الآداب الشرعية في حياة المسلم اليومية - آداب النوم 2

الدرس في الآداب الشرعية في حياة المسلم اليومية - آداب النوم 2، آداب ما قبل النوم - تفقد الحقوق - تفقد الفراش وتهيئته وترتيبه واتخاذه - التفريق في المضاجع . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب ما قبل النوم وتفقد البيت

يتحدث عن أهمية تفقد أواني البيت وإغلاق الأبواب وتخمير الأوعية وإيكاء الأسقية قبل النوم، مع تفقد حقوق العباد وتسديد الديون.

تهيئة الفراش والنوم على طهارة

يتناول آداب النوم مثل غسل اليد، تفقد الفراش، واتخاذ فراش للنوم، وتجنب السهر لغير ضرورة، مع التأكيد على أهمية النوم على طهارة.

فضل النوم على طهارة ودعاء الملك

يبرز فضل النوم على طهارة حيث يرافق ملك النائم ويدعو له بالمغفرة عند الاستيقاظ، مستنداً إلى حديث أبي هريرة عن النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس كان الشروع في ذكر آداب النوم، وأشرنا كمقدمة إلى أهمية تعلم وتفقد هذا الأدب. وأشرنا إلى أن آداب النوم كثيرة، فكان من المناسب أن تقسم إلى أقسام ثلاث: آداب للنوم قبل النوم، وفي أثناء النوم، وما يكون بعد النوم. فأشرنا إلى ما يتعلق بالآداب المتعلقة قبل النوم، وذلك بما يكون من تفقد الإنسان لأمر بيته، وذلك بالعروج على أوانيه، وهكذا ما يتعلق بتخمير الأوعية، وما يكون من إغلاق الأبواب، وما يكون من إيكاء الأسقية، كما جاءت في ذلكم الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا من الآداب أن يتحرى المكان المناسب، ويبتعد عن الأماكن التي دل عليها الشرع أو العرف بالابتعاد عنها، كالنوم عند النيران، والنوم في سطوح لا حواجز لها، وهكذا النوم في قارعة الطريق، وقس على ذلكم. وأيضًا، إخواني في الله، من الأمور التي ينبغي أن يؤديها المسلم قبل أن يأتي إلى فراشه ما يكون من تفقد حقوق العباد، ما يكون من تفقده لحقوق العباد التي في ذمته. ولهذا جاء في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما حق امرئٍ مسلم أن يبيت ليلتين وله شيءٌ يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبةٌ عنده»، رواه البخاري ومسلم. فجاء في هذا الحديث أمر فيه نبينا، وأرشد إلى أن الإنسان إذا كان مطالبًا بالحقوق من قبل غيره، فلينبغي له أن يوصي لهذه الحقوق، إذ أن النوم وفاة، وإن كان أكثر العلماء في شرحهم لهذا الحديث ينزلونه على من كان مريضًا، لأنه في مرضه قد يكون هذا تمهيدًا لوفاته، فليحرص على أن يؤدي الحقوق، وخاصة الواجبة، لأنه إذا توفاه الله جل وعلا في هذه الفترة ولم يوصِ بشيء، ضاعت حقوق الناس، سيأتي أصحاب الحقوق إلى ورثتك وأهلك وقرابتك يطالبون بأموالهم، فلا يجدون هناك إثباتًا ولا برهانًا، فضاعت الحقوق. كذلك من المسائل المتعلقة بالتفقد قبل النوم ما يكون من تفقد الإنسان نفسه وجسده قبل أن يأوي إلى فراشه، بأن يبعد عنه كل ما يؤدي إلى ضرره. ويدل على ذلك ما جاء من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه»، رواه الترمذي وأبو داود، ويحسنه العلامة الألباني. فقول عليه الصلاة والسلام: «من نام وفي يده غمر»، والغمر بفتح الغين والميم كما قال العلماء هو ريح اللحم، وزهومته. وأدخل العلماء كل ما كان له دسومة، إذ أن هذه الدسومة التي تبقى في اليد فإن لها أثرًا. فقال عليه الصلاة والسلام: «ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه»، أصابه مرض مثلًا من الأمراض، لأن في بعض الرواية عند الطبراني: «فأصابه برص»، أو تأتي الدواب والحشرات إلى هذه الريحة، وخاصة أنك في الليل ستنام، وهذه الزهوم لها ريح تنتشر في أرجاء البيت، فلربما استقطبت هذه الريح بعض الهوام تخرج من جحورها. كذلك مما يذكر من آداب النوم