شرح آيات الصيام 7

شرح آيات الصيام 7

الدرس في شرح آيات الصيام 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم صيام الحامل والمرضع

أجمع العلماء على أن الحامل والمرضع يفطران إذا كان الصيام يؤثر عليهما، مع وجود خلاف في حالة خشيتهما على الجنين أو الرضيع. يُستدل بحديث عن النبي في هذا الشأن.

أحكام أصحاب الأعذار وتطبيقاتها العملية

يُشرح كيفية التعامل مع الأعذار مثل المرض والسفر والحمل، وتطبيق الأحكام الشرعية عليها مثل الإسقاط والقضاء والإطعام. كما يُتناول حكم الإمساك لمن زال عذره في نهار رمضان.

أحكام الإطعام عن الأيام التي أفطر فيها الكبير والمريض

يُفطر الكبير في السن والمريض الذي لا يرجى برؤه ويُطعمون عن كل يوم مسكينًا. يُشرح الفرق بين من فقد عقله ومن عجز عن الصيام بسبب كبر سنه أو مرضه.

التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلَا زِلْنَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي أَحْكَامِ الصِّيَامِ، وَبِالْخُصُوصِ فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ الْوُجُوبِ وَمَنْ يَجِبُ فِي حَقِّهِمْ الصِّيَامُ. فَقَدْ قَالَ عُلَمَاءُ أَنَّ الصِّيَامَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ مُقِيمٍ قَادِرٍ سَلِيمٍ مِنْ الْمَوَانِعِ. وَكَانَ الْكَلَامُ عَلَى الشَّطْرِ الْآخِرِ وَالصِّفَةِ الْأَخِيرَةِ أَنْ يَكُونَ سَالِمًا مِنْ الْمَوَانِعِ. وَأَرَادَ الْعُلَمَاءُ مِنْ السَّلَامِ مِنْ الْمَوَانِعِ إدْخَالُ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْأَرْبَعِ وَهِيَ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَالْحَمْلُ وَالْإِرْضَاعُ. وَبَيَّنَّا أَنَّ الْحَائِضَ وَالنِّفَاسَاءَ لَا تَصُومُ، وَصِيَامُهُمَا إنْ صَامَتَا لَا يَصِحُّ وَلَا يُجْزِئُ. وَنَنْتَقِلُ إلَى الْوَصْفِ الْآخَرِ وَهُوَ وَصْفُ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ. مَا حُكْمُ صِيَامِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ؟ إنْ كَانَتْ الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ يَشُقُّ عَلَيْهِمَا الصِّيَامُ فَإِنَّهُمَا يُفْطِرَانِ. وَلِلْعُلَمَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ تَقْسِيمٌ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي يَكُونُ فِي حَالِ صِيَامِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ. قَالَ عُلَمَاءُ الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إنْ كَانَ الصِّيَامُ يُؤَثِّرُ فِيهِمَا، انْظُرْ هَذَا الْوَصْفَ، إنْ كَانَ الصِّيَامُ يُؤَثِّرُ فِي الْحَامِلِ وَيُؤَثِّرُ فِي الْمُرْضِعِ فِي نَفْسَيْهِمَا، فَإِنَّهُمَا يُفْطِرَانِ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ. لِمَاذَا؟ قَالُوا لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ. فَالصُّورَةُ الْأُولَى: إذَا كَانَتْ الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ يَخْشَيَانِ عَلَى نَفْسَيْهِمَا، فَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ، يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ إجْمَاعًا، لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا لَمْ يَكُنْ يَخْشَيَانِ عَلَى نَفْسَيْهِمَا، وَإِنَّمَا تَخْشَى الْحَامِلُ عَلَى جَنِينِهَا، وَتَخْشَى الْمُرْضِعُ عَلَى صَبِيِّهَا، فَهُنَا فِيهَا خِلَافٌ. وَالصَّحِيحُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمَا يُفْطِرَانِ، وَمَا عَلَيْهِمَا إلَّا الْقَضَاءُ. وَدَلِيلُهُ مَا جَاءَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْكَعْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنْ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ». وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. فَهَذِهِ خُلَاصَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ. وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ بَعْضُ الْمَسَائِلِ النَّادِرَةِ الَّتِي تَنْتَقِلُ مِنْ الْقَضَاءِ إلَى غَيْرِهِ، لَكِنْ لَيْسَ الْمَقَامُ مَقَامَ بَحْثِهِ. وَبِهَذَا انْتَهَيْنَا مِنْ ذِكْرِ الصِّفَاتِ السِّتِّ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَوَفَّرَ فِي أَهْلِ الْوُجُوبِ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، بَالِغًا، عَاقِلًا، مُقِيمًا، قَادِرًا، سَلِيمًا مِنْ الْمَوَانِعِ. وَذَكَرْنَا أَنَّ فِي كُلِّ فِقْرَةٍ وَكُلِّ صِفَةٍ يَخْرُجُ أُنَاسٌ. نَأْتِي الْآنَ إلَى مَسَائِلَ عَامَّةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ. مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ: مَا لَوْ أَنَّ صَاحِبَ عُذْرٍ زَالَ عُذْرُهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. مِثْلُ رَجُلٍ مُسَافِرٍ تَحَرَّكَ مِنْ صَنْعَاءَ، أَفْطَرَ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ، بَلَغَ إلَى بِلَادِهِ قُرْبَ الظُّهْرِ، لَا زَالَ النَّاسُ فِي رَمَضَانَ. هَلْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ مِنْ وُصُولِهِ إلَى بِلَادِهِ؟ لِأَنَّهُ أَصْبَحَ عَلَى وَصْفِ الْإِقَامَةِ. وَهَكَذَا قُلْ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي كَانَ مَرِيضًا فِي الْمُسْتَشْفَى، يَأْكُلُ أَفْطَارًا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لِأَنَّهُ مَرِيضٌ، ثُمَّ أُعْفِيَ وَأُخْرِجَ مِنْ الْمُسْتَشْفَى، وَأَصْبَحَ فِي بَيْتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَامِلُ قُوَاهِ الصِّحِّيَةِ، زَالَ عُذْرُ الْمَرَضِ. هَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ أَمْ يُمْسِكَ؟ وَهَكَذَا أُدْخِلَ مِنْ أُدْخِلَ الْحَائِضُ، امْرَأَةٌ زَالَ حَيْضُهَا وَطَهُرَتْ فِي الظَّهِيرَةِ. هَلْ تُمْسِكُ لِاحْتِرَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَمْ لَا؟ نَعَمْ، ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى ذَلِكَ. وَالصَّحِيحُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يُمْسِكُ، وَأَنَّهُ بِالْخِيَارِ، يَأْكُلُ كَمَا شَاءَ. كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «مَنْ أَفْطَرَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَلْيُفْطِرْ فِي آخِرِهِ». وَتَأْتِي مَسْأَلَةٌ أُخْرَى مُتَعَلِّقَةٌ بِأَهْلِ الْأَعْذَارِ الَّذِينَ سَيُفْطِرُونَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُجَاهَرَةِ. كَوْنُهُمْ يُفْطِرُونَ عُذْرٌ مِنْ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَرُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. هَلْ لَهُمْ أَنْ يُجَاهِرُوا؟ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدٌ صَاحِبُ عُذْرٍ وَيُجِاهِرُ؟ يَأْكُلُ أَمَامَ الْمَلَأِ، عِنْدَ عِيَالِهِ، عِنْدَ أَبْنَائِهِ، عِنْدَ أَقَارِبِهِ، عِنْدَ أَصْحَابِهِ، فِي أَمَاكِنِ الْعَامَةِ، فِي مُجْتَمَعَاتِ النَّاسِ، فِي نَوَادِيهِمْ. الْعُلَمَاءُ تَكَلَّمُوا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَهُنَاكَ تَقْسِيمٌ طَيِّبٌ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ. قَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ نَنْظُرَ لِصَاحِبِ الْعُذْرِ. فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْعُذْرِ عُذْرُهُ وَاضِحٌ جَلِيٌّ، لَا غُمُوضَ فِيهِ وَلَا لُبْسَ، فَهَذَا لَا بَأْسَ أَنْ يُجَاهِرَ بِفِطْرِهِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ التُّهَمَ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ. مِثَالُهُ: مَرِيضٌ، رَجُلٌ مَرِيضٌ عَلَى فِرَاشِهِ، وَعِنْدَهُ الْأَدْوِيَةُ وَالْعَقَاقِيرُ وَالْمُغَذِّيَاتُ وَالْإِبَرُ. فَهَذَا إنْ أَكَلَ وَإنْ شَرِبَ أَمَامَ الْمَلَأِ الَّذِي عِنْدَهُ، عُذْرُهُ وَاضِحٌ، مَا عُذْرُهُ؟ مَرِيضٌ. فَمَا أَحَدٌ سَيَلْتَبِسُ بِهَذَا الشَّخْصِ. وَهَكَذَا قُلْ فِي النِّفَاسِ، امْرَأَةٌ قَدْ نَفَسَتْ وَعِنْدَهَا صَبِيُّهَا وَاضِحٌ. فَهَذِهِ نِفَاسٌ. فَلَا أَحَدَ سَيَتَجَاهَلُ أَنَّ النِّفَاسَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرُهُ وَاضِحًا، فَهَذَا الْأَوْلَى أَنْ لَا يُجَاهِرَ بِفِطْرِهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَتِرُ. مِثَالُهُ: مُسَافِرٌ، رَجُلٌ مُسَافِرٌ لَيْسَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ تَدُلُّ عَلَى سَفَرِهِ، يَسِيرُ فِي الشَّوَارِعِ. تَخَيَّلْ مُسَافِرًا يَأْتِي بِبِسِي شَرَابٍ، يَأْكُلُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. هَذَا عُذْرُهُ غَيْرُ وَاضِحٍ. وَهَكَذَا قَوْلٌ كَذَلِكَ فِي الْحَائِضِ، الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ كَذَلِكَ، لَيْسَ هُنَاكَ عَلَامَةٌ تُمَيِّزُهَا أَنَّهَا حَائِضٌ الْآنَ. فَهِيَ مَاذَا؟ بِكَامِلِ قُوَاهَا الْجَسَدِيَةِ وَالصِّحِّيَةِ، تَسِيرُ فِي الْبَيْتِ. فَهَذِهِ الْأَعْذَارُ الَّتِي عُذْرُهَا لَيْسَ بِوَاضِحٍ لَدَى الْعِيَانِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: فَهَؤُلَاءِ يَسْتَتِرُونَ فِي فِطْرِهِمْ. لِمَاذَا؟ قَالَ الْعُلَمَاءُ لِأُمُورٍ: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: حَتَى لَا يُسَاءَ بِهِمُ الظَّنُّ. تَخَيَّلْ هَذَا مُسَافِرًا الَّذِي لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مُسَافِرٌ. فَإِنْ مَشَى بَيْنَ الْمَطَاعِمِ وَبَيْنَ الْمَقَاهِي وَتَنَاوَلَ الْمَشْرُوبَاتِ، رَمَاهُ النَّاسُ فِي دِينِهِ. قَالُوا: هَذَا رَجُلٌ سَخِيفٌ، هَذَا قَلِيلُ الدِّينِ، هَذَا زِنْدِيقٌ. بَعْضُ الْعَوَامِ كَفَّرَهُ. فَهَذَا زِنْدِيقٌ، هَذَا خَبِيثٌ. كَيْفَ يُجَاهِرُ النَّاسَ بِفِطْرِهِ وَهُوَ عِنْدَهُ عُذْرٌ؟ لَكِنَّ الْإِشْكَالَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَعْرِفُ عُذْرَهُ. فَحَتَى لَا يَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ مِنْ مَوَاطِنِ التُّهَمِ وَالرَّمْيِ فِي الْعِرْضِ، يَسْتَتِرُ فِي سَيَّارَتِهِ، فِي مَكَانٍ خَالٍ، وَفِي بَيْتِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، حَتَى لَا يُطَعَنَ فِي دِينِهِ. وَهَكَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَحَتَى لَا يُقْتَدَى بِهِ أَوْ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ قِبَلِ السُّفَلَةِ. يُوجَدُ فِي مُجْتَمَعَاتِ النَّاسِ مَنْ قَلُّ دِينُهُ. فِي أُنَاسٍ عِنْدَهُمْ قِلَّةُ وَازِعٍ دِينِيٍّ. لَكِنَّ الَّذِي يُرْغِمُهُ عَنْ الصِّيَامِ الْبِيئَةُ. يَرَى الْمُجْتَمَعَ كُلَّهُمْ صُوَّامٌ، فَيَصُومُ، مُجَارَاةً لِبِيئَتِهِ. لَكِنْ إذَا رَأَى شَخْصًا يَتَنَاوَلُ الطَّعَامَ، يَقْتَدِي بِهِ. يَقُولُ: انْظُرْ فُلَانًا، انْظُرْ فُلَانًا، انْظُرْ فُلَانًا. فَيَقْتَدِي بِهَؤُلَاءِ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَصْحَابُ أَعْذَارٍ. هَذَا مُسَافِرٌ، وَذَاكَ مُسَافِرٌ، وَهَذَا مُسَافِرٌ. مُجْتَمَعٌ سَفَرٍ. فَيَأْتِي السَّافِلُ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَلَّ دِينُهُ، فَيَقْتَدِي بِهَؤُلَاءِ، وَيَجْعَلُهَا ذَرِيعَةً لِأَنْ يُجَاهِرَ بِفِطْرِهِ وَيُفْطِرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. فَلِهَذَا فَهَذَا مِنْ التَّقْسِيمِ الطَّيِّبِ فِيمَنْ يُجَاهِرُ بِفِطْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ. يُنْظَرُ: إنْ كَانَ عُذْرُهُ وَاضِحًا جَلِيًّا، فَلَا بَأْسَ إنِ احْتَاجَ إلَى أَنْ يُجَاهِرَ، وَيَأْكُلَ فِي الْمَلَأِ أَكْلًا. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرُهُ وَاضِحًا، فَهَذَا الْأَوْلَى وَالْأَجْدَرُ أَنْ لَا يُجَاهِرَ بِفِطْرِهِ، لِمَا قُلْنَا: حَتَى لَا يُقْتَدَى بِهِ، وَحَتَى لَا يُسَاءَ بِهِ الظَّنُّ. نَأْتِي الْآنَ إلَى مِثْلٍ كَذَلِكَ مُتَعَلِّقٍ بِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ. وَهِيَ: عَرَفْنَا مَنْ هُمْ أَصْحَابُ الْأَعْذَارِ. بَقِيَ: مَا هِيَ الْأَحْكَامُ الَّتِي تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ؟ هَؤُلَاءِ سَيُفْطِرُونَ. الْحَامِلُ تُفْطِرُ، الْمُرْضِعُ تُفْطِرُ، الْمُسَافِرُ يُفْطِرُ، الصَّبِيُّ يُفْطِرُ، الْكَافِرُ يُفْطِرُ، الْمَجْنُونُ يُفْطِرُ، كَبِيرٌ فِي السِّنِّ يُفْطِرُ، الْمَرِيضُ يُرْجَى بُرْؤُهُ يُفْطِرُ، الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ يُفْطِرُ. هَؤُلَاءِ يُفْطِرُونَ بِالْأَدِلَّةِ الْعَامَةِ وَالْخَاصَةِ فِي حَقِّهِمْ. بَقِيَ: مَا الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَسَائِلَ؟ قَالَ الْفُقَهَاءُ: الْأَحْكَامُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ: حُكْمٌ يُسَمَّى بِالْإِسْقَاطِ، وَحُكْمٌ يُسَمَّى بِالْقَضَاءِ، وَحُكْمٌ يُسَمَّى بِالْإِطْعَامِ. هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ تَنْتَابُ أَصْحَابَ الْأَعْذَارِ. مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ الْإِسْقَاطِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ الْإِطْعَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ الْقَضَاءِ. وَخُلَاصَةُ الْكَلَامِ: الصِّنْفُ الْأَوَّلُ، مِنْ هُمْ أَصْحَابُ الْإِسْقَاطِ؟ أَصْحَابُ الْإِسْقَاطِ هُمْ الَّذِينَ لَا يُطَالَبُونَ بِشَيْءٍ، لَا بِصَوْمٍ وَلَا بِقَضَاءٍ وَلَا بِإِطْعَامٍ وَلَا بِفِدْيَةٍ. مَا نُطَالِبُهُمْ بِشَيْءٍ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ: الصَّبِيُّ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَالْمَجْنُونُ قَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ، وَالْكَافِرُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مَا يُطَالَبُونَ بِشَيْءٍ، لَا بِصِيَامٍ بَعْدَ مَا بِالْوُجُوبِ، وَلَا بِصِيَامٍ وَلَا بِإِطْعَامٍ وَلَا بِقَضَاءٍ. الصَّبِيُّ إذَا احْتَلَمَ، هَلْ نُطَالِبُهُ بِمَا مَضَى؟ لَا نُطَالِبُهُ. لِأَنَّهُ صَبِيٌّ، لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ الْقَلَمُ. وَهَكَذَا قُلْ فِي الْمَجْنُونِ، لَا يُطَالَبُ لَا بِصَوْمٍ، وَلَا يُطَالَبُ بِقَضَاءٍ، وَلَا يُطَالَبُ بِإِطْعَامٍ. وَهَكَذَا قُلْ فِي الْكَافِرِ. وَعَلَى هَذَا قَامَ الْإِجْمَاعُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، إلَّا مَا يُذْكَرُ فِي مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ. وَقَدْ مَرَّتْ هَذِهِ. تَذْكُرُونَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُطَالَبُ بِشَيْءٍ، إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. طَالَبَ الْكَافِرَ الْمُرْتَدَّ بِالْقَضَاءِ. قَالُوا: إنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، وَأَصْبَحَ خَمْسَ سِنِينَ فِي أَيَّامِ الرِّدَةِ، ثُمَّ أَسْلَمَ. فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُطَالِبُهُ بِخَمْسِ سِنِينَ أَنْ يَقْضِيَ خَمْسَ رَمَضَانَاتٍ. قَالَ: لِمَاذَا؟ قَالَ: لِأَنَّهُ عَالِمٌ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ بِفَرْضِيَةِ الصِّيَامِ. وَأَمَّا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ عَلَى كُلِّ صُورِهِ، الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ وَالْمُرْتَدُّ، أَنَّهُ مَا يُطَالَبُ لَا بِقَضَاءٍ وَلَا بِطَعَامٍ وَلَا بِشَيْءٍ. هَذَا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ قِسْمٌ مَا يُسَمَّى بِالْإِسْقَاطِ، يُسْقَطُ عَنْهُمْ كُلُّ شَيْءٍ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يُسَمَّى بِأَصْحَابِ الْإِطْعَامِ. هَؤُلَاءِ يُطْعِمُونَ. مَعْنَى يُطْعِمُونَ: أَنَّهُمْ يُفْطِرُونَ، لَكِنْ مَاذَا يُطَالَبُونَ؟ يُطَالَبُونَ بِحِسَابِ الْأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرُوا فِيهَا، ثُمَّ يُطْعِمُونَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. وَهَؤُلَاءِ: الْكَبِيرُ فِي السِّنِّ، وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ. هَذَانِ الصِّنْفَانِ عَلَيْهِمَا مَاذَا؟ الْإِطْعَامُ. رَجُلٌ فِي بَيْتِهِ عِنْدَهُ كَبِيرٌ فِي السِّنِّ، عِنْدَهُ جَدٌّ أَوْ عِنْدَهُ أَبٌ أَوْ عِنْدَهُ عَجُوزٌ كَبُرَ سِنُّهَا وَكَبِرَ سِنُّهُ، مَا اسْتَطَاعُوا عَلَى الصِّيَامِ. فَبَعْضُهُمْ يُفْطِرُ، يُفْطِرُ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَبَعْضُهُمْ جُزْءٌ مِنْ الشَّهْرِ. هُمْ تُحْسَبُ الْأَيَّامُ الَّتِي أَفْطَرُوا فِيهَا. فَإِنْ أَفْطَرُوا شَهْرًا بِأَكْمَلِهِ، عَلَيْكُمْ أَنْ تُطْعِمُوا ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا. أَفْطَرُوا عَشَرَةَ أَيَّامٍ، تُطْعِمُونَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ. هَذَا الَّذِي كَبِرَ سِنُّهُ. وَهَكَذَا الثَّانِي: الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ. وَقَدْ نَبَّهْنَا فِي دَرَسِ أَمْسِ أَنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، الَّذِي لَا يُرْجَى عِلَاجُهُ. مِثْلُ عِنْدَنَا مَرِيضٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُلْيَةِ، أَوْ بَعْضُ الْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ فِي الْمَعِدَةِ وَفِي الْبَطْنِ، الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى الْمَرِيضِ إلَى تَنَاوُلِ الْعِلَاجِ بِالسَّاعَاتِ، كُلَّ سَاعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ عِلَاجٌ، أَوْ كَذَلِكَ شُرْبِ مَاءٍ. بَعْضُ أَصْحَابِ الْكُلْيَةِ لَابُدَّ أَنْ يَشْرَبَ مَاءً. وَأَدْخَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَذَلِكَ فِي حَالَاتِ مَاذَا؟ اسْتِفْحَالِ مَرَضِ السُّكَّرِيِّ، الَّذِي يَحْتَاجُ لِمَاذَا؟ إلَى طَعَامٍ مُعَيَّنٍ، لَابُدَّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. فَبَعْضُ الْأَمْرَاضِ هَذِهِ مُزْمِنَةٌ. فَمَثَلًا إذَا دَخَلَ رَمَضَانَ سَيُفْطِرُ. طَيِّبٌ، نَقُولُ: عَلَيْكُمْ قَضَاءٌ فِي شَوَّالٍ. يَقُولُ: لَازِلْتُ عَلَى دَوَاءٍ، سَأَشْرَبُ فِي شَوَّالٍ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ. فِي ذِي الْحِجَّةِ. مَهْمَا أَخْبَرْتُمُونِي بِالْقَضَاءِ، مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ. هَذَا مَرَضٌ مُسْتَفْحِلٌ فِيهِ، وَالْعِلَاجُ لَابُدَّ أَنْ أَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ حَتَى أَلْقَى اللَّهَ، أَوْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِشِفَاءٍ مِنْ عِنْدِهِ. هَذَا الْأَصْلُ مَرِيضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ. فَهَذَا الْعُلَمَاءُ قَالَ: إذَا لَا يَسْتَطِيعُ الْقَضَاءَ، فَمَاذَا عَلَيْهِ؟ عَلَيْهِ الْإِطْعَامُ. يَطْعَمُ، يُحْسَبُ الْأَيَّامُ الَّتِي أَفْطَرَ فِيهَا. صَامَ أَفْطَرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، مَاذَا يَطْعَمُ؟ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا. وَسَتَأْتِي -إخْوَانِي- مِثَالٌ خَاصٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِطْعَامِ وَبِالْفِدْيَةِ، مَا يَتَعَلَّقُ بِكَمِّيَّتِهَا وَوَقْتِهَا وَزَمَنِهَا وَصِفَتِهَا. يُتْرَكُ هَذَا فِي دَرَسٍ آخَرَ. لَكِنْ نَبَّهْنَا عَلَى أَمْرٍ، وَهَذَا الْأَمْرُ قَدْ يَغْفُلُ عَنْهُ بَعْضُ النَّاسِ مِمَّنْ عِنْدَهُمْ كِبَارُ سِنٍّ. مَنْ كَانَ عِنْدَهُ كَبِيرٌ فِي السِّنِّ، يَنْبَغِي التَّفْرِيقُ. رَجُلٌ عِنْدَهُ كَبِيرٌ فِي السِّنِّ، عِنْدَهُ جَدٌّ أَوْ جَدَّةٌ فِي الْبَيْتِ، مَا تَسْتَطِيعُ عَلَى الصِّيَامِ. بِغَيْضِ أَنْ تَعْرِفَ: مَا الْعِلَّةُ الَّتِي جَعَلَتْ هَذَا الْكَبِيرَ فِي السِّنِّ لَا يَصُومُ؟ هَلْ هُوَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ أَوْ عَدَمُ وُجُودِ الْعَقْلِ؟ لِأَنَّ عَلَى تَبَنِّيكَ عَلَى أَحَدِ الْمَسَأَلَتَيْنِ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ. فَمَثَلًا: إنْ كَانَ عِنْدَكَ كَبِيرٌ فِي السِّنِّ مَا يَسْتَطِيعُ عَلَى الصِّيَامِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ مُخَرَّفٌ، ذَهَبَ عَقْلُهُ، مَا يَسْتَطِيعُ. أَصْبَحَ الْجَدُّ مَا يَعْقِلُ شَيْئًا، لَا يَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنْ النَّهَارِ، وَالصُّبْحَ مِنْ الْمَسَاءِ، لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي شَوَّالٍ. هَذَا زَالَ عَقْلُهُ. هَذَا يُفْطِرُ، لَكِنْ هَلْ عَلَيْهِ إطْعَامٌ؟ لَيْسَ عَلَيْهِ إطْعَامٌ. لِأَنَّهُ أَصْبَحَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِسْقَاطِ، مِنْ زَالَ عَقْلُهُ. يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَآخِرٌ: رَجُلٌ عِنْدَهُ كَبِيرٌ فِي السِّنِّ، لِمَاذَا مَا يَصُومُ؟ جَدُّكَ أَوْ أَبُوكَ قَالَ: أَبِي مَا يَسْتَطِيعُ، مَا عِنْدَهُ قُدْرَةٌ، يَعْجَزُ. عِنْدَهُ عَقْلٌ، عِنْدَهُ عَقْلٌ، لَكِنْ مَا عِنْدَهُ قُدْرَةٌ. إذَنْ هَذَا يُفْطِرُ، لَكِنْ يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. انْظُرْ: هَذَا كَبِيرٌ فِي السِّنِّ، وَهَذَا كَبِيرٌ فِي السِّنِّ. هَذَا يُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ، وَهَذَا يُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ. لَكِنْ هَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهَذَا عَلَيْهِ قَضَاءٌ. لِمَاذَا؟ هَذَا الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، لِأَنَّ عَقْلَهُ زَالَ. فَالْكَبِيرُ فِي السِّنِّ، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، إنْ زَالَ عَقْلُهُ، أَصْبَحَ مُخَرَّفًا، لَا يَعِي وَلَا يَعْقِلُ. فَهَذَا إنْ أَفْطَرَ، أَفْطَرَ، لَا يُطَالَبُ وَلِيُّهُ بِشَيْءٍ، لَا إطْعَامَ وَلَا قَضَاءَ وَلَا فِدْيَةَ وَلَا شَيْءَ. لِأَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الْإِسْقَاطِ. بِخِلَافِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ كَبِيرٌ فِي السِّنِّ، وَإِنَّمَا أَفْطَرَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ وَلِعَجْزِهِ. هَذَا يُحْسَبُ الْأَيَّامُ، ثُمَّ يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قِسْمُ الْقَضَاءِ. قِسْمُ الْقَضَاءِ هُمْ الَّذِينَ يُف