شرح آيات الصيام 8

شرح آيات الصيام 8

الدرس في شرح آيات الصيام 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام أصحاب الأعذار وبيان حالات الفدية

يتناول هذا الفصل أحكام أصحاب الأعذار، خاصة الإطعام والفدية، ويوضح الشروط التي يجب توافرها لإخراج الفدية بدلاً من الصيام والقضاء. يُبين أن الفدية تكون لمن عجز عن الصيام لسبب شرعي.

تفاصيل الفدية ومقدارها ونوعيتها

يشرح هذا الفصل تفاصيل الفدية، حيث يوضح مقدارها ونوعيتها، ويبين آراء العلماء في ذلك. يشير إلى أن الفدية تكون نصف صاع من غالب قوت البلد.

إخراج الفدية وآدابها وتفاصيلها العملية

يناقش هذا الفصل تفاصيل إخراج الفدية للمريض أو الكبير في السن، ويشير إلى أن الأفضل أن يكون الطعام جاهزًا، وأن وقت إخراجها متسع خلال شهر رمضان أو بعده. يُوضح أيضًا جواز توكيل شخص لإطعام المساكين نيابة عن المكلف.

التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، كَانَ الْكَلَامُ إخْوَانِي فِي الدَّرْسِ الْمَاضِي أَوْ فِي دَرَسِ أَمْسِ عَنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ وَاَلَّذِينَ أُرْخِصَ فِي حَقِّهِمْ الْفِطْرُ، ثُمَّ كَانَ الْكَلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ وَأَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ: إِمَّا الْإِسْقَاطُ، وَإِمَّا الْإِطْعَامُ، وَإِمَّا الْقَضَاءُ. فَالْآنَ بِإِذْنِ اللَّهِ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ الثَّلَاثَةِ. أَمَّا الْحُكْمُ الْأَوَّلُ، مَا يُسَمَّى بِالْإِسْقَاطِ، فَلَيْسَ هُنَاكَ مَزِيدُ حَدِيثٍ عَنْهُ، فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاضِحٌ. فَالصَّبِيُّ قَبْلَ الِاحْتِلَامِ، وَالْكَافِرُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَالْمَجْنُونُ قَبْلَ الْإِفَاقَةِ، هَؤُلَاءِ لَا يُخَاطَبُونَ لَا بِصِيَامٍ وَلَا بِقَضَاءٍ وَلَا بِطَعَامٍ، فَيُسْقِطُ عَنْهُمْ كُلُّ شَيْءٍ. فَهَذَا الْأَصْلُ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الْعَامَةُ تَدُورُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي، إلَّا مَبَاحِثَ دَقِيقَةً لَيْسَ هَذَا الْمَقَامُ مَقَامَ ذِكْرِهَا. فَالْإِسْقَاطُ يُسْقِطُ عَنْهُمْ كُلَّ شَيْءٍ. الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ مَا تُسَمَّى بِأَصْحَابِ الْإِطْعَامِ أَوْ مَا يُسَمَّى أَيْضًا بِأَصْحَابِ الْفِدْيَةِ، الْفِدْيَةُ وَالْإِطْعَامُ وَالْفِدْيَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ الْإِطْعَامُ أَوْسَعَ. الْإِطْعَامُ أَوْسَعُ مِنْ الْفِدْيَةِ، فَالْإِطْعَامُ عِبَارَةٌ عَنْ طَعَامٍ يُدْفَعُ لِمَسَاكِينَ. وَأَمَّا الْفِدْيَةُ فَهِيَ إثْمٌ لِلْقَدْرِ الْوَاجِبِ، فَالْإِطْعَامُ أَعَمُّ مِنْ الْفِدْيَةِ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَوْعِيَةِ الْفِدْيَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مِنْ هُمْ أَصْحَابُ الْفِدْيَةِ أَوْ مِنْ هُمْ أَصْحَابُ الْإِطْعَامِ؟ مَرَّ مَعَنَا فِي دَرَسِ أَمْسِ أَنَّ الَّذِي يُطْعِمُ هُوَ الَّذِي عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْكَبِيرُ فِي السِّنِّ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ طَاقَةٌ وَلَا قُدْرَةٌ عَلَى الصِّيَامِ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، مَرِيضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ عَجَزَ عَنْ الصِّيَامِ، فَهَذَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَصُومَ لَا غَدًا وَلَا فِي يَوْمٍ وَلَا فِي غَدٍ وَلَا بَعْدَ غَدٍ، فَهَذَا يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. وَهَكَذَا الَّذِي كَبُرَ سِنُّهُ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا دَخَلَ فِي الْعُمُرِ كُلَّمَا زَادَ ضَعْفُهُ، فَهَذَا يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْإِطْعَامِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَلَا يُصَارُ لِلْفِدْيَةِ إلَّا عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ الْقَضَاءِ»، لَا يُصَارُ لِلْفِدْيَةِ إلَّا عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ الْقَضَاءِ. هَذِهِ الْقَاعِدَةُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسِيرَ عَلَيْهَا، مَا يَنْتَقِلُ أَحَدٌ مِنْ الْقَضَاءِ إلَى الْفِدْيَةِ إلَّا إذَا يَئِسَ مِنْ الْقَضَاءِ، رَأَى أَنَّ بَابَ الْقَضَاءِ مُغْلَقٌ عَلَيْهِ، كَهَذِهِ الْحَالَةِ كَبِيرٌ فِي السِّنِّ، مَتَى سَيَقْضِي؟ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْضِيَ لِكِبَرِ سِنِّهِ لِضَعْفِهِ، فَهَذَا بَابُ الْقَضَاءِ مَيْؤُوسٌ عِنْدَهُ، فَهَذَا يَنْتَقِلُ لِلْفِدْيَةِ. وَهَكَذَا الَّذِي مَرِضَ وَمَرَضُهُ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، لَا يُرْجَى عِلَاجُهُ وَلَا شِفَاؤُهُ، هَذَا قَدْ أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُ الْقَضَاءِ، فَهَذَا يَتَحَوَّلُ إلَى الْفِدْيَةِ. فَلَا يَتَوَسَّعُ فِي هَذَا الْبَابِ، فَبَعْضُ النَّاسِ مَثَلًا عِنْدَهُ أَبٌ قَدْ كَبُرَ سِنُّهُ، قَدْ بَلَغَ السَّبْعِينَ، لَكِنْ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الصِّيَامِ وَعِنْدَهُ قُدْرِ عَلَى الْقَضَاءِ، فَلَا يَنْتَقِلُ لِلْفِدْيَةِ، لَيْسَتْ الْفِدْيَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالسِّنِّ الْمُعَيَّنِ، إنَّمَا الْفِدْيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِاَلَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْقَضَاءَ. فَالْفِدْيَةُ بَدَلٌ عَنْ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْضِيَ، عَجَزَ، يَئِسَ عَنْ الْقَضَاءِ، يُفْتَحُ لَهُ بَابُ الْفِدْيَةِ. أَمَّا أَنْتَ عِنْدَكَ قُدْرَةٌ عَلَى الْقَضَاءِ، لَا تَفْتَحْ عَنْ نَفْسِكَ بَابَ الْفِدْيَةِ، بَلْ لَا تَجْزَأُ لَكَ. وَقَدْ تَوَسَّعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُعَاصِرِينَ فِي بَابِ الْفِدْيَةِ، حَيْثُ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ تَوَسَّعَ فَأَدْخَلَ فِي بَابِ الْفِدْيَةِ مَثَلًا أَصْحَابَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَةِ، قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَمَلٌ شَاقٌّ، مِهْنَةٌ عَضْلِيَّةٌ، فَهَذَا تُحَوَّلُ الْفِدْيَةُ. وَأَدْخَلَ بَعْضُهُمْ مَنْ كَانَ فِي السُّجُونِ، أَصْحَابَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَةِ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَيْضًا يُحَوَّلُونَ إلَى الْفِدْيَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَدْخَلَ أَيْضًا أَصْحَابَ الْمَنَاجِمِ، مَنَاجِمِ الْفَحْمِ، قَالَ: هَؤُلَاءِ أَيْضًا يُحَوَّلُونَ إلَى الْفِدْيَةِ. وَهَذَا تَوَسُّعٌ، هَذَا تَوَسُّعٌ لَيْسَ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. لَا يُفْتَحُ بَابُ الْفِدْيَةِ لِكُلِّ أَحَدٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «لَا يُصَارُ لِلْفِدْيَةِ إلَّا لِمَنْ يَئِسَ مِنْ الْقَضَاءِ»، يَئِسَ مِنْ الْقَضَاءِ، عَجَزَ عَنْ الْقَضَاءِ لِحُكْمٍ، لِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ، يَتَحَوَّلُ لِلْفِدْيَةِ. أَمَّا أَنْ يُفْتَحَ الْبَابُ هَكَذَا، إدْخَالُ أَصْحَابِ الْأَعْمَالِ وَالْمِهَنِ، أَصْحَابِ السُّجُونِ، وَأَصْحَابِ الْمَنَاجِمِ، إلَى غَيْرِ هَؤُلَاءِ، لَا، أَصْبَحَ فِي الدِّينِ تَلَاعُبٌ. لِهَذَا يُغْلَقُ هَذَا الْبَابُ، يُغْلَقُ هَذَا الْبَابُ. فَمَنْ يَئِسَ وَهَكَذَا مَنْ عَجَزَ عَنْ الْقَضَاءِ يَتَحَوَّلُ إلَى الْفِدْيَةِ. وَقَدْ أَدْخَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، أَدْخَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الْفِدْيَةِ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَمَثَّلُوا بِالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ. وَهَذَا تَنَزُّلًا لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ، أَدْخَلُوا الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ. قَدْ يُوجَدُ هَذِهِ الصُّورَةُ: امْرَأَةٌ دَخَلَ عَلَيْهَا رَمَضَانُ، قَالَتْ: مَا أَصُومُ، أَنَا حَامِلٌ فِي هَذَا الْعَامِ، وَالْحَامِلُ يُضْعِفُنِي الصَّوْمُ، يُضْعِفُنِي، أَفْطَرَتْ. جَاءَ الْعَامُ الْمَاضِي، أَفْطَرَتْ، إذْ بِهَا مُرْضِعٌ، قَالَتْ: مَا أَسْتَطِيعُ عَلَى الصِّيَامِ، أَنَا مُرْضِعٌ. جَاءَ الْعَامُ الَّذِي بَعْدَهُ، لَرُبَّمَا تَكُونُ فِي الرَّضَاعِ لَا زَالَتْ، أَوْ تَكُونُ قَدْ حَمَلَتْ بِحَمْلٍ آخَرَ، قَالَتْ: أَنَا حَامِلٌ، مَا أَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ. الْعَامُ الَّذِي بَعْدَهُ: أَنَا مُرْضِعٌ، وَهَكَذَا يَتَوَالَى عَلَيْهَا الصِّيَامُ مَعَ الرَّضَاعِ، الصِّيَامُ وَالرَّضَاعُ، هَذِهِ السَّنَةُ حَامِلٌ، السَّنَةُ الثَّانِيَةُ مُرْضِعٌ، الثَّالِثَةُ مُرْضِعٌ، ثُمَّ حَامِلٌ، ثُمَّ مُرْضِعٌ، ثُمَّ مُرْضِعٌ، تَخَيَّلْ كَمْ رَمَضَانُ يَمْشِي عَلَيْهَا كَثِيرٌ. فَهَذِهِ إشْكَالٌ أَنْ تَقْضِيَ، كَمْ سَتَقْضِي؟ لَيْسَ شَهْرًا وَلَا تَقْضِي بِشَهْرَيْنِ وَلَا فِي ثَلَاثٍ وَلَا فِي أَرْبَعٍ وَلَا فِي خَمْسٍ، سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ عَجَزَتْ أَشْهُرٍ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمَرْأَةُ إذَا كَانَ هَذَا حَالُهَا، وَشَقَّ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ، حِينَئِذٍ تَنْتَقِلُ لِلْفِدْيَةِ. وَهَذَا كَمَا قُلْنَا عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَبِهِ حَمَلُوا الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، كَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، حَمَلُوهَا عَلَى هَذَا. وَإِلَّا الْأَصْلُ كَمَا مَرَّ مَعَنَا فِي دَرَسِ أَمْسِ: أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ عَلَيْهَا أَنْ تَقْضِيَ، تَحْسُبُ الْأَيَّامَ الَّتِي أَفْطَرَتْهَا، ثُمَّ تَقْضِيَ. لَكِنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةً قَدْ تَكُونُ شَاذَّةً، قَدْ تَكُونُ نَادِرَةً فِي حَقِّ مَنْ تَتَابَعَ عَلَيْهَا الْحَمْلُ وَالْإِرْضَاعُ شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ، رَمَضَانُ بَعْدَ رَمَضَانٍ، مَا اسْتَطَاعَتْ. فَهَذَا مَا إذَا شَقَّ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ، تَنْتَقِلُ لِلْفِدْيَةِ. وَإِلَّا الْأَصْلُ الْقَضَاءُ. فَالشَّاهِدُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ: أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ أَصْحَابَ الْفِدْيَةِ هُوَ كُلُّ مَنْ يَئِسَ مِنْ الْقَضَاءِ. وَذَكَرَ لَنَا الشَّرْعُ الْمَرِيضَ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَهَذَا بِجَمَاعِ الْفُقَهَاءِ. وَهَكَذَا الْكَبِيرُ الَّذِي عَجَزَ عَنْ الصِّيَامِ، فَهَؤُلَاءِ يُطْعِمُونَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. وَكَذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْفِدْيَةِ: مَا مِقْدَارُ الْفِدْيَةِ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْدِيدِ الْمِقْدَارِ. فَذَهَبَ الْبَعْضُ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَفْطَرَ وَانْتَقَلَ لِلْفِدْيَةِ، عَلَيْهِ أَنْ يُفْدِيَ بِمِقْدَارِ نِصْفِ صَاعٍ. وَنِصْفُ صَاعٍ يُقَدَّرُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ بِالْأَوْزَانِ بِكِيلُوٍ، نِصْفُ تَقْرِيبًا، هَذَا نِصْفُ صَاعٍ. وَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى صَاعٍ، وَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى مُدٍّ. وَخِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ لِعَدَمِ وُجُودِ نَصٍّ شَرْعِيٍّ مُحَدَّدٍ فِي ذِكْرِ مِقْدَارِ الْفِدْيَةِ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْدِيدِ. وَإِنْ كَانَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ نِصْفُ صَاعٍ. بِأَنْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَهُ، يُفْدِي بِنِصْفِ صَاعٍ. وَكَمَا قُلْنَا: نِصْفُ صَاعٍ يُقَدَّرُ الْآنَ بِكِيلُوٍ وَنِصْفٍ، كِيلُوٍ وَنِصْفٍ مِنْ مَاذَا؟ تَأْتِي الْآنَ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ، وَالثَّالِثَةُ مِنْ الْفِدْيَةِ: مَا هِيَ نَوْعِيَةُ الْفِدْيَةِ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الَّذِي سَيُخْرِجُ مِنْ مَاذَا؟ مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْبُرِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى غَيْرِهِ. وَالصَّحِيحُ، وَهُوَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُفْدِيَ، يُخْرِجُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، يُخْرِجُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ بَلَدَةٌ وَاشْتَهَرَ عَلَيْهَا قُوتٌ مُعَيَّنٌ، يَتَنَاوَلُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَتَكُونُ الْفِدْيَةُ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ. مَثَلًا فِي مُجْتَمَعَاتِنَا نَحْنُ، يَشْتَهِرُ عِنْدَنَا الْأَرُزُّ، الْأَرُزُّ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى قُوتِ الْبَلَدِ، إذًا فَتَكُونُ الْفِدْيَةُ مِنْ الْأَرُزِّ. بَعْضُ الْمَنَاطِقِ مَا يَتَعَامَلُونَ بِالْأَرُزِّ، أَكْثَرُ شُغْلِهِمْ عَلَى الْبُرِّ، عَلَى الْخُبْزِ، وَنَحْنُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ الْفِدْيَةُ مِنْ الْبُرِّ. وَهَكَذَا يُنْظَرُ فِي غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، فَتَكُونُ الْفِدْيَةُ مِنْهُ. فَعَلَى هَذَا: فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، يُطْعِمُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، يُخْرِجُ نِصْفَ صَاعٍ، وَهَذَا عَلَى قَوْلٍ رَاجِحٍ. وَإِلَّا مَثَلًا فِي ذَلِكَ سَعَةٌ، لَكِنْ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ: يُخْرِجُ نِصْفَ صَاعٍ، أَيْ كِيلُوٍ وَنِصْفٍ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمِقْدَارِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّوْعِيَةِ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَمْرٍ نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ، قَالُوا: هَذَا كَانَ طَعَامًا عِنْدَ الْأَوَائِلِ، كَانَ أَمْرًا مُيَسَّرًا عِنْدَهُمْ، كَانَ الطَّعَامُ يُخْرَجُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، فَلَا يَجِدُ هُنَاكَ الْمِسْكِينُ التَّعَبَ وَالْحَرَجَ فِي طَبْخِهِ وَفِي طَهْيِهِ، بِخِلَافِ هَذِهِ الْأَيَّامِ. فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَالَ: يُحَبَّذُ، وَلَيْسَ هَذَا وَاجِبًا، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ: أَنْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ فِدْيَةً، أَنْ تَكُونَ إطْعَامًا، أَنْ تَكُونَ طَعَامًا يُصْلِحُ الْفَمَ مُبَاشَرَةً، يُصْلِحُ الْفَمَ مُبَاشَرَةً. قَالُوا: مَثَلًا لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ أَرُزًّا، أَرُزٌّ سَيُطْرَقُ عَلَى الْمَسَاكِينِ بَابَهُمْ، قُلْ: خُذُوا هَذِهِ فِدْيَةً، إطْعَامًا لَكُمْ. إذَا كَانَ مِسْكِينًا بِمَعْنَى الْكَلِمَةِ، مِسْكِينًا، مَا الَّذِي سَيَفْعَلُ بِهَذَا الْأَرُزِّ؟ سَيَتْعَبُ مِنْ بَعْدِكَ، سَيَتْعَبُ مِنْ بَعْدِكَ، يَحْتَاجُ إلَى طَبْخٍ، وَتَخَيَّلْ طَبْخُ الْأَرُزِّ إلَى مَاءٍ، إلَى غَازٍ، إلَى سَلَطَةٍ، إلَى زَيْتٍ، إلَى إدَامٍ، إلَى حَوَائِجَ، إلَى مِلْحٍ، مَاذَا تَكَلَّفَ؟ تَكَلَّفَ مِنْ بَعْدِكَ، تَكَلَّفَ مِنْ بَعْدِكَ. فَأَصْبَحَ هَذَا شَيْءٌ يَشُقُّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأَوَائِلِ، كَانَ الطَّعَامُ عِنْدَهُمْ، لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ كَلَفَةٌ، يُؤْتَى بِالطَّعَامِ، يُعْجَنُ، يُخْبَزُ، يُؤْكَلُ. أَمَّا هَذَا يَحْتَاجُ إلَى طَهْيٍ، يَحْتَاجُ إلَى اسْتِعْدَادٍ، يَحْتَاجُ إلَى عِدَّةٍ مِنْ بَعْدِكَ. فَأَحَبَّ أَوْ اسْتَحَبَّ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنْ يَكُونَ الْفِدْيَةُ جَاهِزَةً، بَدَلَ أَنْ تَأْتِيَ بِرِزٍّ، تَأْتِي بِمَطْبُوخٍ، تَقُولُ: يَا فُلَانُ، هَذِهِ فِدْيَةٌ لَكَ، كُلْهَا، خُذْهَا جَاهِزَةً، فَهَذَا أَفْضَلُ. وَإِلَّا فَنَقُولُ: الْكُلُّ جَائِزٌ، مَنْ أَخْرَجَ الطَّعَامَ أَوْ أَخْرَجَ الْفِدْيَةَ نِيئًا أَوْ مَطْبُوخًا، الْكُلُّ مُجْزِئٌ. لَكِنَّنَا نُرِيدُ الْأَكْمَلَ وَالْأَفْضَلَ أَنْ يَكُونَ جَاهِزًا، وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ إذَا كَانَ جَاهِزًا، كَانَ فِي ذَلِكَ يُسْرٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَفَرَحٌ لَهُمْ، وَرَفْعُ الْكَلَفِ عَنْهُمْ. فَمَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ كَفَاهُ، وَمَنْ اسْتَطَاعَ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِالْحُبُوبِ، فَهَذَا لَهُ، وَعَلَى هَذَا فَتُوَى الْعُلَمَاءِ. فَالْكُلُّ جَائِزٌ، وَالْكُلُّ مُجْزِئٌ، إخْرَاجُ الْفِدْيَةِ نِيئًا أَوْ إخْرَاجُهَا مَطْبُوخًا، فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ كَمَا قُلْنَا أَنْ يَكُونَ مَطْبُوخًا. كَذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْفِدْيَةِ: وَقْتُ الْإِخْرَاجِ. الرَّجُلُ يَسْأَلُ، يَقُولُ: إنَّ عِنْدِي أَبًا أَوْ عِنْدِي عَجُوزًا فِي الْبَيْتِ، أَفْطَرَتْ فِي رَمَضَانَ لِكِبَرِ سِنِّهَا، وَأَفْطَرَتْ عِشْرِينَ يَوْمًا، ثَلَاثِينَ يَوْمًا، أَشَارَ كُلَّهُ، تُرِيدُ الْفِدْيَةَ، مَاذَا عَلَيْهَا؟ قُلْنَا: عَلَيْهِ الْإِطْعَامُ، طَيِّبٌ، مَتَى الْإِطْعَامُ؟ الْعُلَمَاءُ قَالُوا: الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ. مَنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ الْمَسَاكِينِ فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، فَعَلَ، فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ فَعَلَ، فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَعَلَ، بَعْدَ رَمَضَانَ فَعَلَ، الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ، إلَّا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُخْرِجَ الْفِدْيَةَ فِيهِ، مَتَى؟ قَالُوا: قَبْلَ الشَّهْرِ. لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُخْرِجَ الْفِدْيَةَ قَبْلَ الشَّهْرِ، مِثْلَ الرَّجُلِ كَبُرَ سِنُّهُ وَاعْتَادَ أَنْ يُخْرِجَ الْفِدْيَةَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، قَدْ كَبُرَ فِي السِّنِّ، عِتِيٌّ تِسْعِينَ سَنَةً، مَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ، فَقَالَ: يَا ابْنِي، أَنَا أُرِيدُ هَذِهِ السَّنَةَ، يُشَارِعُ مِنْ شَعْبَانَ، سَأُخْرِجُ الْفِدْيَةَ مِنْ شَعْبَانَ، فَهَلْ هَذَا يَجُوزُ؟ هَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا يُجْزِئُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: الَّذِي يُخْرِجُ الْفِدْيَةَ قَبْلَ رَمَضَانَ، حَالُهُ كَالَّذِي يَصُومُ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ، هَلْ يَتَوَقَّعُ ذَلِكَ أَنْ يَصُومَ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ؟ لَا يُمْكِنُهُ، وَهَكَذَا مَنْ أَخْرَجَ الْفِدْيَةَ قَبْلَ الشَّهْرِ، لَا تُجْزِئُهُ. فَأَمَّا لَكَ سَعَةٌ، لَكَ أَنْ تُخْرِجَ الْفِدْيَةَ عَنْ الْمَسَاكِينِ فِي طُولِ الشَّهْرِ، إنْ شِئْتَ فِي أَثْنَائِهِ، إنْ شِئْتَ فِي وَسَطِهِ، إنْ شِئْتَ فِي آخِرِهِ. وَكَذَلِكَ وَلَوْ بَعْدَ رَمَضَانَ، مَاذَا تُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ الَّذِينَ مَاذَا هُمْ فِي ذِمَّتِكَ؟ كَذَلِكَ. وَالْمِثَالُ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِدْيَةِ: إخْرَاجُ الْمَالِ، هَلْ يُمْكِنُ وَهَلْ يُجْزِئُ أَنْ تُخْرِجَ الْفِدْيَةَ مَالًا؟ الْجَوَابُ: لَا، لَا يَجُوزُ أَنْ تُخْرِجَ فِدْيَةً مَالًا، وَلِذَلِكَ لِنَصِّ الْقُرْآنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَفِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، أَخْبَرَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا أَنَّ الْفِدْيَةَ تَكُونُ طَعَامًا. فَلَا يَنْفَعُ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَأْتِيَ إلَى فَقِيرٍ: خُذْ هَذَا مَبْلَغًا مِنْ الْمَالِ، تَصَرَّفْ بِهِ، فَأَتَى الْمِسْكِينُ، وَيَشْتَرِي كِسْوَةً، وَيَشْتَرِي بَدْلَةً، وَيَشْتَرِي نِعَالًا، أَوْ يَشْتَرِي أَثَاثًا، أَوْ يَشْتَرِي دَبَاسَ الْعِيدِ، هَذَا مَا يَجُوزُ، هَذَا مَا يَنْفَعُ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا أَمَرَ بِإِطْعَامٍ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ طَعَامُ مِسْكِينٍ، يُطْعِمُ، يَدْخُلُ فِي جَوْفِهِ، يُطْعِمُهُ. لَكِنِ انْتَبِهُوا، هَذَا خِلَافُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ التَّوْكِيلِ، بِأَمْرِ التَّوْكِيلِ. بَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: يَا أَخِي، أَنَا عِنْدِي كَبِيرٌ فِي السِّنِّ، قَدْ أَفْطَرَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، قُلْنَا: خَلَاصُ أَطْعِمْ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ، فَيَقُولُ: أَنَا كَيْفَ أُطْعِمُهُمْ وَأَنَا أُحَصِّلُهُمْ؟ يَقُولُ: أَخِي الْفُقَرَاءُ كَثُرُوا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، وَيَقُولُ: أَنَا مَا أَسْتَطِيعُ، وَأَنَا مَا أُوفِقُ، وَمَا أَنَا أَعْرِفُ، أَنْتَ رَجُلٌ، أَنَا أَعْرِفُكَ، لَكَ عَلَاقَةٌ بِالْمَسَاكِينِ، لَكَ ارْتِبَاطٌ بِهِمْ، لَكَ عَلَاقَةٌ مَعَهُمْ، أَنَا أُوَكِّلُكَ، سَأُعْطِيكَ مَالًا، هَذَا الْمَالُ أَنْ تَقُومَ بِدَوْرِكَ، تُطْعِمُ، هَلْ هَذَا يَجُوزُ؟ هَذَا يَجُوزُ. هُوَ أَخْرَجَ مَالًا، نَعَمْ، ل