الدرس في شرح تائية الألبيري 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل المحاضر الدورة بتعريف المنظومة التي تحث على طلب العلم والزهد، موضحاً أنها نصيحة لزميل سابق لا لابنه، مستدلاً ببيت الشعر الدال على نكث العهد بعد الشيب.
يستعرض أدلة من القصيدة تثبت توجيهها لرجل هجاه الألبيري، مبيناً أدبه في قبول العيب، ثم يشرح مطلع المنظومة عن ضعف الإنسان ووجوب الزهد مستدلاً بآية الروم.
يشرح كيف ينحت الزمن جسم الإنسان ويضعف قواه، مؤكداً أن الموت دعوة صدق، وقرب الأجل يقتضي الإكثار من ذكر هادم اللذات والعمل بوصية ابن عمر رضي الله عنه.
اختتم المعلم الجلسة ببيت شعري، وأعلن انتهاء الوقت في الساعة الرابعة، وقرر الاكتفاء بما شرحه على أن يكمل في الجلسات القادمة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فكما هو مقرر في برنامج هذه الدورة العلمية المكثفة أن في مثل هذا الوقت تأخذ هذه القصيدة التائية للألبيري رحمه الله تعالى. أولاً نأخذ فكرة عامة حول مضامين هذه القصيدة: فهذه القصيدة تتحدث عن الحث على العلم وعلى العناية به وبيان فضل ذلك، وهذه القصيدة أيضاً تتحدث عن اقتنام الأوقات وعدم إضاعتها، وأيضاً في هذه القصيدة الحث على الزهد في الدنيا، وفيها ذكر بعض الآداب والأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم عامة وطالب العلم خاصة. فهذه مضامين هذه القصيدة، ولا شك أن المسلم وطالب العلم خاصة بحاجة ماسة إلى مثل مضامين هذه القصيدة، فهو في سيره العلمي يحتاج إلى الرقائق، ويحتاج إلى المرغبات فيما هو فيه من الخير كي يعينه ذلك على الثبات وعلى الجد والاجتهاد. وصاحب هذه القصيدة نأخذ له ترجمة مختصرة: يُكنى بأبي إسحاق، واسمه إبراهيم بن مسعود بن سعد التجيبي الألبيري، لأنه ينسب إلى قبيلة تجيب، وهو أندلسي، وتجيب قبيلة ترجع إلى قبائل اليمن. قيل فيه: فقيه ومقرئ وعالم في زمانه، أخذ القراءات وعرف بها. ولد ما يقرب من سنة خمس وسبعين وثلاثمئة، يعني في القرن الرابع الهجري، وتوفي في سنة ستين وأربعمئة، أي في القرن الخامس. وكان معاصراً لأبي محمد بن حزم الأندلسي صاحب التصانيف المعروفة في الفقه وغيرها كالمحل. والألبيري له ديوان من الشعر تداوله العلماء، وكان بعض أهل العلم لا يقرئ طلابه العلم حتى يحفظ المنظومة التائية، حتى يحفظ هذه المنظومة التائية الطالب، ثم بعد ذلك يقرئه العلم. لماذا؟ لما في هذه القصيدة من الآداب والأخلاق، ومن الحث والترغيب على طلب العلم والزهد في الدنيا. حتى قال أبو الحجاج يوسف بن محمد البلوي في كتابه «ألف باء»: إن أبا عبد الله بن سودة كان يحمل طلبته على حفظها لجودتها، يعني يلزم الطلاب الذين يدرسون عنده: احفظ هذه المنظومة، احفظ هذه المنظومة. فنحث طلبة العلم في هذه الدورة على الاعتناء بهذه المنظومة: حفظاً، وأيضاً فقهاً ودراية ومعرفة معاني هذه القصيدة، وهذا ما ستجده إن شاء الله تعالى في قراءتنا لهذه المنظومة. المنظومة كذلك، أمر آخر نقدم به قبل الشروع في المقصود: أن هذه القصيدة اشتهرت، بل كتب بعضهم في بعض نسخ هذه القصيدة أنها وصية من الألبيري لولده، وهذا خطأ. ليست هذه القصيدة موجهة لابن الألبيري، وإنما هذه القصيدة موجهة إلى رجل معاصر للألبيري، وكان زميلاً له في وقت من الأوقات في طلب العلم وفي وقت الطلب. فهذا الرجل في حال الكبر، أخذ يذكر معايب الألبيري، يذكر بعض معايب الألبيري ويذم ويهجو الألبيري ببعض المساوئ. فمن أخلاق الألبيري ومن كذلك رفيع أدبه أنه لم يقابل السيئة بالسيئة، فلما سمع بهجاء هذا الرجل له وهذا الزميل له، أخذ ينصح هذا الزميل وغيره بأبيات فيها من الحث على العلم والزهد والأدب والخلق ونحو ذلك. فاشتغل الألبيري بمناصحة نفسه ومناصحة هذا الرجل بأسلوب راقٍ جميل. طيب، قد يقول قائل: وما هو الدليل على أن هذه القصيدة لم يقلها الألبيري لولده؟ أيش الدليل؟ الدليل: بعض أبيات ورد في هذه القصيدة، منها قول الألبيري: «وكنت مع الصبا أهدى سبيلاً، فما لك بعد شيبك قد نكثت». هل هذا يقال لابن؟ لا، الصبا هو وقت الشباب، وقت الشباب والطيش، هذا يقال له الصبا. فهو يقول لهذا الزميل له وهذا المرافق له حال الطلب: كنت مع الصبا أهدى سبيلاً، يعني كنا نطلب العلم وكنا على أدب وكنا على حرص على العلم، فالآن لما كبرت وصرت شيخاً كبيراً تأتي بهذا الأمر وتترك ذاك العلم الذي كنت عليه. وهذا لا يقال لابن. نعم، هذا دليل من القصيدة نفسها. ودليل آخر في قوله: «ولا تنكر فإن الأمر جد، وليس كما حسبت ولا ظننت، أبا بكر كشفت أقل عيبي». يعني هل الابن هو الذي يكشف عيب الأب؟ لا، هذا رجل آخر كما ذكرنا. فقال له: «أبا بكر كشفت أقل عيبي، وأكثره ومعظمه سترت، فقل ما شئت في من المخازي وضاعفها، فإنك قد صدقت، ومهما عبتني فلفرط جهلي بباطنتي كأنك قد مدحت». يعني هذه العيوب القليلة التي ذكرتها في الحقيقة هي شيء يسير من العيوب التي أنا واقع فيها، وذكرك لهذه العيوب القليلة في الحقيقة هو مدح لي وليس ذم. انظروا إلى رفيع أدبه، يقول له: هذه العيوب التي ذكرت هي يعني مدح، كما يقال على سبيل المثال: مثلا يقولون: شيخ أخطأ في عشرة أحاديث، هذا مدح له أو ذم؟ هذا مدح له، لأن من ذا الذي لا يخطئ؟ من ذا الذي لا يخطئ؟ البشر عرض للخطأ، وأخطاؤه كثيرة، فكونه يخطئ هذه الأخطاء اليسيرة هذا مدح له وليس ذم. وهو يقول لصاحبه ذلك من الذام له: يقول له: «فقل ما شئت في من المخازي وضاعفها، فإنك قد صدقت، فإنك قد صدقت، كلنا ذو عيوب، وكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». فهذه كلها أدلة تدل على أن هذه القصيدة ليست موجهة لابن الألبيري، وإنما هي موجهة لذاك الرجل الذي هجا الألبيري وعابه وتكلم عليه ونحو ذلك. وفي هذا فائدة عظيمة: وهي أن المخلص لا يبالي بما يقال فيه وبما يرمى به، لأن قصده ولأن هدفه الله والدار الآخرة، لا يبالي بكلام الناس، بل إذا دله أحد على عيوبه يفرح لأنه يصحح هذا الخطأ، يصحح هذا الخطأ. فالمخلص لا يحب أن يبقى على خطأ أو على زلل أو على انحراف. فرحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي، أهدى إلي عيوبي. وهذا فيه أيضاً أن الصادق يرفعه الله ويعلي قدره. فانظر إلى الرجلين: انظر إلى الرجلين، ذاك الذي طعن في الألبيري، والألبيري، من الذي رفع ذكره؟ ومن الذي اشتهرت قصيدته؟ ومن الذي رفعه الله عز وجل؟ الألبيري. أما ذاك الرجل فما عرف حتى اسمه، ما عرف حتى اسمه، فصار في عداد المجهولين. وهذا دليل الإخلاص والصدق. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «فالصادقون يدوم أمرهم، والكذابون ينقطع أمرهم»، وهذا أمر جرت به العادة وسنة الله التي لن تجد لها تبديلاً. ذكر ذلك في شرح الأصبهانية. هذه مقدمة قبل الشروع في صميم هذه المنظومة. ثم قال مبتدئاً منظومته: «تفت فؤادك الأيام فتاً، وتنحت جسمك الساعات نحتاً، وتدعوك المنون دعاء صدق، ألا يا صاح أنت أريد، أنت». أراك تحب عرساً ذات خدر، أبدت طلاقها الأكياس، بتّ تنام الدهر ويحك في غطيط، بها تنام الدهر ويحك في غطيط، حتى إذا متّ انتبهت، فكم ذا أنت مخدوع، وحتى متى لا ترعوي عنها؟ وإذن نأخذ من هذه القصيدة كل يوم ما يتيسر منها بحسب ما يقتضيه المقام ويتسع به الزمان. فبدأ في هذه المنظومة بتذكير المنصوح الذي يريد نصحه بأن مرور الأيام يترتب عليها ضعف الإنسان، كلما مر من عمره يوم ضعف هذا الإنسان وضعف قواه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: 54]، ضعفا وشيبة. وهذا يدل على أن الإنسان ينبغي له أن يزهد في هذه الدنيا وأن لا يتعلق بها ويؤثرها على الآخرة. فقوله: «تفت فؤادك الأيام فتاً»، الشيء تكسيره، لما تفت الشيء أي تكسره، أي أن مرور هذه الأيام تضعفك أيها الإنسان وتكسر جسدك إلى أن يأتيك الأجل. وقوله: «وتنحت جسمك الساعات نحتاً»، النحت هو البَرْي، والمعنى أن مرور الأيام وانقضاء السنين والأعوام يترتب عليه ضعف بنية الإنسان وضعف قواه. وكما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «يا ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم منها ذهب بعضك، ذهب بعضك»، إلى أن يأتيك الأجل. لو كان قد قدر لك من العمر تسعين سنة، إذا مر يوم صار لك من العمر... إذا مرت سنة صار لك من العمر تسعة وثمانين سنة، وإذا مرت الثانية ينقص، وهكذا إلى أن ينتهي هذا الأجل، إلى أن ينتهي هذا الأجل. فالإنسان كلما دخل في العمر ضعف في الجسد والقوى، لا تظن أنك إذا عمرت في هذه الدنيا ستعود شباباً وستبقى على حالة واحدة أبداً، يضعف البصر، يضعف السمع، يضعف كذلك الرجلان، لربما كذلك تهجم الأمراض ونحو ذلك. ثم قال له: «وتدعوك المنون دعاء صدق، ألا يا صاح أنت أريد، أنت». «تدعوك» أي تناديك، تدعوك أي تناديك، والمنون المراد بها هنا المنية أي الموت. يقول له: تناديك، يناديك الموت، يناديك الموت، وكأنه ينبه أن في هذه المرحلة لا تدري متى تفجأك المنية، قد بلغ من العمر عتياً، فهذا أقرب إلى قرب الموت، إلى قرب الموت. فيقول له: ما زلت في غيك، ما زلت في طيشك، ما زلت في سوء أدبك، فانتبه لنفسك، فما تدري متى يفجأك الموت، ومتى يقدم عليك الأجل، ومتى يقدم عليك الأجل. ثم قال له: وهذا يدل عليه، يدل عليه حث النبي عليه صلى الله عليه وآله وسلم على الإكثار من ذكر الموت، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أكثروا ذكر هادم اللذات». فالمسلم يجعل هذا الأمر على باله، فإنه من أعظم أسباب الزهد في الدنيا. تصور أنت تبني وأنت تشيد في هذه الدنيا وتؤمل، ففجأة يهجم عليك الموت، أين هذه الأماني؟ أين هذه كذلك الأطماع التي تخطط لها؟ تذهب، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُم وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ﴾ [سبأ: 54]. فيدعوه هنا إلى ذكر هادم اللذات، ويقول له في هذه المنظومة: «وتدعوك المنون دعاء صدق»، ما فيه كذب. الموت لو سألت أي إنسان: هل ستموت؟ أو لو أخبرته أنك ستموت، هل سيكذبك؟ ولو جاءك أكذب الناس، أكذب إنسان، جاء وقال لك: يا فلان أنت ستموت، سيأتي عليك يوم لا بد أن تموت، هل ستصدقه؟ ها، ستصدقه. الموت حق وصدق، كما قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: 16]، بعدما ذكر خلق الإنسان وذكر مراحله، قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾، وقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]. فيقول له: «وتدعوك المنون دعاء صدق، ألا يا صاح أنت أريد، أنت»، يعني يقول لك الموت: أنا أريدك أنت، ما أريد غيرك، ما أريد غيرك، أنا أريدك أنت. فهل أنت مستعد للموت؟ وهذا معنى قول ابن عمر لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، فكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك». هذه موعظة بليغة من هذا الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فلا تقول: أنا الموت بعيد مني، لا. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الموت أقرب إلى أحدكم من شراك نعله»، شراك النعل أقرب ما يكون إلى الإنسان، ملاصق به، قريب منه، وهكذا الموت. لا تقول: لا، الموت سيأخذ غيري، أنا لست معنياً بهذا الموت، ولا سيأتيني في هذا اليوم أو في هذه السنة أو في هذا الشهر، لا. «وتدعوك المنون دعاء صدق، ألا يا صاح أنت أريد، أنت». ثم قال له: «أراك تحب عرساً ذات خدر، أبدت طلاقها الأكياس، بتّ...» المراد وكأن الوقت قد انتهى، الساعة الرابعة، فإن شاء الله نكتفي بهذا، ونعوض المشي في هذه المنظومة إن شاء الله في الأيام القادمة. شكراً.