قبل الخلود إلى النوم ما يكون من تفقد أمر الفراش. وهذا الفراش، إخواني في الله، تحته عدة مسائل. المسألة الأولى: الشرع دل على مشروعية اتخاذ الفرش، أن يكون لك يا عبد الله فراشًا تفترشه لنومك، وحرص على أنك لا تنام في الأرض كمن يدعي أنه أراد الزهد وأراد أن يلتصق بالأرض، لا يا عبد الله، بل اتخذ لك فراشًا. وقد دلت الشريعة على هذا الاتخاذ، فقد جاء من حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفراش فقال: «فراش للرجل وفراش لامرأته وفراش للضيف، والرابع للشيطان»، رواه أبو داود. فهذا الحديث أشار فيه نبينا صلى الله عليه وسلم إلى مشروعية الاتخاذ للفرش، أن الإنسان يكون معه فراشًا ينام عليه. كذلك من آداب النوم قبل النوم أن لا يسهر، أن يبتعد عن السهر قدر الإمكان. فعن أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب أن يؤخر العشاء، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها»، رواه البخاري ومسلم. فكان يكره الحديث بعد أن تصلي العشاء، إلا أن هذا الحديث لعمومه هناك استثناءات. من هذه الاستثناءات إذا كنت يا عبد الله مصليًا أو مسافرًا، وذلك لما ثبت عن نبينا عليه السلام أنه قال: «لا سهر إلا لمصل أو مسافر»، والحديث في الصحيحة. أو يكون السهر لطلب العلم، ولهذا بوّب الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب السمر في طلب العلم»، ويدخل في هذا السمر القراءة في الكتب، النظر، المراجعة، الاستماع، إقامة الحلقات العلمية، كل ذلك جائز ولو كان بعد إعصار العشاء. كذلك مما يتعلق من آداب الفراش أنك قبل أن تنام تهيئه، تنظمه، ترتبه، يعني مثل بعض الناس يأتي من شغله أو يأتي من عمله أو يأتي من مكان فيجد الفراش مطروحًا فينام نومًا سقوطًا عليه وهو مبعثر. هنا يا عبد الله من الآداب أنك رتب، انتهينا من عملية التنفيذ، بعد التنفيذ الترتيب، نفض الفراش، تنفضه، رتبه، هذبه، قومه، زينه، ثم نم عليه يا عبد الله النوم المريح. ومما يستدل به على ذلك ما رواه البخاري في الأدب المفرد عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: «إن الشيطان يأتي إلى فراش أحدكم بعدما يفرشه أهله ويهيئونه، فيلقي عليه العود أو الخشب أو الشيء ليغضبه على أهله». فإذا وجد ذلك فلا يغضب على أهله لأنه من عمل الشيطان. كذلك مما يتعلق من آداب النوم التفريق بين الصبيان. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال عليه الصلاة والسلام: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». فهذا من الآداب المتعلقة من آداب النوم، وهو من كان عنده صبيان، فليحرص أن يفرق بينهم. إذا أردت يا عبد الله أن تنام كن على طهارة، وأفضل الطهارة أن تتوضأ ثم تنام. روى الإمام البخاري ومسلم من حديث البراء بن عازب قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة». فهذا الحديث دل على أن الإنسان يحرص على أن يكون معه وضوء عند نومه، لا ينام إلا وهو على طهارة. والنوم على طهارة يا عبد الله له حكم كثيرة، منها مخافة أن تأتيه منيته وهو على غير طهارة، لأن كما قلنا مع نومك سلمت وفوضت أمرك إلى الله، فقد تعود إليك نفسك وقد لا تعود. فإن ميت على طهارة، فإن ميت على طهارة. كذلك من حكم النوم على طهارة أن هذه أصدق للرؤيا، وما تراه في نومك أصدق للرؤية، تأتيك الرؤى الصادقة، الرؤى بالبشارة بالخير، وتبتعد عنك الأحلام والكوابيس المفزعة. كذلك من فضائل النوم على طهارة ما جاء من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من بات طاهرًا بات في شعاره ملك، فلا يستيقظ إلا قال الملك: اللهم اغفر لعبدك، فإنه قد بات طاهرًا». والحديث يحسنه الألباني. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.