الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث هذا الفصل عن قصة إبراهيم عليه السلام وتفاصيل حياته وهجرته إلى مكة، وكذلك قصة لوط عليه السلام ومعاناته مع قومه. يغطي هذا الفصل الأحداث الرئيسية المتعلقة بهما.
يتناول هذا الفصل تفاصيل استقبال لوط عليه السلام للملائكة ومحاولاته لحمايتهم من قومه الذين كانوا يرتكبون الفواحش، ويشرح كيف حاول إقناعهم بالعدول عن نواياهم السيئة.
يصف هذا الفصل العذاب الذي نزل على قوم لوط نتيجة أفعالهم، وكيف نجّى الله لوطا وأهله من العذاب، مشيراً إلى تفاصيل الأحداث التي أدت إلى تدمير قوم لوط.
يركز هذا الفصل على قصة بناء الكعبة المشرفة على يد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وتنظيفها وتطهيرها، وأمر الله إبراهيم بأن يؤذن في الناس بالحج.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن خليل الله، خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وأشرنا إلى أهم المسائل أو الأحداث التي وقعت لإبراهيم عليه السلام. بدءًا من حيث ولد في أرض العراق، ثم ما وقع من إرادة قتله بذلك الحريق، ثم هاجر متوجها إلى أرض الشام، وذلك إلى بلاد حران، ولقي هناك عباد النجوم والكواكب، ثم نزل وجلس واستقر في فلسطين، وجعلها مقرا لإقامته، فهو يخرج ويعود إليها. وكان معه لوط بصحبته، وهناك نزلت عليه النبوة، فاستقر إبراهيم في فلسطين، وأما لوط عليه السلام فذهب إلى جهة الأردن. ثم كان من نزول إبراهيم عليه السلام مع سارة إلى أرض مصر، وأشرنا إلى ما جرى من تلك الحادثة مع ذلك الجبار الذي أنقذ الله جل وعلا سارة. وكان إبراهيم عليه السلام في تلك الفترة يصلي عندما أخذت سارة منه، يصلي يلتجئ إلى أن رجعت، ولا زال في صلاة يدعو ربه جل وعلا، وحقق الله المراد، فلم يمسها الظالم بأي سوء، بل أعطاها هاجر، وكانت هاجر من نصيب سارة، ثم قامت سارة وأعطت هاجر إلى إبراهيم خادما، فكان أن حملت هاجر بإسماعيل. وجاء في البخاري أن هاجر أرادت أن تخفي الحمل عن سارة، فاتخذت المنطق، والمنطق هو الذي يربط في البطن كحزام، وإنما فعلت هاجر هذا لكي تخفي أثر الحمل عن سارة، لأن سارة كانت شديدة الغيرة. ثم نزل إبراهيم عليه السلام بهاجر وابنها إسماعيل إلى مكة قبل أن يبنى البيت، وكان هذا النزول الأول، فأبقاهم في هذا الوادي غير ذي زرع، امتثالا لأمر الله جل وعلا، ثم رجع إبراهيم عليه السلام إلى أرض فلسطين. ثم رجع إبراهيم عليه السلام مرة أخرى إلى مكة، ورجع إلى ولده إسماعيل، وقد بلغ معه السعي، أي أصبح مبلغا قد كبر يسعى فيه. لكن لماذا أتى إليه هذه المرة؟ وهذا النزول الثاني، نزل إليه هذه المرة لكي ينفذ أمر الله، وهو الذبح. قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك، وانظر ماذا ترى. قال يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين. فلما أسلم كلاهما، إبراهيم لأمر الذبح وإسماعيل بأن يذبح، فلما أسلم وتلّه للجبين، ما هناك تردد إبراهيم، ما أراد أن يتردد. ولما أسلم وتلّه للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، هذا كاف فيما كان من امتثالك، ولهذا حال الله بينه وبين الذبح، وفديناه بذبح عظيم. ولعظيم ما أبدى به إبراهيم