شرح كتاب التوحيد 258

شرح كتاب التوحيد 258

الدرس في شرح كتاب التوحيد 258، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح حديث ابن مسعود في التشهد وتفسير نوايا الصحابة

يشرح المقطع حديث ابن مسعود حول التشهد وما كان يقوله الصحابة أثناء الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين نوايا الصحابة وراء قولهم "السلام على الله". يُفسر أيضًا موقف الشريعة من الألفاظ المستخدمة في العبادات.

تحليل حديث النبي حول لفظ "السلام على الله" ونهيه عنه

ناقش المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهى فيه عن قول "السلام على الله" لأن الله هو السلام، وأمر بدلاً من ذلك بقول "التحيات لله". يُبين أن هذا النهي يدل على التحريم ويشرح العلة من وراء هذا النهي.

حكم استخدام لفظ التحية في مخاطبة الناس وتوضيح الخلاف بين العلماء

المقطع يوضح حكم استخدام لفظ التحية في مخاطبة الناس، ويبين الخلاف بين العلماء حول جواز صرف لفظ التحية لغير الله، سواء جاء مفردا أو مجموعا، مقيدا أو مضافة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، بالأمس إخواني في الله كان حديثنا عن هذا الباب، والذي بوَّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «بابٌ لا يقال السلام على الله»، ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وفي الصحيح عن ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه قال: «كنا إذا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة قلنا السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث تحت هذا الباب الذي قد مضى معنا في تفسير معانيه ومسائله، فقوله: «في الصحيح»، أي أن هذا الحديث ثابتٌ قد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو كذلك، فقد ثبت في البخاري ومسلم، فقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «كنا إذا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة»، وهذا إشارة إلى أنهم يكونوا معه في صلاة الفريضة، وهم معه يكونوا في صلاة الجماعة. قال: «قلنا»، وهذا سيكون في التشهد، لأنه قد جاء في بعض روايات كنا نقول في التشهد، ما الذي كان يقوله الصحابة؟ قال: «قلنا السلام على الله من عباده، السلام على الله من عباده»، بمعنى أن العباد يسألون الله السلامة، بمعنى أن العباد هم يسلمون على الله، يسلمون على الله، هذا المعنى، طبعًا الصحابة رضي الله تعالى عنهم هم أرادوا من هذا الكلام ومن هذا اللفظ الإعظام والإجلال لله جل وعلا والثناء، فهذا المعنى هو هذا في مكمون قلوبهم، لكن اللفظ لم يسعفهم. والشريعة لا تراعي فقط المعاني وإنما تنظر كذلكم في الألفاظ، هل هذا لفظ مستقيم أم لا؟ صحيح بعض الناس يعبر وهو أراد شيء من الإجلال والإعظام لكن يخونه التعبير كما يقال، فهنا لابد أن يصحح اللفظ، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم أرادوا التمجيد لله، لكن كان منهم هذا اللفظ الذي جاء نبينا بتصحيحه، فصححه. فكان يقولون في صلاتهم، أي في تشهدهم: «السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان»، من فلان وفلان، جاء في بعض الرواية الصحيح أنهم كانوا يقولون: «السلام على جبريل، السلام على ميكائيل»، فكانوا يذكرون ملائكة بأسمائهم، وكانوا يسلمون عليهم، أن يسألون لهم السلامة، هذا النوع من أنواع السلام يمكن يعني أن الملك يحتاج إلى من أحد يدعو له بالسلامة. ولهذا نبينا صلى الله عليه وسلم عندما أراد أن يصحح الألفاظ التي تلفظ بها الصحابة، إنما صحح اللفظ الأولى، وكان من قولهم: «السلام على الله من عباده»، هذا صحح، أما اللفظ الثاني: «السلام على فلان، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل»، لم يعرج عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، قالوا العلماء دل على أن هذا يمكن أن هذا يقبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا السلام على الله»، وهذا النهي يقتضي التحريم كما قال العلماء، هذا لا يجوز، بل هذا لفظ المحرم، وقد أشرنا في درس أمس كمقدمة لماذا هذا اللفظ محرم؟ لأن هذا اللفظ يوهم التنقص بأن الله عز وجل يعتريه النقص، يعتريه آفة، يعتريه خلل، يصل إليه ضر، فنسأل الله جل وعلا أن يسلم نفسه بنفسه، كيف هذا؟ لا، الله عز وجل ما يصله شيء. ولهذا من أسماء الله جل وعلا القدوس، الذي تقدس، السلام الذي سلم من كل آفة، ومن هذا الذي يلحق الأذى بالله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني»، من؟ من الذي سيبلغ به الجرأة إلى أن يصل أو يوصل المضر لربه؟ ما هناك أحد قط، «إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني»، فلن يصل إلى الله شيء من الضرر، فكيف بعد ذلكم تقول: «السلام على الله» بأنك يا رب تسلم من آفات، تسلم من النقائص؟ لا، هذا فيه تنقص في حق ربوبية الله، وما كان من أسمائه وصفاته، فلله الأسماء الحسنى وله الصفات العلى التي لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه. ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مبينا العلة: «لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام»، هو السلام، هو الكامل المكمل سبحانه وتعالى. ثم في تمام الحديث، في تمام الحديث المؤلف ما ذكر هذا، لكن من باب الفائدة، في تمام الحديث قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «ولكن قولوا التحيات لله»، وهذا فيه إشارة إلى مسلك تربوي قد مر معنا تكرارا في دروس خلت، على أن الشرع إذا أغلق على الناس بابا يفتح لهم البديل، البديل، فلما أغلق عليهم هذه العبارة، وأن هذا مما لا يليق بمقام الرب أن يقال: «السلام على الله»، إذن قولوا: «التحيات لله»، هذا البديل، وهذا الذي جرى عليه السنة النبوية في أمر التشهد عند الصلاة، أن نقول: «التحيات لله»، التحيات لله، التحيات جمع تحية، وما معنى التحية؟ اختلف العلماء كما أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وهو كان حريصا على أن يجمع معاني هذه الكلمة، قيل أنها بمعنى الملك، قيل أنها بمعنى البقاء، قيل أنها بمعنى الثناء، أي أن الثناء كل الثناء والابتهال والتضرع وصفات الجلال والجمال لك يا رب، التحيات، أي الثناء هو لله، التحيات لله، أي مستحقة لله، لا تليق بغيره. فعلى هذه اللفظة إخواني في الله: «التحيات لله» بمعنى لا تكون إلا لله، فما حكم هذه العبارة التي درج عليها الناس في خطاباتهم: «ولك مني تحية يا فلان»، «تحية لفلان»، «تحية للأخ الكريم»، «تحية لهذا الشعب المغوار»، تحية، تحية، تجد الناس يستخدمون لفظة تحية ويصرفونها لغير الله، ما حكم هذا؟ هذه المسألة إخواني في الله فيها تفصيل عند أهل العلم. أولا إذا جئ بهذه اللفظة على وجه الإفراد، فإن شاء الله لا شيء فيها، كأن تقول: «تحية لفلان»، «تحية للأخ»، «تحية لمن يسأل عني»، فتأتي بتحية، لأن الحديث إنما جاء بلفظ الجمع: «التحيات»، والألف واللام هنا للعموم، أي جميع التحايا، فإذا ذكرت لفظ الإفراد لم تدخل في هذا اللفظ، فلا بأس أنك تأتي بلفظ التحية، كما يقال في آخر الخطاب: «ولك مني تحية»، تحية، لا بأس. الصورة الثانية: إذا جئ بها بلفظ الجمع، جئ بها بلفظ الجمع: «تحياتي لفلان»، «تحياتنا للشعب فلان بن فلان»، ومثل ذلك التعابير، ما حكم هذا؟ هذه العبارة وقع فيها خلاف بين أهل العلم، من أهل العلم من منع، وأن هذا لا يجوز، الجمع جمع التحايا لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى، استدلالا بهذا الحديث: «التحيات لله»، في الإفراد لك، في الجمع هذا ليس لك، هذا تكون لله، ولا يصرف إلا لله. وطرائف من أهل العلم من أجاز، قال: «لا بأس إذا كانت التحيات مجموعة صرفت لغير الله لفلان وفلان تجوز»، بشرط أن تكون مقيدة، أن تكون مضافة، فلو قال: «تحياتنا نحن»، «تحياتنا لفلان»، فقال العلماء هنا ما في إشكال، قالوا هنا ما في إشكال، وطبعا هذا محل اختلاف بين العلماء، «تحياتنا»، فمنهم من أغلق، قال: «لا يجوز لأنها جمع»، ومنهم من أجاز، قال: «لأن هذا الجمع وإن كان جمع لكنه محصور، محصور بماذا؟ أن هذه التحيات صادرة منا نحن، من أسرتي، عائلتي، من شعب معين، من أناس مخصوصين، فهي تحايا مجموعة، لكن على شيء محصور، فتحياتنا مضافة، تحياتنا مقيدة»، فلو أعطيناها لمن أعطينا ما في شيء، وهذا الذي يميل إليه العلامة ابن عثيمين رحمه الله، إذا كانت التحايا مجموعة لكنها مضافة مقيدة، ليس فيها مانع. وإنما الصورة الثالثة، وهذا الذي هو محل اتفاق العلماء، أنك تأتي بالتحايا مجموعة غير مضافة ولا مقيدة، هذا لا يجوز: «التحيات لفلان»، انتبه كيف؟ «التحيات»، «التحيات»، أي جميع التحايا، كل التحايا تكون لفلان، هذا لا يجوز إلا لله، للحديث: «التحيات لله»، فهذه ثلاثة مراحل في مسألة التعظيم، لأن كما يقول العلماء: «التحية تعظيم»، التحية نوع من أنواع التعظيم. فالتحايا التي تكون من المخلوق إلى الخالق، فإنها تأتي على وجه الإعظام، والتحية من الخالق إلى المخلوق، فإنها تأتي على وجه الإعظام، ومن المخلوق إلى الخالق، فإنها تخرج مخرج الدعاء، تخرج مخرج الدعاء. فالشاهد إخواني في الله أن التحايا على هذا التفصيل، إن كانت مفردة فعلى القول الصحيح ما فيها إشكال، وإذا كانت مجموعة لكنها مضافة، ففيها خلاف، ومن أهل العلم من أجاز، والصورة الثالثة أن تكون مجموعة غير مضافة ولا مقيدة، كأن تقول: «التحيات لفلان»، هذا لا يجوز، لأن الحديث قد بيّن على أن التحايا مطلقة لا تكون إلا لله جل في علاه. فالحاصل إخواني في الله أن في هذا الحديث الذي بين أيدينا، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام»، أن هذا لا يجوز، وإنما السلام إذا أطلق يكون فيما بيننا، كأن تقول: «السلام على فلان»، «السلام عليكم»، وهذه تحية الإسلام التي جاءت بها أدلة الكتاب والسنة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.