الدرس في شرح كتاب التوحيد 254، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بتوضيح أهمية باب أسماء الله الحسنى في كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب، وعلاقته بالتوحيد وتعظيم الله. يُحدد ضابط أسماء الله الحسنى بأنها الأسماء الدالة على صفات الكمال لله تعالى.
يشرح المقطع قواعد أسماء الله الحسنى، حيث تدل على صفات كمال الله، وتبلغ في الحسن منتهاه، ويتصف الله بصفة كاملة في كل اسم. يُبين أيضًا أن أسماء الله أعلام وأوصاف لمسمى واحد وهو الله، وليست محصورة بعدد معين.
يُناقش المقطع دلالة أسماء الله الحسنى وكونها غير محصورة بعدد معين، مع الإشارة إلى الحديث الصحيح الذي ذكر تسعة وتسعين اسما. يُؤكد أن أسماء الله توقيفية ولا يجوز الاجتهاد فيها أو إضافة أسماء جديدة.
يختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، مما يظهر توجيهًا دينيًا وتأكيدًا على العلم الإلهي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. هذا بابٌ جديد من أبواب كتاب التوحيد، وها نحن نستأنف هذه الدروس التي انقطعنا عنها لسبب إقامة الدورة العلمية المكثفة التي أقيمت في هذه الدار وفي هذا المسجد المبارك. هذا الباب الذي بين أيدينا بوّاب عليه المؤلف الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بقوله: باب قول الله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. أولاً، ما علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد؟ المؤلف رحمه الله تعالى سيورد لنا المسائل الدالة على أنه من إعظام العبد لربه وتعظيمه لجناب الله جل في علا، ما يكون من تعظيمه لأسمائه وصفاته، وذلكم أيضاً مع تعظيمه ما يتخذها سبباً ومحلاً للدعاء والتضرع. لهذا قال ربنا ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾، والدعاء من مفردات التوحيد. فلما كان العبد مطالباً بأن يتحرى الإعظام بأسماء الله والتوجه لله بالدعاء، ناسب أن يذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بكتاب التوحيد. وأما ما يتعلق بمناسبة هذا الباب للأبواب التي سبقت، فإنه يجمعها جامع واحد وهو تعظيم الله، تعظيم الله في أسمائه. فقد سبق معنا في الباب السابق أنه ليس من تعظيم الله جل وعلا أن تكون أسماء الناس معبدة لغير الله، كما مر معنا في الباب السابق. ليس هذا من تعظيم الله أو من تعظيم أسماء الله أن تعبد الأسماء لغير الله. وهكذا أيضاً في هذا الباب، ليس من تعظيم الله جل وعلا الإلحاد في أسماء الله، كما سيأتي معنا في هذا المقام. فالشاهد أن المؤلف رحمه الله تعالى أورد لنا هذا الباب لكي يتحدث عن أسماء الله جل وعلا، وأنها ينبغي أن يدعى الله جل وعلا بها. وقبل الدخول والشروع إخواني في الله في هذا الباب، نود أن نتحدث عن بعض القواعد المهمة التي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يفقهها في هذا الباب العظيم من أعظم أبواب التوحيد، وهو التعرف على أسماء الله. فإن فيها من القواعد ما غفل عنها الكثير من أهل الإسلام. وأولى هذه القواعد إخواني في الله، ينبغي أن نعرف ما هو الضابط أسماء الله الحسنى؟ ما هو الضابط؟ ذكر العلماء كالإمام السعدي وغيره أن الضابط أسماء الله الحسنى: "كل اسم لله دل على صفة كمال". فلابد من هذين القيدين: اسم لله دل على صفة، وهذه الصفة فيها كمال. فإن توفر عندي أن هذا الاسم احتوى على صفة، وهذه الصفة فيها كمال، كان عندي اسم من أسماء الله الحسنى. فخرج بهذا القيد إخواني في الله ما لو كان هذا الاسم لا يدل على صفة، إذا كان اسما من أسماء الله ما يدل على صفة، فإنه يكون حينها كالأعلام المحضة. مثل الدهر، فقد جاء في الصحيح قال الله عن نفسه: "أنا الدهر، بيدي أقلب الليل والنهار". فالدهر قال الله عن نفسه: "أنا الدهر"، لكن لو نظرنا إلى هذا الاسم "الدهر"، هل دل على صفة؟ لا، ما دل على صفة. ولهذا العلماء لا يعتبرون "الدهر" اسما من أسماء الله، لأن من قيود أسماء الله أن تدل على صفة. والقيد الثاني أحيانا نعم، نجد مما يذكره الله جل وعلا عن نفسه شيء من الصفات، إلا أن هذه الصفات ليس فيها كمال، وإنما هي تشترك بين المدح والقدح. مثل من أوصاف الله جل وعلا أنه يمكر سبحانه، وأنه يخدع، لكن هذه الصفات لو تجدونها نعم في حياة الخلق، أن صفة الخداع والمكر والكيد ليست دائما تكون على خير، بل أحيانا تحمل على المعاني السيئة. فلما كانت هذه الصفات تكون أحيانا مدحا وأحيانا قدحا، فلا تطلق على الله، بل إنه من تأمل في وصف الله جل وعلا لهذه الصفات لنفسه، تجد أن الله لا يذكرها عن نفسه مطلقا، وإنما يذكرها عن نفسه مقيدة. مثل ما الصفة الخداع، فإن الله جل وعلا إنما يخدع من قام هو بخداع ربه أو بخداع خلقه أو بخداع دينه، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ويخدعون الله وهو خادعهم﴾، فإنما الخداع من الله تم ما كان من خداع الكفار له جل في علاه. وهكذا قس في مسألة المكر، فالله جل وعلا نعم يمكر، لكن يمكر بمن؟ بمن هم الذين بدأوا بالمكر؟ أرادوا أن يمكروا بدينه، أرادوا أن يمكروا بأوليائه، فقال الله: "يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين". وهكذا قس في مسألة الكيد، فالله يكيد، لكن كيده يتنزل على من؟ يتنزل على الذي من بدأ بالكيد، فأراد أن يكيد على دين الله، من أراد أن يكيد على الصالحين على أولياء الله من عباد رب العالمين، فحينها الله يكيد به. إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا، فتجد أن هذه الصفات تجد أن الله لا يطلقها كاملة مطلقة لنفسه، وإنما يجعلها بالمقابل، إذ أن هذه الصفات في الأصل ليست كمال بحد ذاتها، ولهذا لا تطلق على الله سبحانه وتعالى. فإذا ضابط الأسماء الحسنى هو كل اسم دل على صفة كمال، لا بد من هذين: دل على صفة كمال. فإن لم يدل على صفة، فليس من أسماء الله، وإن كانت الصفة ليست كمال، وإنما أحيانا وأحيانا، فهذا كذلك ليس من أسماء الله. القاعدة الثانية من قواعد أسماء الله جل وعلا: أن أسماء الله جل وعلا بلغت في الحسن المنتهى. الناس نعم في هذه الدنيا يتسمون بأسماء، أحيانا تجد أن الإنسان يتسمى باسم وهو في واد واسمه في واد آخر. تجد رجل شقي عنيد عاق قاطع للصلاة قاطع لأرحامه، واسمه صالح، أين هذا من الصلاح؟ أو اسمه عبد الله، وهو منغمس في الشهوات والملذات، وهو عبد للشيطان، ليس عبدا لله. فتجد أن في دنيا الناس من يتسمى بأسماء هي على واد وما كان في واقع على واد آخر. أو من الناس نعم من يتسمى بأسماء له منها نصيب، تسمى بصالح وفيه صلاح، لكن تجد أن صلاحه على قدره على أمره. بخلاف الله جل وعلا، فإن الله إن تسمى باسم، فإن هذه الصفة التي اجتمعت عليها اسم الله قد بلغت المنتهى. فالله عز وجل من أسمائه الغفور، الذي دل على صفة المغفرة، أي مغفرة؟ مغفرة لا تخطر على بال أحد من خلق الله، يغفر لمن يشاء جل في علا. وهكذا قسم من أسماء الله الرحمن، فربنا جل وعلا يتصف بصفة الرحمن، فهو الرحمن، اتصف بصفة الرحمة التي هي منتهى الرحمة. ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾، فربنا جل وعلا إذا تسمى باسم، فإن أسماءه بالغة في الحسن، ليس فيها نقص بوجه من الوجوه. كذلك مما يذكر من قواعد أسماء الله جل وعلا: أن أسماء الله أعلام وأوصاف، لأن كما أشرنا في الضابط: اسم الله هو كل اسم دل على صفة صفة كمال، فالاسم يتعلق وثيقا بالصفة. ولهذا يقول العلماء: أن أسماء الله عبارة عن أعلام وأوصاف، فهي أعلام باعتبار الذات، وهي أوصاف باعتبار المعاني. فإن الصفات معاني، فالله جل وعلا يرحم ويغفر، فهذه معاني دل عليها اسم الله الرحمن والرحيم. فمن القواعد إخواني في الله في هذا الباب: أن نعلم أن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد وهو الله. فأسماء الله مهما تعددت، فهي تأول وتعود إلى الله الواحد الفرد الصمد. فالله عز وجل هو الرحمن، وهو الرحيم، وهو الغفور، وهو الشكور، وهو الودود، وهو السلام، وهو المحي المميت. مهما عددت من هذه الأسماء، كلها تعود إلى الله. ولهذا كان الكفار يستغربون عندما يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا يدعو "يا الله" تارة "يا الرحمن"، قال: "إيش كم من إله يعبد هذا؟ كم من إله؟ الله والرحمن وآخر وآخر". ظنوا أن تعداد الأسماء تدل على تعداد المسميات. فقال ربنا عز وجل: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيما تدعو فله الأسماء الحسنى﴾، سواء دعوت بهذا الاسم أو دعوت بهذا الاسم، فكلها تعود إلى الله سبحانه وتعالى. القاعدة الأخيرة في هذا الباب: علينا أن نعلم أن أسماء الله ليست محصورة بعدد، بل إن لله جل وعلا أسماء كثيرة لا يحصيها الحاصي ولا يعدها العاد. ولهذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحد من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك». فأسماء الله جل وعلا منها أسماء قد علم في كتابه وعلى ألسنة رسله، ومن أسماء الله ما قد استأثرها الله لنفسه في علم الغيب. ومن هذه المسائل الغيب التي ستأتي يوم القيامة عند الشفاعة، عندما يأتي نبينا صلى الله عليه وسلم ويخر ساجدًا تحت عرش الرحمن، يشفى عند ربه جل وعلا لفصل القضاء، فيخبر نبينا عليه الصلاة والسلام عن نفسه أنه إذا سجد يسأل ربه جل وعلا ويدعوه بأسمائه، فيفتح الله عليه من الأسماء ما لم يخطر على باله. هذا مما استأثر الله بعلمه من أسمائه. فأسماء الله غير محصورة بعدد، لكن قد يقول قائل: ألم يأتي في الحديث الصحيح: «إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة»؟ نعم، لكن قال العلماء: هذا الحديث ما ليس فيه إرادة الحصر، ليس فيه أن أسماء الله تسعة وتسعين اسما فقط لا. إنما هذا الحديث دل على أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسما، من علمها وعمل بها أدخله الله الجنة. كحال إنسان مثلا يقول لك: رجل أنا عندي ألف ريال جعلتها صدقة، أعددت ألف ريال جعلتها صدقة. هل ستفهم من كلامه أن ماله كله ألف ريال؟ لا، وإنما أخبرك على أن له مال خصه للصدقة، وهناك مال غير هذا المال. على هذا يحمل ما جاء في هذا الحديث: «إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة»، أي أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسما، من وفق إلى إحصائها، ومعنى الإحصاء: العلم بمدلولها والعمل بمقتضاها، من وفق لها أدخله الله الجنة. كذلك من القواعد في باب أسماء الله جل وعلا: أن أسماء الله توقيفية، ومعنى توقيفية: أي أنها موقوفة عن السمع، لا يمكن لأحد منا أن يجتهد في هذا الباب، ليس قابل للإجتهاد أو لإدخال العقول في أنك تبتكر لإله أسماء. ولهذا يعبر عن هذا الباب بأن أسماء الله توقيفية. وفي كتب التوحيد عندما يعرفونك التوحيد الأسماء والصفات، قالوا: هو أنك تثبت ما أثبته الله لنفسه من اسم وصفة، وهكذا ما أثبته له نبيه. فباب الأسماء والصفات موقوف على الكتاب والسنة، فلا نزيد. وهذا بخلاف ما عليه الضلال من اليهود والنصارى وغيرهم، فالنصارى مثلا يسمون الله بماذا؟ بالأب. تعلمون التثليث، التثليث عند النصارى ما هو؟ الإبن والأب وروح القدس، الأب والإبن وروح القدس، وهذه إشارة التثليث. فمن يعنون بالأب؟ الله، هل هذا يجوز؟ لا، هذا لا يجوز، ليس هذا مما أطلقه الله على نفسه. ولهذا لا يجوز هذا الإطلاق. أو كذلك ما يقوم به الفلاسفة، أنه يسمون الله جل وعلا مثلا بالجوهر، يعبرونها الفلاسفة والمناطقة. ويقول: أن جوهر الكون أراد كذا، من جوهر الكون؟ يقول: هو الخالق، إذن هو الله. طب لماذا تعبرون عن الله بالجوهر؟ هل هذه من أسماء الله الذي أمر الله بها أن ندعوه بها؟ الجواب: لا، إذن ما يجوز هذا. الباب وهو أنك تشتهد في إطلاق اسم لله، من أراد أن يسمي الله باسم لابد أن يأتي بدليل من الكتاب والسنة. أخيرا إخواني في الله، إن من أسماء الله جل وعلا ما هي من أسماء الله الحسنى التي من عظمتها أنك إن سألت الله بها أعطاك، وإن دعوته بها أجابك، وهما يسمى باسم الله الأعظم. واسم الله الأعظم اختلفت الروايات الحديثية في ضبط هذا الإسم، وسبب الاختلاف لاختلاف الروايات الصحيحة في هذا الباب. فلربما مر نبينا صلى الله عليه وسلم على شخص دعا بدعاء، فسمعه نبينا، قال: «هذا قد دعا باسم الله الأعظم الذي إن سئل به أجاب وإن دعي به أعطى». ثم يسمع نبينا في حديث آخر شخصا آخر دعا بدعاء وذكر فيه اسما من أسماء الله، فقال، له نبينا مثل ما قال للأول: «لقد دعا باسم الله الأعظم». ولهذا لهذه الاختلافات الروائية الحديثية، اختلف العلماء في الضبط: ما هو اسم الله الأعظم؟ وأشهر ما يذكر في هذا الباب: "يا حي يا قيوم". أشهر ما يذكر من اسم الله الأعظم: أنك تدعو بهذا الاسم "يا حي يا قيوم". ولهذا يا عبد الله، إذا كنت حريصا على دعاء الله، اجعل في أثنائي دعائك من التبرك والثناء على الله بهذين الاسمين "يا حي يا قيوم". وهكذا من الأسماء الذي قيل فيها أنها من اسم الله الأعظم: "يا ذا الجلال والإكرام"، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ألزموا - بمعنى أكثروا - بيا ذا الجلال والإكرام». وهكذا من هذه الأسماء: "يا بديع السماوات والأرض"، وهكذا من هذه الأسماء: "يا منان". هذه الأسماء المذكورة، احرص عليها إذا دعوت الله في سجودك، في قيامك، في أوقات الإجابة، حاول أنك تكثر من هذه، من التبرك إلى الله بهذه الأسماء، فقد جاءت الروايات في وصفها بأنها من اسم الله الأعظم، وخاصة ما ذكرنا من المرتبة الأولى "يا حي يا قيوم"، والمرتبة الثانية "يا ذا الجلال والإكرام". الشاهد إخواني في الله، هذه مقدمة سريعة بين يدي هذا الباب، والذي سيذكر فيه المؤلف رحمه الله تعالى ما يدل على عظمة أسماء الله جل وعلا، وأننا مأمورون بأن ندعو الله بها، وسيأتي هذا معنى بإذن الله في درس غد. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.