة أن هؤلاء الثلاثة قد ابتلاهم الله بأمرين، ليس بأمر واحد، ابتلاهم الله بأمرين، الأمر الأول ابتلاهم بهذه العاهة الجسدية، كما جاء مصرحا بهذا بقرع، وهذا ببرص، وهذا بعمى، وهناك ابتلا آخر سيأتي من خلال القصة أن الله ابتلاهم بفقر، أن الله عز وجل ابتلاهم بفقر. فالثلاثة كانوا على هذا الأمر، إصابة بالأجساد، وقلة في الأموال، قال: ما شأنهم؟ قال: «إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى فأراد الله أن يبتليهم»، فهؤلاء الثلاثة أراد الله جل وعلا أن يختبرهم، أن يمتحنهم. والاختبار والابتلا الذي سيقع عليهم سيقع عليهم فيما نحن فيه، وهو كيف أن الله سينعم عليهم ويغير حالهم إلى أحسن حال، ومن ثم يكون ردة فعل هؤلاء كيف كان؟ ومن ثم كيف كان ربنا معهم؟ هذا سيأتي إن شاء الله في درس غد، لأن الحديث طوي بكماله وتمامه، وفيه عدة مسائل نرجي الحديث عنها إلى درس غد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.