الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
درس يتحدث عن نبي الله يونس بن متى عليه السلام ودعوته لقومه في العراق، ثم خروجه من بينهم بدون إذن من الله وركوبه سفينة في البحر.
يروي المقطع قصة يونس عليه السلام عندما ركب السفينة وتعرض للإلقاء في البحر، حيث التقمه الحوت ثم ألقي برا بعد دعائه.
يتحدث عن تفاصيل قصة يونس بعد خروجه من بطن الحوت، حيث أرسل الله له شجرة يقطين، ثم عاد لقومه الذين تابوا، ويشرح معاني بعض الآيات.
يقدم المقطع مقدمة لقصة يوسف عليه السلام، مشيرًا إلى أهميتها ودورها في الدعوة إلى التوحيد وتفاصيل تاريخية هامة.
يبدأ الحديث عن قصة يوسف عليه السلام ورؤياه التي رآها، وأمر أبيه يعقوب له بعدم إخبار إخوته بها.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والا، أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الحديث عن نبيين صالحين، عن إبراهيم عليه السلام، وعن لوط. وأشرنا في نهاية المطاف كيف أن لوطًا، بعدما دعا قومه فأبوا، فأنزل الله عز وجل عليهم ذلكم العذاب الأليم، خسف بأرضهم، ثم أتبعوا بحجارة من سجيل منضود، ثم غادر البلاد والتحق بإبراهيم، بعمه إبراهيم عليه السلام، واستقروا فيه في أرض فلسطين. وكان بالمقابل إبراهيم عليه السلام قد اطمأن على تركته، وقد ترك تركة عظيمة، ترك ابنه إسماعيل في أرض الجزيرة، وقد تم بناء الكعبة، ونودي بالناس بالحج، وجاء الناس من كل فج عميق، إشارة إلى ما كان من انتشار الإسلام في أرض الحجاز، وفي أرض اليمن، وهكذا في أرض الشام. ثم عاد إبراهيم عليه السلام إلى الشام، وقد ترك هنالك إسحاق، وكذلك كان على ملة عظيمة، جاء من بعده يعقوب، وهو إسرائيل عليه السلام، والذي كان من نسله أعظم أمة ألا وهم بنو إسرائيل. وبعد ذلك تتابع النسل من هذه الذرية المباركة. قلنا أن إبراهيم مات في أرض الشام في فلسطين، وهكذا لوط، وهكذا سار الأنبياء، إسحاق ويعقوب، دفنوا في تلكم الأراضي والبقاع. ثم أشرنا إلى ما يتعلق بيعقوب عليه السلام وبدعوته، وأنه الذي بنى البيت المقدس في أرض فلسطين، ثم كان من نسله يوسف عليه السلام. وقبل أن ندخل إلى يوسف؛ لأن إن دخلنا إلى يوسف سنمضي في تفاصيل ما نحب أن ننقطع عنها، تتابع لنا الأحداث والسلسلة في إخراج نبي بعد نبي وتتوالى الأحداث، ولهذا قبل أن ندخل إلى يوسف نريد أن نتطرق إلى نبي آخر، وهذا النبي من أنبياء الله لم يكن من أهل الشام، ولم يكن من أهل الحجاز، وهو قد جاء بعد إبراهيم كما هو في ظاهر الأدلة. وأعني بهذا النبي الكريم هو يونس بن متى، يونس بن متى عليه السلام. يونس بن متى هكذا اسمه، وهكذا نطق به نبينا عليه الصلاة والسلام، ابن متى. واختلف العلماء، ابن متى هل هذه نسبة إلى أبيه أم نسبة إلى أمه؟ نسبة إلى أبيه أم نسبة إلى أمه؟ نعم، وقع الخلاف، والذي عليه أكثر العلماء أن هذه نسبة إلى أبيه، يونس بن متى نسبة إلى أبيه يونس عليه السلام. ذكر في القرآن أربع مرات باسمه، أربع مرات، وذكر منسوبًا إلى قصة الحوت، ولا تكن كصاحب الحوت، ذكر بهذا المعنى مرتين اثنتين، أربعة باسمه مصرحًا يونس، ومرتين ذكر في القرآن وهو منسوب إلى النون، إلى الحوت. وأشرت في هذا الكلام إلى أن يونس عليه السلام في ظاهر الأدلة أنه بعد إبراهيم. من أين جاء هذا الاستنباط؟ جاء هذا الاستنباط بما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم في مرجعه من مكة إلى المدينة، وذلك كما قال العلماء في فتح مكة، بعدما تم له فتح مكة رجع إلى المدينة، فلما رجع مر على ثنية، فسأل عنها، فسأل عن هذه الثنية ما هي؟ فأتوا له باسمها، قالوا هي ثنية كذا، فحينها قال عليه الصلاة والسلام: كأني بيونس بن متى على ناقة حمراء، وعليه جبة من صوف، يقود خطامها ملبيًا. هذا الشاهد، كأني بيونس بن متى على ناقة حمراء، وعليه جبة من صوف، يقود خطامها ملبيًا، تلبية. فهذا الحديث في ظاهره أن هذا إنما كان بعد بناء الكعبة؛ لأن كما قلنا متى نودي للحج بعدما أن أقام ورفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت نودي بالحج. لكن أين هذا بالتحديد؟ الله أعلم، حتى ما يتعلق بنسبه، صحيح أن الكثير من القصص والروايات والأخباريات تدور على أن يونس عليه السلام من نسل يعقوب، فالله أعلم ما يتعلق بتحديد نسله ونسبه، الله أعلم. الشاهد، إخواني في الله، فحديثنا عن هذا النبي الكريم يونس بن متى، ولد في أرض العراق، في جهة بلاد الموصل، في منطقة يقال عنها نينوى، في منطقة يقال عنها نينوى. ما كذب هذا النبي في هذه البلدة يدعو قومه إلى التوحيد، إلى عبادة الله جل في علاه، إلا أن قومه كانوا على كفرهم وعلى شركهم وعلى ضلالهم، فلا زال يدعوهم حتى أنه يئس منهم، بل وصل به الحال إلى أنه غضب عليهم وتوعدهم بعذاب الله الذي سينزل عليكم إن استمررتم على هذا الضلال. ولكم أسوة فيمن قد مضى من قبلكم من الأمم، توعدهم بهذا العذاب، لما رأى من شركهم، ثم غضب عليهم، ومعد ذلك خرج من بين ظهورهم. خرج هذا الخروج من يونس عليه السلام لم يكن بإذن من الله، هذا الخروج من يونس عليه السلام لم يكن من الله لم يأذن به الرب أن يخرج. فالأنبياء كما مر معنا في قصصهم التي مرت معنا، ما أحد يقدم على شيء إلا بأمر من الله. مر معنا في قصة لوط، بماذا خرج؟ خرج بأمر من الله، فاسري بأهلك أخرج، أخرج الآن خرج، وهكذا صالح، قبل أن ينزل العذاب على قومه، جاءه الوحي من الله نخرج، فتأتي الأوامر من الله جل وعلا لأنبيائه ورسله بالنفوذ، بالذهاب، بالخروج. إلا أن يونس عليه السلام خرج بغير إذن الله، ولهذا قال ربنا جل وعلا في حق نبينا: واصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت. اصبر يا محمد على ما تلاقيه من إعراض المعرضين، ومن استكبار المستكبرين، اصبر عليهم ولا تكن كصاحب الحوت، إشارة إلى أن يونس عليه السلام ما صبر الصبر الذي أراده الله من أن يصبر على ما كان من تعنت قومه لهذا. قال ربنا جل وعلا في الآية الأخرى: إذ أبق إلى الفلك المشحون، أبق، والعبد الآبق هو الذي خرج عن طوع سيده. إذ أبق إلى الفلك المشحون، وصفه ربنا جل وعلا بهذا الوصف، إشارة إلى أنه خرج بغير إذن من الله، بغير إذن من الله سبحانه وتعالى. فالشاهد أن يونس بن متى خرج من قومه، خرج كما قلنا، فركب السفينة. السؤال هنا: خرج إلى أين؟ سفينة تدل على أنه ركب بحرًا، ما هو البحر؟ الاحتمالات التي ضربها العلماء هي ثلاثة احتمالات. في البحر الذي توجه إليه يونس بن متى، قيل أنه بحر قزوين، بحر قزوين كان بالقرب منهم، إلا أن هذا البحر يستبعد أن يكون يونس قد ذهب إليه؛ لماذا؟ لأن بحر قزوين هو بحر مغلق، مغلق، ولا تتواجد فيه الحيتان، لهذا كان هذا الموقع مستبعدًا. البحر الثاني الذي يوم يوم احتمال أن يونس قد ركبه وهو الخليج العربي، الخليج العربي، لكن قال العلماء هذا يشكل؛ لأن المسافة بعيدة جدًا من أرض الموصل ينزل جنوبًا إلى الخليج، بعيدة جدًا، هذا أمر. والأمر الثاني: الخليج هو أضيق من البحر، ونحن سنتحدث عن ماذا؟ عن أمر فيه بحر فيه حيتان ضخمة، والخلجان ما تتوفى فيه مثل هذه الحيتان، ولهذا استبعد كذلك هذا الاحتمال الثاني. ولهذا كان الاحتمال الثالث الذي ذهب إليه العلماء أنه ذهب إلى جهة البحر المتوسط، البحر المتوسط، نعم، هو بحر واسع جدًا، وهناك تكون فيه الحيتان الضخمة الكبيرة العملاقة، ولهذا فإن محدثات وأحداثيات قصة يونس عليه السلام تدل على أنه ذهب إلى هنالك. ما الذي فعله يونس عليه السلام؟ صعد إلى السفينة وركب فيها، وصفت هذه السفينة بالفلك المشحون، كانت سفينة ممتلئة، شحنت بالبضائع، وأيضًا كانت مشحونة بالبشر، ركب يونس عليه السلام في هذه السفينة، فإذا بها تتلاعب من أثر الرياح، من أثر الأمواج، من أثر الأمطار، حتى أن من في السفينة خشوا على أنفسهم جميعًا من الغرق، جميعًا من الغرق. فكان الحل: الحل الذي به يكون السلام أننا نخرج من أعضاء من ركاب السفينة، من نخرج حتى نخفف الحمول حتى لا نغرق، لا نغرق. ولهذا تم اتخاذ القرعة، اتخاذ القرعة، فاتخذوا القرعة فوقعت في نصيب يونس عليه السلام. يرى جماعة من أهل العلم أن يونس ليس هو الأوحد، بل إنه متخذ مجموعات، مجموعات من جاء في سهم هذا السهم أنت وأصحابك في البحر نفتدي بكم لأجل أن يسلم الجميع. والكل تجري عليه القرعة، واستدل هؤلاء بقول ربنا جل وعلا: فساهم فكان من المضحضين، أي هو ومن كانوا معه، هو ومن كانوا معه. فجاء القرعة في حقهم وفي سهمهم، فوقع يونس عليه السلام، فألقى في البحر. طبعًا جاءت رواية كثيرة أنهم عرفوا قدر وما أرادوه على بعض من يقول هكذا في بعض قصص أهل الكتاب، وأنهم أعادوا القرعة الثانية، أعادوا القرعة الثالثة، كلها تأتي على نصيب يونس. فعلموا أن هذا أمر أراده الله، هكذا ينقل، فالله أعلم بهذه الزيادات. لما ألقي يونس عليه السلام في البحر، ما الذي حصل؟ سرعان ما التقمه الحوت، حتى حتى حتى أن من من يذكر في مجريات هذه القصة أن الحوت ما أمهله مباشرة التقم، حتى قيل أنه أن الناس رأوا هذا رأوا هذا المنظر، ما أن ألقي يونس مع من ألقي به يونس، خاص لما ألقي في البحر، أول ما مسه البحر خرج لهم الحوت العملاق. فسكه وبلعه بلعه مباشرة، فالتقمه أي بلعه، وأن الله عز وجل أوحى إلى هذا الحوت أن لا تكسر من يونس عظم ولا تقطع له لحم، ما ليحفظ يحفظ ماذا في بطنك؟ فحفظ يونس عليه السلام في بطن الحوت، في بطن الحوت هذا الحوت العملاق. طبعًا والحوت يعد من أعظم مخلوقات المخلوقات خلقها الله في هذه الأرض. نحن في البرية نجد أن الألفية لا ضخمة، لكن الحوت أعظم، أعظم، أعظم بكثير، أعظم مخلوق خلقه الله، هي مخلوقات ضخمة، فبعث الله عز وجل هذا الحوت لكي ابتلع يونس عليه السلام، فابتلعه، فالتقمه الحوت، فأصبح يونس عليه السلام في بطن الحوت. حينها دعا وناجى ربه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. يلح على الله جل وعلا بدعائه، وهذا الدعاء من أنفع الأدعية، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دعوة أخي يونس ابن متى، وهو في بطن الحوت، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما دعا بها مسلم إلا استجاب الله له، يحسنه شيخ الألباني. ففيه بيان على أن هذا مما دعا به يونس ربه وهو في هذا المقام، وفيه كذلك بيان لفضيلة هذا الذكر، وأن من ابتلاه الله بشدة ومشقة وبمعضلة ومشكلة، أدعو الله يا عبد الله بهذه الكلمات العظيمات، حري أن يستجاب لك. وفي قوله تعالى: فنادى في الظلمات، ما هي الظلمات التي مذكورة في هذه الآية؟ قال علماء: أولًا ظلمة بطن الحوت، وهي ظلمة مكان مغلق، والثانية ظلمة البحر، وفي عالم البحار، وفي عالم البحار يذكرون أن في قاع البحر ولا يدرى هل أحد إلى الآن وصل إلى قاع البحر؟ الله أعلم، نعم، وصل إلى قاع إلى قمة الجبال، نعم، وصل البشر إلى قمة الجبال. أما في قاع المحيطات إلى الآن هذا السؤال لا أحد يدلي به، ولا أجاب عليه أحد، هل وصل أحد؟ لأن هناك قاعات ضخمة جدًا، بل حتى أن الغواصات ما تستطيع تنضغط تنضغط لشدة الضغط في أسفل الأرض، ظلمة، وهناك حيوانات كمغل بحرية ما أحد يعلم بها؛ لأن هناك ظلمات لا ترى النور خلقها الله في الظلمة. فبحث فيه ظلمة الظلمة الثانية، ثم ظلمة الليل، ثم ظلمة الليل. فشاهد أن يونس عليه السلام بقي يدعو ربه جل وعلا. مسألة وهي: كم جلس كم جلس يونس عليه السلام في بطن الحوت؟ كم المدة؟ من سياق من سياق الآيات تجد أن المدة ليست طويلة، ليست طويلة. يونس لما دخل إلى بطن الحوت شعر بالضيق، ألح على الله جل بالدعاء، فاستجاب الله كما قال: فنجيناه من الكرب مباشرة، فنجيناه، فالتعقيبية أي ما تأخرنا في الإجابة. فدل هذا الكلام على أن مدة يونس عليه السلام مدة قصيرة جدًا. ولهذا أشهر الأقوال من المفسرين في مدة مكث يونس عليه السلام في بطن الحوت أنها ما بين اليوم والثلاثة، اليوم والثلاثة، هذه أشهر الأقوال، ولا زيادة عليها، ولا زيادة عليها؛ لأن الآيات تدل على سرعة المتابعة، وأن الله عز وجل ما تأخر في استجابته لعبده يونس حين دعاه، وماذا وألح على ربه بمناجاته. فذكر ربنا جل وعلا بعد ذلك قال: فنبذناه بالعراء، أمر الحوت بأن يلفظ يونس إلى العراء، العراء هي كلمة تطلق على الأرض اليابسة التي ليست فيها حياة أحد، لا فيها حياة بشر، ولا لكائن حي، ولا لحيوان، عراء منطقة فاضية خالية من أي حياة موجودة. أمر الحوت أن يلفظ يونس عليه السلام في هذا المكان. خرج يونس عليه السلام، لكنه ماذا؟ وهو سقيم، فنبذناه بالعراء وهو سقيم، مريض. يا ترى من أين جاء هذا المرض؟ يقول بعض العلماء في تخريج المرض الذي أصاب يونس عليه السلام قالوا أن يونس في الحوت جلس في داخل المعدة، المعدة، المعدة يا عبد الله تعتبر من الأماكن الحارة جدًا في الجسد، حارة جدًا، فيها من الأحماض، فيها من الأحماض ما فيه إذابة لأشياء. حارة جدًا، ولو أنت تأملت فيما يذكره علماء الطب في الأحماض الموجودة في المعدة، لن بحر كيف هذه الأحماض ما تأتي به من أكل تذوبه. فما ظنك بحوض ضخم بمعدته وإفرازاته؟ فكان يونس عليه السلام في هذا المكان قد أصيب بالاحتراق في كافة جسده، فأخرج من بطن الحوت وهو شبه محترق، قد خرج منه كما قال، أو تأثر كل الجلد بعظيم الحرارة التي وجدها في بطن الحوت حين خرج. هذا الذي ذكره العلماء في مسألة أنه خرج سقيمًا، أي خرج مريضًا من أثر هذه العصارات التي وجدها في بطن الحوت. ثم قال ربنا عز وجل بعدما أخرج يونس إلى العراء وهو في حال المرض قال: فأنبتنا عليه شجرة من يقطين، أنبت الله عز وجل ليونس شجرة وهي شجرة يقطين، اختلف العلماء في هذه الشجرة. من أهل العلم من ذهب إلى عمومها، وإلى أن شجرة يقطين هي عبارة عن اسم للأشجار والنباتات التي ليس لها سيقان، الأشجار والنباتات التي ليس لها سيقان، وإنما تمشي على الأرض، هذا يوجد عندنا بعض الفواكه تجد تمشي على الأرض، ليس لها قوام، ليس لها سيقان، قولي هذا السم يقطين؛ لأنها تقطن الأرض، تقطن الأرض، تمكث، تستقر، تمشي في الأرض، لا ترتفع، هذا قول. لكن أكثر من وقفت عليه من المفسرين لا يذهبون إلى هذا العموم، وإنما يخصص ويعين، وأن هذه الشجرة هي شجرة ماذا؟ الدباء أو ما تسمى بالقرع، ما تسمى بالقرع. فهذه الشجرة التي أنبتها الله عز وجل ليونس، وأضافوا فوق ذلك إضافة والله أعلم بها، قالوا أن هذه الشجرة من أنفع الأنواع في علاجات الحروق إذا وضعت في الجسد. وقول ربنا عز وجل: فأنبتنا عليه، أي أصبحت شجرة تنبت عليه. ولهذا يقول العلماء أن الشجرة التفت حول يونس، التفت التفات المثل، وشبهه بمن بحال الرضيع إذا خرج من بطن أمه وهو خديج، أي ناقص، تعرفون إذا خرج الطفل وهو ناقص الخلق فإنه يلف؛ لماذا؟ حتى يحمونه من الهواء. وهكذا وقع ليونس عليه السلام، أراد الله عز وجل أن يحميه من الشمس، من الغبار، من الحشرات، من الهوام، وحتى ينبت له ماذا؟ جسدًا وجلًا. فقامت هذه الشجرة والتفت عليه التفافًا، وأخذ يأكل من ثمارها، فكانت هذه الشجرة علاج وهي غذاء وهي ماء، حتى عوفي عليه السلام، حتى عوفي عليه السلام. ثم بعد ذلكما عندما أعطى الله عز وجل يونس ما أعطى من الصحة والعافية، أرسله ربنا جل وعلا مرة أخرى إلى قومه، وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون، أو يزيدون. قيل كم يزيدون؟ قيل عشرين ألف، قيل ثلاثين ألف، أي بمعنى أن قومهم وصلوا إلى هذا الرقم، إلى مئة وعشرين ألف، إلى مئة وثلاثين ألف. نأتي الآن إلى قوم يونس، ما الذي صار؟ أخبرناكم بأول قصة أن يونس عليه السلام لما وجد الإعراض من قومه دعا عليهم، وهددهم بما وقع للأمم السابقة، ثم خرج في حال غضب، مغاضبًا، تركهم في هذه الأثناء. في هذه الأوقات قوم يونس عليه السلام عرفوا خطورة ما هم عليه، فتفكروا في أمرهم، وما توعدهم به يونس عليه السلام بالاتعاض بما جرى من حولهم، فأخذوا يعملون فكرهم، وشعروا بأمارات العذاب ستنزل عليهم، فحينها تابوا وأنابوا، حتى قيل أنهم لشدة تيقنهم بنزول عذاب الله أنهم كانوا يفصلون بين المرأة وبين ابنها، يفصل يفصل يفصل على مستوى الآدميين، وعلى مستوى الحيوانات. ثم أخذوا يضجون إلى الله عز وجل بالدعاء، يضجون إلى الله عز وجل بالدعاء، والتوبة والإنابة والاستغفار، وأن الله يغفر لهم ما قد مضى، حتى غفر الله عز وجل، كما في قول ربنا عز وجل: إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا. فما إن جاء يونس إلى قومه إلا وقد وجدهم على أحسن حال، فآمنوا وأسلموا وأذعنوا له ولدينه ولشريعته، فمتعناهم إلى حين، فمتعناهم إلى حين. هذا، إخواني في الله، خلاصة ما يتعلق بقصة يونس عليه السلام مع قومه، وما جرى في أمره مع بطن الحوت. هنا مسألة، إخواني في الله، أشير عليها في قول ربنا سبحانه وتعالى: وذنون إذ ذهبا مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه، فظن أن لن نقدر عليه. نتمر علينا هذه الآيات، لكن بعضنا يشكل يشكل في فهمها، ما معنى أن من ظن يونس في ربه أن الله لن يقدر عليه؟ من هذه الاحتمالات الواردة عند بعض الناس: يظن أن المقصود بذلك أن الله عز وجل غير قادر على إهلاكه، وهذا باطل، إجماعًا، ما يظن هذا نبي مرسل موحى إليه، يظن هذا الظن بربه أن الله لن يقدر عليه، لن يهلكه، ما يظن هذا الظن. ولهذا قال العلماء: هذا الظن باطل، إجماعًا. الظن الثاني أو الاحتمال الثاني في معنى هذه الآية: بمعنى أن يونس عليه السلام ظن أن الله لن يقدر عليه، يقدر بمعنى يضيق، التقدير بمعنى التضييق، لن نقدر عليه، لن نضيق عليه، كيف هذا؟ أي أن يونس عليه السلام لما تعامل مع قومه بهذه المعاملة، دعاهم فلما تعب منهم وهددهم بنزول وعد الله وبعذاب الله، يرى أن يونس بهذه الأمور بعدما خرج عنهم، يرى أنه قد أدى الأمانة، قد أدى الذي عليه. وأن الله عز وجل لن يضيق عليه في دعوته، وأن الله سبحانه وتعالى سيفتح له في مجال آخر، وأن ما فعله كافي، فظن أن لن نقدر عليه، أي فيما عمله أن نضيق عليه فيما وقع له، يرى أنه قد أدى الذي عليه، وهذا نعم، هذا متوقع، وهذا الظن الذي قال العلماء وعليه تفسر هذه الآية. أما المعنى الأول فباطل. تنبيه ثاني، إخواني في الله، مما يتعلق بقصة يونس عليه السلام، يا عبد الله، وأنت تقرأ هذه القصة، وما كان من أحداثها ومجرياتها، إياك أن يقع في نفسك، فضلًا أن تتلفظ هذا بلسانك، ما فيه الغمز واللمز والطعن في نبي الله يونس عليه السلام، فهو نبي، وقعت منه أشياء، نعم، لكن انظر إلى مآلاته، جعل الله له أمة عظيمة، مئة ألف أو يزيدون، هم كلهم أتباعه، فهو رسول كريم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن متى، منع نبينا هذا الكلام؛ لماذا؟ منع نبينا هذا الكلام؛ لأن من بعض الناس من ينظر إلى قصة يونس، يرى أن يونس قصر، يرى أن يونس فعل، بل قد سمعنا هذا من بعض العصريين، حتى سمعنا من بعض الحركيين من يقول أن يونس فشل في دعوته، أعوذ بالله، فشل في دعوته. ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقول أحدكم أنا خير من يونس بن متى، لا تتفاخر على هذا النبي، وإن حصل منه ما حصل، فهو نبي كريم، قد عطاه الله جل وعلا من النبوة والوحي ما فضله على العالمين. فهذا الباب، إخواني في الله، ينبغي أن يكون في الحسبان. ننتقل الآن إلى قصة يوسف عليه السلام. أشرنا إلى يعقوب، وأن يعقوب عليه السلام استقر في فلسطين، بنى البيت المقدس، المسجد الأقصى، بنى، عمر، تزوج المرأة الأولى، فأتى منها بعشر من الولد، ثم تزوج من الثانية، فجاءته باثنين، بيوسف وبنيامين. وبنيامين، هنا إخواني في الله، كمقدمة مهمة جدًا في قصة يوسف عليه السلام، نحب أن نذكرها في هذا المقام. المقدمة الأولى، إخواني في الله، علينا أن نعلم في أمر قصة يوسف أن الحديث سيجرنا إلى بلاد مصر، تحدثنا عن حجاز والجزيرة والإسماعيل، عن الشام، عن فلسطين، عن سوريا، عن الأردن، سيأتي الحوار الآن عن يوسف عليه السلام إلى بلاد مصر. بلاد مصر كما قلنا وأسلفنا لا زالت كافرة، دولة تعود الأصنام والشرك، ما دخل عليها أحد يدعو إلى التوحيد. قلنا أشرنا: نعم، إبراهيم دخل ثم خرج، وما استطاع أن يدعو إليها. ولهذا تجد في عبارات يوسف عليه السلام لما كان في أرض مصر، وخاصة في السجن، وهو يدلل يدلل على أن مصر لا زالت على الكفر، كما قال ربنا عز وجل: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله، على من قصد ملة قوم لا يؤمنون؟ أهل مصر، لنتربى عندهم، بعد ذلك تربى مع تربيته في مصر، لكن ما أخذ بملتهم؛ لأنه ملة كفر، فهو لا زال على ملة آبائه، ملة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ملة التوحيد. وهكذا كان في السجن يدعو إلى توحيد الله: يا صاحبي السجن أأرباب المتفرقون خير أم الله الواحد القهار؛ لأن أصحاب السجن ومن كان في مصر كانوا لا زالوا يعبدون الأصنام والأوثان. في حين أن دعوة التوحيد قد انتشرت في الشام، وفي أرض الحجاز، لكن في مصر لم تكن كذلك. فهذا، إخواني في الله، مما يبين به مقدمة على أن سيكون الأحداث القوية في أرض مصر، قصة يوسف عليه السلام. إخواني في الله، ليست هي في الحقيقة عبارة عن قصة أب فقد وحزن على فقدان ابنه فحسب، بل هي قصة عظيمة، قصة التوحيد، قصة الدعوة إلى الله جل وعلا. ولهذا قال يعقوب لأبنائه: وأعلم من الله ما لا تعلمون، أنتم لا تعلمون أشياء في يوسف، وما سيكون من مجريات الأحداث والأمور. ستقول إليه يوسف عليه السلام: سيمكنه الله من أرض مصر في وقت الناس كلهم بحاجة إليه. ولا أقول كلهم، أي أن من كان في مصر، لا كل من كان بجواره، أرض الحجاز، أرض الشام، أرض اليمن، كلهم سيأتون إلى بلاد مصر تحت إمرة يوسف عليه السلام. سيمكنه الله بعد حين، سيمكنه الله. أهل الشام سينزلون بمن فيهم يريدون الطعام لعظيم الجذب والجفاف الذي اكتسح الأراضي والأقاليم والمدن. يذكر فيما يذكر أن من النقوشات التي وجدت في أرض التتابعة من ملوك اليمن أن وجدوا في نقوشهم قالوا: لا تغتروا بالدنيا، لا تغتروا بالدنيا؛ فإنا قد جعنا وبعنا كيل طعام، واشترينا كيل طعام بكيل من ذهب في زمن يوسف، في زمن يوسف بن يعقوب. هذا وجد من المحطوطات، وهم في أرض اليمن، يذكر أن ارتحلوا إلى بلاد مصر تحت إمرة يوسف عليه السلام. فقصة يوسف، إخواني في الله، من القصص العظيمة التي اجتمعت عليها الدول من كل مكان تحت إمرة يوسف، فجعل الله حاجة الناس إلى هذا النبي الكريم حاجة الناس إلى هذا النبي الكريم. مقدمة ثانية من المقدمات المهمة في قصة يوسف عليه السلام، ألا وهي علينا أن نعلم، إخواني في الله، أن أهل مصر في تجارتهم إلى بلاد الشام كانوا يتوجهون شرقًا. وكان مرورهم ولا بد من أرض فلسطين، من أرض فلسطين. وإذا انتهوا من تجارتهم وأرادوا العودة رجعوا إلى جهة الغرب إلى سيناء وإلى مصر، كان ذلك مرورًا أيضًا بأرض فلسطين. وكانت هذه طريقة كما قال: طريق الملاحة ذهابًا إيابًا، ذهابًا. حتى أصبح من أهل فلسطين من اعتاد كما يقول: نحن في هذا الشارع تمر القوافل، ذهابًا من عمان، وجئا إلى عمان، أصبح السبيل ما هناك طريق آخر. هذا الطريق يمر علينا، وهكذا كان أهل فلسطين اعتادوا على أن القافلات المصرية للتجارة من مصر إلى الشام تمر على فلسطين ذهابًا وإيابًا، ما ولد هذا؟ ولد هذا على أن أهل فلسطين كانوا يعرفون المواقيت، يعرفون متى تمر القوافل، وهل هذا يفيدنا شيء في قصة يوسف؟ نعم، سيفيدنا، وسيأتي هذا الخبر إذا دخلنا في تفاصيل قصة يوسف عليه السلام. نبدأ، إخواني في الله، في قصة يوسف عليه السلام. قصة يوسف عليه السلام، يوسف سماه نبينا صلى الله عليه وسلم: هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، هكذا وصف نبينا صلى الله عليه وسلم هذا النبي صالح كريم، ابن كريم، ابن كريم، ابن كريم. فهو يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم، ذرية بعضها من بعض، نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي. يوسف عليه السلام أنزل الله عز وجل في حقه سورة كاملة، وهذا هو الموطن الوحيد الذي ذكرت فيه سورة يوسف، قصة يوسف، ما كررت في موضع آخر، ما كررت في موضع آخر، إنما جاء بها كاملة من وإلى في موضع واحد في سورة يوسف، بخلاف قصص الأنبياء تأتي في عدة مواضع من القرآن، تارة إجمالًا وتارة اختصارًا. أما قصة يوسف جاءت كاملة في هذا الموطن، وجاءت كذلك مع هذا المجيء في سورة واحدة، جاءت كذلك واضحة، حتى أن من العلماء من كان يقول أن من قرأ سورة يوسف ما يحتاج إلى أن يستعيب تفسير؛ لشدة وضوحها، يقرأها القارئ، سبحانه وتعالى، وتمعًا في أحداثها، إلا من أراد الزيادة في الفوائد والاستنباطات، هذا يحتاج. ومن عجيب ما يذكر في قصة يوسف عليه السلام أن قصة يوسف هي القصة الوحيدة التي جاء ذكرها في التوراة بتفاصيلها كما في القرآن، قصة يوسف عليه السلام هي القصة الوحيدة التي جاءت بتفاصيلها في التوراة كما هي في القرآن. إذا فتحت التوراة وارجع واسأل عن قصة يوسف تجد قصة يوسف كما هي عندنا في القرآن هي هي، اللهم في مسألة كما قال بعضهم وهي: ليس في التوراة ذكر البئر، طبعًا ليس في التوراة ذكر البئر، لكن هذا موجود عندنا، هذا موجود عندنا. كذلك مما أنبع عليه في قصة يوسف عليه السلام، إخواني في الله، ما جاء في أول سورة يوسف: نحن نقص عليك أحسن القصص، بما أوحينا إليك هذا القرآن. الكثير من الناس يربط هذه الآية بقصة يوسف؛ بحجة ماذا؟ بحجة أن هذه الآية ذكرت مقدمة لسورة يوسف، فماذا يفهم؟ يفهم بعض الناس على أن هذه الآية تشير إلى أن قصة يوسف هي أحسن القصص، وهل هذا صحيح؟ الجواب: لا، ليس بصحيح، ليس هذا بصحيح. ما الذي أراده ربنا عز وجل بقوله: نحن نقص عليك أحسن القصص؟ أراد الله عز وجل بالقصص هنا قصص القرآن كاملة، قصة آدم، قصة نوح، قصة صالح، قصة هود، قصة الأنبياء، كل هذه القصص من أحسن القصص، ومنها قصة يوسف، بل صرح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى قال: وقصة موسى أحسن من قصة يوسف. ولهذا ذكرت كثيرًا في القرآن، ما هناك قصة؟ قد أشرنا إلى هذا في بداية ذكر القصص على أن أكثر قصة ذكرت في القرآن هي قصة ماذا؟ قصة موسى عليه السلام، حتى قال من قال من السلف قال: كاد موسى أن يذهب بالقرآن، كاد أن يذهب؛ لشدة ما يذكر في القرآن حوادث، ستأتي معنى إن أطلت في الأعمار حوادث كبيرة وكثيرة جدًا لا تقارن. صرح بهذا شيخ الإسلام رحمه الله على أن قصة موسى أفضل وأحسن من قصة يوسف، ولهذا ذكرت كثيرًا في القرآن. ولهذا، يا عبد الله، لما تقرأ هذه الآية: نحن نقص عليك أحسن القصص، لا تجعل أن المقصود بالضمير هنا قصة يوسف هي أحسن القصص، لا، وإنما المقصود هنا اسم جنس، بمعنى أن الله يذكر لنا أحسن القصص، وهو ما ذكرها في كتابه، كل القصص القرآنية حسنة، فيها من العبر والعظة، منها قصة يوسف، منها قصة يوسف عليه السلام. فالدلالة إن شاء الله على هذه الفائدة واضحة. تبدأ قصة يوسف، إخواني في الله، في تلكم الرؤية التي رآها يوسف عليه السلام، حيث قطي أبتي إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، فقال له أبوه يعقوب: قال له يعقوب: يا أبت لا تقصص رؤياك على أحد فيكيد لك كيدًا. قد يقول