عليه السلام من هذا الإنجاز العظيم، جازاه الله جل وعلا بجائزة في الدنيا قبل الآخرة، وهي أن الله بشره بغلام، بشره بغلام وهو إسحاق. وهنا تنبيه، التنبيه الأول، طبعا هذه البشرى لم تأت هنا، ستأتي في مقام آخر، بشر بها إبراهيم عليه السلام بأن الله بشره بغلام آخر. والأمر الثاني الذي أحب أن أشير إليه، هذه القصة نحن الآن نتلقاها بكل سلاسة، بكل مرونة، قصة الذبح، على أن الذي كان معرضا للذبح هو ابن إبراهيم إسماعيل عليه السلام. بقي الأمر الآخر، هل هذه مسألة متفق عليها؟ لا، هذه المسألة وقع فيها خلاف شديد ونزاع طويل بين أهل العلم، من الذبيح؟ قيل إسماعيل، وقيل إسحاق، ومنهم من ذهب إلى التوقف. الآية ليست فيها ذكر اسم، تأمل في الآية، ليس فيها ذكر لا من قريب ولا من بعيد، إنما الآية تتحدث عن أحد أبناء إبراهيم، من هو؟ القرآن ما أشار إلى اسم هذا الإبن، وهنا وقع الإشكال. أهل الكتاب من اليهود والنصارى كلهم يجمعون على أن هذا الذبح هو إسحاق عليه السلام، لماذا؟ لأنهم يرون أن هذه فضيلة عظيمة. ولكن نرى القول الصواب والذي ينبغي أن يقطع به، كما قال ابن القيم رحمه الله، أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام. وأعظم من انتصر لهذا القول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد، فصل وأطنب، ورد قول من قال أن إسحاق هو الذبيح، رد قوله من عشرين وجها، وانتصر لمن قال بأن الذبيح هو إسماعيل بأدلة عامة وخاصة، بأقوال الصحابة والتابعين. فالحاصل، ولا أخوض في هذه المسألة، لكن هذه إشارة ولفت حتى تعرف شيء من قصة أو خلفية الخلاف الحاصل في هذه القصة. فمنهم من ذهب إلى أن الذبيح إسماعيل، وهو الصواب، ومنهم من ذهب إلى أنه إسحاق، وهو قول بعض، ومنهم من توقف. وبعد ذلك رجع إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين، لما رجع إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين في هذه المرة، تأتي هنا مسألة العود إلى قصة لوط عليه السلام. لوط في هذه الأثناء قد بلغ مبلغا صعبا من الدعوة إلى الله مع قومه، حتى وصل معهم إلى باب مسدود، قل من يؤمن به، والقوم في ضلالهم يهونون في الفواحش يقعون. فحينها سلم أمره إلى الله، فأخبره ربنا عز وجل بأن الله سينزل على قومه العذاب، وكان بهذا العذاب أن الله جل وعلا أرسل ملائكة، لكن قبل أن يذهبوا إلى لوط مروا على إبراهيم، لأن هذه الفترة رجع إبراهيم من مكة واستقر في فلسطين، مرت الملائكة عليه. وجاء ذلك في قول ربنا عز وجل «هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين؟ إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما، قال سلام قوم منكرون»، أي قوم غرباء، أهلا وسهلا، رحب بهم، لكن أما عرفهم؟ وخاصة أن ما تقتضي عليه معالم السفر، الملائكة يتشكلون، تشكلوا، فرحب بهم، وما عرفهم. قال «أنتم غرباء»، يتعرف عليهم، وبعد ذلك فرغ إلى أهله، فجاء بعجل السمين، ضيافة حفاوة إكرام عليه السلام، فقربه إليهم، قال «ألا تأكلون؟» قرب، كلوا، حياكم الله، تفضلوا. لكن وجدهم ما دنوا ولا قربوا شيئا، ولا تناولوا شيئا من الطعام، حينها ازدادت المخاوف عند إبراهيم عليه السلام، فأوجس منهم خيفة، خاف، ما شأنكم؟ أنتم غرباء، وتصرفكم أغرب. وهنا لما جاء الخوف إلى إبراهيم، قالوا «لا تخف، لا تخف، لا تخف يا إبراهيم، ما هناك شيء سيسوءك منا»، وأخبروه بالمهمة التي جاءوا لأجلها، فقالوا «إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين»، عرفوا بأنفسهم، وأنهم ملائكة، وأن الله أرسلهم إلى قوم لوط لإنزال العذاب والهلاك إليهم. في هذا الحوار، إخواني في الله، كانت سارة زوجة إبراهيم عليه السلام تستمع للحوار، فعلمت أن هؤلاء ملائكة أرسلوا لأن يدمروا قرية قوم لوط، فماذا فعلت؟ فرحت، ضحكت، استبشرت، لماذا؟ لأن سارة كانت تتبع أخبار قوم لوط، وما وصلوا إليه من الكفر والشرك والفواحش والرذائل والمنكرات. فلما سمعت بأن الأجل قد دنى لهؤلاء الضلال، فرحت بهذا، فلما فرحت بهذا، جاء أمر آخر، إذ بالملائكة أخذت تبشر إبراهيم بعد إخباره بالمهمة، قال «وبشرناه بغلام عليم»، وخاصة بعدما سمعوا كلام ضحك سارة وفرحها، بشروها، بشروها بهذه البشارة، كما قلنا، بشارة إسحاق، الآن جاءت. تقبل إبراهيم عليه السلام هذا الخبر بماذا؟ باستغراب، قال «أبشرتموني على المسنة الكبر؟ فبما تبشرون؟» أنا كبير، قد كبرت في السن، عتية، لست في سن يسمح بالإنجاب، لست في سن يسمح بالإنجاب. وليس فقط لاستغراب إبراهيم، بل حتى سارة، سارة خرجت وأقبلت، كما قال ربنا جل وعلا «وأقبلت امرأته في صرة، فسكت وجهها، وقالت عجوز عقيم»، حتى أن سارة ذهلت من هذا الخبر، لأن الإنجاب سيكون من ماذا؟ يا أنت، يا سارة. فأقبلت إليهم، دخلت على الجماعة، ما عرفت أنهم ملائكة، انتهى الأمر، دخلت عليهم، فأقبلت المرأة «وفي صرة»، صرة هو الصوت الذي تحدثه المرأة في حال استغرابها وتعجبها مع وجود الفرح، لكن متعجبة، كيف يكون هذا؟ «وصكت وجهها»، أي تلطم، وهذا يفعله النساء عادة إذا بشر بأمر مستغرب. ولعل بعض يجهل، بعض النساء تجد مرة تلطم، أي شاء، يعني شدة الاستغراب مع الفرح، كيف تجمع بين هذا وبين ذاك؟ فرحة بأنها ستنجب، لأنها ما أنجبت أحد، سارة ما أنجبت أحد، إسماعيل من هاجر، سارة ما أنجبت أحد، فسكت وجهها، وقالت «عجوز عقيم»، أي ذكرت أن من موانع هذه البشارة أن فيها خصتين اثنتين، الخصة الأولى أنها عجوز، بلغت إلى سن سن اليأس، وزد على ذلكم العلة الثانية أنها عقيم، نصاب بالعقيم ما تنجب. هذا مانع، وهذا مانع، «عجوز عقيم»، من أين تأتي للذرية؟ ثم كان الأمر الثالث، وهذا بعلي، شيخا، زوجي كبير في هذا السن، ما سينجب، فثلاثة علل توافرت في هذه الحادثة لكي يستغرب من هذه البشارة. فردت عليها الملائكة «أتعجبين من أمر الله؟» فهذا أمر الله، أمر الله، ولهذا الإنسان لا يستيئس من رحمة الله. ثم قال ربنا جل وعلا «فلما ذهب عن إبراهيم الروع، وجاءته البشرى، يجادل في قوم لوط»، هل أنتبه؟ طبعا، أو ما جاء الضيوف، ذكروا قصة لوط، ثم أتبعوا بالبشارة، فلما دخلوا في موضوع البشارة، الآن إبراهيم أصبح مستوعب الموضوع، ذهب عنه الروع، الخوف الذي خاف، قد ذهب، وجاءته البشارة من رب العباد، واطمئن. أخذ ماذا؟ أخذ الآن يفتح ملف لوط عليه السلام، أخذ يجادل في أمر لوط عليه السلام، في قومه، في إهلاكهم، وأراد ماذا؟ إبراهيم، عل وعسى أن الله يؤخر، فقالت الملائكة «يا إبراهيم أعرض عن هذا»، أعرض، تتحدث عن هذا الموضوع، قال «إنه قد جاء أمر ربك»، الله عز وجل أراد إهلاك قوم لوط، هذا الهلك حاصل، حاصل، أعرض عن هذا، لا تفتح هذا الموضوع، فهو غير قابل للنقاش، كما يقال. حاول إبراهيم أن يأتي بموضوع آخر، قال «إن فيها لوط»، طيب، فيها لوط، يعني عبد نبي صالح، قالوا «نحن أعلم بمن فيها»، نحن أعلم بمن فيها، لوط ومن معه سننجيهم، وأما الهلك سينصب على الكفار. هنا بعد هذا، انتقلت الملائكة إلى أين؟ إلى لوط مباشرة، خرجوا، وصلوا بقدرة الله عز وجل، خرجت الملائكة من بيت إبراهيم عليه السلام، وما هي إلا لحظة، قد وصلوا إلى البلد الذي فيها لوط عليه السلام، دخلوا إلى لوط، لوط عليه السلام في تلك اللحظة كان في مزرعته يعمل ويشتغل. فجاءت الملائكة هؤلاء، وجاءوا على طبعا على شكل بشر، فسلموا عليه، فرد عليه السلام «سلام»، قوم منكرون، أي سلم ورحبهم، فعلم أنهم غرباء، ليسوا من أهل هذه البلدة، فسلم عليهم، فأخبروه بأنهم غرباء، وأنهم أرادوا أن ينزلوا عنده، أن ينزلوا عنده. هنا لوط عليه السلام تحمل بهذا الموضوع، لماذا؟ لأن الملائكة وإن جاءت على وجه بشر، لكن جاءت عليهم هذه اللمسة من الجمال والبهاء والحسن والنظارة، وبلّغ قوم لوط أنهم كانوا يأتون الفواحش، كانوا يأتون الرجال، حبب إليهم هذا الفعل المشين. فهنا احتار لوط عليه السلام كيف يستضيف هؤلاء؟ حاول، حاول أن يثنيهم، حاول أن يبعدهم، حاول، إلا أنه أبوا إلا أن ينزلوا عنده، ما نعرف أحد إلا أنت تعرفنا عليك، الآن فأنزلنا إلى تارك. والأمر الآخر الذي خافه لوط عليه السلام أنه منع من القرية الذي هو فيها، منع من استقبال الزوار، لماذا؟ لأن هؤلاء أهل القرية أهل الخبائث. كان إذا جاءهم الغريب أضافوه، ثم ما يتمكنوا منه، وفعلوا به الفاحشة، أي واحد يمر عليهم، حارسوا على أن يفعلوا به الفاحشة. فكان لوط عليه السلام إذا مر عليه الضيف استضافه خفية، يضيفه، ثم يخرجه، أو يبعده من القرية، لا تأتي، لا تأتي، ابتعد، ابتعد، لا أحد يعلم بك. حاول أنه يكون عامل مساعد لغيره ممن لا يعرف عن تاريخ هذه القرية الخبيثة. فلما علمت القرية أن لوطا عليه السلام ينفر الضيوف عنهم، منعوا، لا تستقبل أحد، إن استقبلت أحد، لنفعلن، ولا نفعلن بك، خددوه من ذلك. فلوط عليه السلام أصبح في حيرة من أمره، فلوه لهذا، وصف ربنا جل وعلا هذا اليوم بقوله «وساء وسيئ بهم وضاق بهم ذرعا»، وقال «هذا يوم عصيب»، الله يعين، هذا اليوم كيف سيمر؟ وقال لهذا ماذا؟ طلب منهم أن يمكثوا عنده الآن خارج البلدة، في المزرعة، يمكثوا عنده إلى أن يحين الليل، يدخل ليلا إلى القرية، ويدخلهم إلى بيته، لماذا؟ أراد الليل، خفية، لا أحد يدري بهم. فصار هذا الأمر، فاستطاع لوط عليه السلام أن يدخل هؤلاء إلى بيته ليلا، لكن تسرب الخبر إلى القرية، وأن لوطا أتى بأناس، وهم في غاية من الجمال، على أحسن الأحوال، وأن مثلهم لا يترك، تسرب الخبر، قيل أن الأخبار تسربت من قبل زوجته، إذ أنها مع القوم، هي التي سربت الأخبار، هذا الذي يذكره في كتب التفاسير والتواريخ. فماذا فعلت القرية؟ أصبح البعض يتنادى، يقرع الباب «أخ تعال، تعال، تعال، تعال، تعال، تعال»، فاستطاع من استطاع منهم أن يتجمع، فجاءوا إلى بيت لوط عليه السلام، وأخذوا يقرعون عليه الباب، أن يفتح، وأخرج من عندك من الضيوف، يا لوط، أخرج من عندك من الضيوف، يا لوط. فكان لوط عليه السلام يذكرهم بالله، فلهذا وصف ربنا جل وعلا «وجاء أهل المدينة يستبشرون»، جاءوا يستبشرون بهذه الغنيمة التي حلت في ديارهم. فلما اجتمعوا عند باب لوط، أخذ لذكرهم بالله جل وعلا، قال «اتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي، أليس منكم رجل رشيد؟» يا جماعة، ما يصلح هذا، ما يصلح هذا، يعني رجل عاقل فقط ينهاكم عن هذا الفعل، ضيوف عندي، بايش؟ من عاقل؟ تتجرؤون، تطرقون الباب، وتريدون أن تأخذوا الضيوف، لهذه الفاحشة الذميمة. حاول أن يقنعهم، إلا أنهم ما استطاعوا، بل ردوا عليه، قالوا «أولم ننهك عن العالمين؟» كما قلنا، قد نهيناك، يا لوط، لا تستقبل أحد، هأنت استقبلت هؤلاء، هذا هو الجزاء، إياك أنك تتخطانا، «أولم ننهك عن العالمين؟» أي لا تستقبل أحد من الضيوف، فهأنت خالفت، وهذا هو مصير، افتح الباب. ولا زالوا يقرعون عليه الباب، حاول لوط عليه السلام بطريقة أخرى أن يبعدهم، فقال من قوله عليه السلام «يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم»، يعني لا تذهب إلى هذا السلوك المشين الذي لا يوافقه لا عقل ولا شرع ولا دين ولا ذوق. قال إن كان ولابد، هؤلاء بناتي، بالزواج، لما تدعو إليه الفطرة، وما معنى «هؤلاء بناتي»؟ على قولي، قيل بهؤلاء بناتي، أي بنات البلدة، أي الإناث، توجه إلى الإناث، إن أردتم ما في أنفسكم، قد جعل الله لكم في هذه الفطرة البنات والنساء، فجعل بنات البلد هم بناته، لأنه نبي لهذه القرية، فهو يعد نفسه أبا للجميع، هذا قول. وقيل أن بناته لأراد بناته من صلبه، هؤلاء بناتي، إن أردتم، هؤلاء بناتي، أي بالزواج، تقدموا، قد يقول قائل، وكيف يفعل لوط عليه السلام أن يقدم بناته لأمثال هؤلاء؟ ذهب جماعة الإمام السعدي رحمه الله، قال لعلم لوط أنهم سيرفضون، لعلم لوط بأنهم سيرفضون، وهذا الذي صار، رفضوا، رفضوا هذا الكلام تماما. حينها لما علم لوط عليه السلام أنه لا طاقة له بهم لوحده، وعنده هؤلاء جماعات، الله أعلم كم اجتمع عند باب بيته، فحينها طبعا الملائكة الضيوف يستمعون للحوار، وهم سكوت، ما تكلموا بشيء، سكوت، إلى أن قال لوط عليه السلام هذه الكلمات، قالوا «أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد؟» تحسر لوط عليه السلام على ضعفه، لو أن عنده قوة وشدة، لو، الله لما تجرأتم علي، ووصلتم إلى هذا الحال، عند باب بيتي، تفتحوني في ضيوفي. والله ما وصل بكم هذا الأمر، لو أن لي بكم قوة، أو آوي إلى ركن شديد، أو عندي قبيلة، عندي عشيرة، عندي عمومة وأخوال، أستند إليهم، يعينونني في هذا الباب، يبقى السؤال، لماذا لوط عليه السلام ما عنده أحد؟ ما عنده عشيرة؟ ما عنده قبيلة؟ لماذا؟ الجواب، ما ذكرناه، أن لوط ماذا؟ مهاجر، جاء من أرض العراق، تذكرون هذا؟ جاء من أرض العراق، وهو دخيل على هذه البلدة، ما عنده أحد. فما عنده أخوال، ولا أعمام، ولا عشيرة، ولا قبيلة، ما عنده أحد، أو وحيد القرية، فتحسر، لو أنه عنده قبيلة أو عشيرة، لو وقفت معه بجانبه، لكن الجماعة استصغروا واستحقروا، حينها سمعت الملائكة بما كان من تحسر لوط عليه السلام، فردوا عليه، قالوا «يا لوط إن رسل ربك لن يصلوا إليك، لا تخف، نحن رسل، نحن ملائكة، لن يصلوا إليك، ولا يصلوا إلينا». فحينها خرج إليهم ملك، خرج واحد من هؤلاء الملائكة، وفتح الباب، ودخل، وقيل أنه مسح عليهم مسحة، كما قال ربنا جل وعلا «ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم»، أصابهم الله بالعمى مباشرة، فقد فتح الباب، مسحة، أصيبوا بالعمى، أخذ كل واحد يتخبط بالثاني، ما يروا شيئا، ما يروا شيئا، لن يصلوا إليك. وطبعا هذا العذاب نزل ليلا، في حق من في حق هؤلاء النفرة، لكن العذاب المستأصل متى سيأتي؟ ألا إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب؟ ولهذا قالت الملائكة مباشرة للوط عليه السلام، قال «فأسري بأهلك بقطع من الليل»، أي تحرك الآن، يا لوط، انتهى الأمر، الآن استعد، إذا دخل الليل، جنح الليل، أخرج من القرية، أنت ومن كان ممن آمن من أهلك، أخرج من القرية. وفي الآية الأخرى، قال «واتبع أدبارهم»، ما معنى «واتبع أدبارهم»؟ أي إذا خرجت أنت مع أهلك، اجعل أهلك في المقدمة، وأنت من خلفهم، أنت تكون وراءهم، لا تكون أمامهم، اجعلهم أمامك، وأنت تمشي من خلفهم، زد على ذلك «ولا يلتفت أحد منكم»، لا تلتفتوا، إذا خرجتم، لا تلتفتوا، لماذا؟ لأنكم مع خروجكم ستسمعون، ستسمعون، وذلك عند الصباح، إذا مشيتم، ستمشون، ستمشون، ستمشون، سيأتيكم الصباح، وقد جاء وقت العذاب. إذا جاء العذاب، ستسمعون شيئا عظيما، تخيل القرى، سيقلبها الله على ظهرها، قلب القرى، قدرت طولا بمئة وعشرين كيلو، يعني قرى، قرى، قرى، قرى، كلها قرى، طولا بمئة وعشرين كيلو، عرضا ستين كيلو، هذه المساحة عبارة عن قرى لقوم لوط، كما تقال. نحن مثلا في هذه البلاد، تجدنا قرية، وهناك بعد ربع ساعة قرية، وهناك بلدة، وهناك بلدة، وكلها تكبع هذه البلاد. وكانت هذه المساحة كلها ستقلب، فتخيل، يا عبد الله، بضم العذاب. وقال «ولا يلتفت أحد منكم»، قال «إلا امرأتك»، إنه مصيبها ما معنى «إلا امرأتك»؟ أي الاستثناء هنا للمرأة، زوجته، «إلا امرأتك»، إنهم مصيبها ما أصابها، هذا قول. القول الثاني، أنك إذا سريت بأهلك ليلا، اسري بهم إلا امرأتك، لا تأخذها معك، دعها نائما، دعها نائما في جنح الظلام، خذ هؤلاء أهلك واخرج، وهذه دعها، فإنهم مصيبها ما أصابها، هذا قول. فلما جاء العذاب، جاء ذلكم الملك، وأخذ الأرض من جذورها، فرفعها إلى السماء، وكما جاء في الآثار، حتى أن أصوات الديكة ونباح الكلاب سمعت عند من في السماء، من شدة الرفع، وليس الأمر كذلك، ثم قلبت، فلما قلبت، تساقط الناس غير من علو وشاهق، تساقط الناس إلى الأرض. ثم أتبعوا بسجيل منضود، منضود، بمعنى مرصود، رمي متتابع، متتابع، ما ينقطع، ثم قلبت هذه الأرض مع قفارها، مع قلبها، ضرب بها بالأرض، ولهذا تسمى بالمؤتفكات، المؤتفكات، بمعنى المنقلبات، المؤتفكة المنقلبة، أي هذه القرى المنقلبة. جعل ربنا جل وعلا عاليها سافلها، قتع، أذهبهم الله جل وعلا عن بكرة أبيهم، ولا زالت آثار هذه البلاد ماثلة، كما قال سبحانه وتعالى «وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم»، ويذكرون هذا في البحر الميت، وأنه جزء من هذه الأجزاء، لهذا هو أهبط مكان، أهبط مكان في الأرض. ذكر أن هذا بسبب الرجفة، أو بسبب ماذا؟ الضغطة التي سقط عليهم، فأهبطت أرضهم إلى الدون، إلى الدون. بل كانت هذه الآثار واضحة المعالم، حتى أن الله عز وجل كان يخبر كفار قريش «وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون»، تمرون على من؟ على هذه القرى، والخطاب لكفار قريش، لم يذهبوا إلى الشام. فبذهابكم صباحا تمرون عليهم، ورجعكم ليلا تمرون عليهم، أفلا تعقلون؟ أيعقلوا هذه آية من آيات الله، دمرت على أمثال هؤلاء، لما كفروا وأعرضوا وأشركوا بالله جل وعلا. فالحاصل، إخواني في الله، كان ذلكم نهاية ما صار لقوم لوط، بما كان من تكذيبهم، وفعلهم للفواحش. بعد ذلكم، إخواني في الله، وسمع الناس بهذه الآيات العظام، وشيء لا يخطر على بال، وظهرت فيه دعوة لوط عليه السلام، ومن ثم ظهرت دعوة إبراهيم عليه السلام، فتوافد الناس، فتوافد الناس إلى دعوة النبيين، إلى دعوة إبراهيم، ودعوة لوط عليه السلام. هنا نرجع إلى إبراهيم، حينها نزل إبراهيم جنوبا إلى مكة، وهذا النزول الثالث، وكان هذا النزول الثالث لأمر أراده الله منه، ما هو؟ أن يبني الكعبة، الكعبة إلى الآن ما بنيت، ما بنيت، خلال نزل إبراهيم، فلقي ابنه إسماعيل، وأخبره بأن الله جل وعلا يأمره أن يبني هاهنا بيتا لله، فهل تعينني؟ فقال نعم. فقام إبراهيم وإسماعيل ببناء الكعبة، كما جاء ذلك في سورة البقرة، فكان إبراهيم يتخذ المقام، وهو المكان الذي يصعد عليه، يصعد عليه، وإسماعيل يناوله الحجارة. وقد جاءت الآيات الدالة على ذلك في بناء الكعبة، وأمر الله عز وجل بعد بناء الكعبة «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم» إلى آخر الآيات. بعد بناء الكعبة، أمر الله بتنظيفها، بتطهيرها، استعدادا لمن سيأتي لها، وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل «أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود». ثم بعد ذلك جاء المنادي، وأذن في الناس بالحج «يأتوك رجالا»، رجالا، أي أتوك مشيا على الأقدام، يسيرون بأرجلهم، رجالا، يسيرون بأرجلهم، وركبانا، وعلى كل ضامر، ضامر، أي مركوب من الحيوانات التي أتعبها السفر الطويل، حتى أصبحت أصيبت هذه المركوبات بالضمور، ضامر، تعبت من أنها جاءت من شقة بعيدة، لهذا البيت المعظم، لهذا البيت المعظم. فقام إبراهيم عليه السلام ببناء هذا البيت، كما أمر الله سبحانه وتعالى، ثم ترك إبراهيم عليه السلام إسماعيل في هذا المكان، في مكة، يقيم دعوة، فكان أصبح إسماعيل عليه السلام من المرسلين «واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا»، فمن الله عز وجل عليه بالنبوة والرسالة. فإسماعيل تركه أبوه في أرض الجزيرة، ثم رجع إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين، ومن ترك هنالك ترك إسحاق، إسحاق عليه السلام، فعند إسماعيل ابن إبراهيم، وعند إسحاق ابن إبراهيم، الفرق بينهما أن إسماعيل من أمه هاجر، وإسحاق من أمه سارة. لما جاءت الملائكة، بشرت إبراهيم بغلام حليم، وكان هذا الغلام هو إسحاق عليه السلام، إسحاق عليه السلام، ففي الشام تربى وترعرع إسحاق ابن إبراهيم، بل على قول كثير من المفسرين أن إسحاق كبر، بعدما تربى وتزوج، بل وأنجب من بعده، من أنجب؟ يعقوب. وأن إسحاق ويعقوب كانت حياته مع وجود إبراهيم عليه السلام، أي أن الله أقر عين إبراهيم بوجود الأبناء والأحفاد، بوجود الأبناء والأحفاد. ومما استدل به العلماء على أن إبراهيم كان موجودا حينها، بما جاء في قول ربنا عز وجل «ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة»، نافلة، أي زيادة، أعطاه الله عز وجل زيادة، وكان ذلك في حال حياة إبراهيم. فكان من صلب إسماعيل، ومن صلب يعقوب، أمم عظيمة، أما يعقوب، لقبه إسرائيل، إسرائيل، إيل في لغة العبرية بمعنى الله، وإسراء بمعنى عبد، أي عبد الله، فكان يعقوب هو إسرائيل، وكان من نسل يعقوب تأتي القوة، الأمم القوية، وسأتي الحديث عن بني إسرائيل، وما كان من فاجرها. وأما هذا من إسحاق، وأما من إسماعيل، فإنه قد خرجت منه الأمة الفاضلة، وهي الأمة العربية، ولم يخرج من نسل إسماعيل إلا نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي حاز على المكارم كلها، حاز على المكارم كلها. فكان من إسحاق يعقوب، ويعقوب أتى ببني إسرائيل من بعده، وكان من إسماعيل جاءت الأمة العربية، مما يذكر إخواني في الله، كذلكم من قصة إبراهيم عليه السلام، ما جاء في قول ربنا سبحانه وتعالى أن إبراهيم قال لربه «ربي أرني كيف تحيي الموتى»، قال «أولم تؤمن؟» قال «بلى ولكن ليطمئن قلبي»، قصة معروفة، نذكرها اختصارا. لأن مما جاءت من حوادث إبراهيم، والله أعلم في أي زمن كان، لكن نذكرها من باب الفائدة، أن إبراهيم طلب هذا الطلب «أرني كيف تحيي الموتى»، هل إبراهيم كان يشك؟ الجواب لا، لأن إبراهيم هنا ما شك في قدرة الله، لا، إنما أراد أن يتعرف على الكيفية، هو يعلم أن الله قادر، لكن كيف يا رب؟ كيف يا رب؟ بخلاف ما كان من حواري عيسى، حين طلبه «هل يستطيع ربك؟» هنا شك في القدرة، لكن إبراهيم ما شك في قدرة ربه، يعلم أن الله قادر، لكن ماذا؟ أراد أن يتعرف على الكيفية، حين أمره ربه جل وعلا بأن يأتي بأربعة من الطيور، بمختلف الأشكال والألوان والأجناس، فصرّهن إليك، جمعها إليك، غمها إليك، قطعها، قطعها. فبعد تقطيعها، اجعل على كل جبل منها جزء، قسمها على الجبال والتلال، وبعد ذلك تعال، ثم ادعوهن، ادعو هذه الأجزاء المقطعة، المقطعة، المقطعة من الطيور، فإنها ستأتي إليك سعيا، سعيا، أي تمشي، كل جزء يمشي، يمشي إليك، يأخذ من التلة، يأخذ من الهضبة، يأخذ من ذلك الجبل الذي جعلته فوق، ستنزل هذه الأجزاء حتى تأتي إليك. فتجتمع إليك، تجتمع، تجتمع، تجتمع، قيل في بعض الروايات أن إبراهيم احتفظ بالرؤوس، برؤوسها، فتمت هذه الأجزاء مجمعة بلا رأس، حتى تأتي وتدنو إلى يدي إبراهيم، فيلتصق الجسد بماذا؟ برأسه، فيعود طيرا كما خلقه الله من قبل. فهذه قدرة الله سبحانه وتعالى، الشاهد أن هذه القصة لم يكن فيها إبراهيم شاكا بقدرة الله، وإنما أراد أن يتعرف على الكيفية، قال «أرني كيف تحيي الموتى»، الشاهد إخواني في الله أن إبراهيم عليه السلام عاش وترعرع بعد ذلك في فلسطين. وهكذا كما قلنا، لوط، بعد هلاك قريةه، رجع إلى أرض فلسطين، واستمر الحال هناك، حتى مات إبراهيم عليه السلام، أين مات إبراهيم؟ مات في أرض فلسطين، ويقال أنه مات في أحد مغاراتها، في أحد مغاراتها، ولهذا المشهور الآن في فلسطين قرية تسمى ماذا