الدرس في ذو الحجة مسائل وأحكام 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُنبه المتحدث على خطورة ابتداع أذكار وأوراد لم يأت بها الشرع في العشر من ذي الحجة. يحذر من ترويج مثل هذه الأذكار على أنها من المأثورات النبوية.
يستحب صيام العشر من ذي الحجة، وهناك خلاف حول قضاء رمضان في هذه الأيام. الأحاديث العامة تشمل صيام هذه الأيام وتدل على استحبابها.
ناقش المقطع أحكام صيام أيام العشر من ذي الحجة والأضحية. صيام بعضها خير من تركها، والأضحية سنة مؤكدة لمن استطاع.
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُنهي الخطاب بالصلاة والسلام على رسول الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلا زلنا إخواني في الله في هذه المقامات، وها نحن في المجلس الخامس نتذاكر وإياكم ما يتعلق بمسائل وأحكام العشر من ذي الحجة. ومما ذكرنا ما يتعلق بأهم الأعمال، وأشرنا إلى مسألة التوبة إلى الله والحرص على الفرائض والواجبات والإقبال على ذكر الله. وأشرنا أن من ذكر الله جل في علاه ما يكون من التسبيح والتحميد وما يكون من التكبير المطلق، ومن التكبير أعني المقيد المطلق، نعم، وهو الذي لا يتقيد بزمان ولا مكان، وإنما يكون في كل ساعات الليل وأطراف النهار. وأيضا يدخل في ذكر الله جل وعلا ما كان من قراءة القرآن. وهنا إخواني في الله أحب أن أشير إلى مسألة أن المسلمة إزاء هذه الصور التي هي من ذكر الله جل وعلا، إما تسبيحًا وتحميدًا، وإما قراءة للقرآن، وإما تكبيرًا، فإن هذا يغنيه عن الابتداع والإتيان بأذكار وأوراد ما أنزل الله جل وعلا بها من سلطان. لأن من المحدثات التي وقعت للناس في مثل هذه الأزمان والأوقات ما كان من تحريهم لبعض الأذكار التي ما أنزل الله بها من سلطان، وذلك كقول بعضهم: لا إله إلا الله عدد الليالي والدهور، لا إله إلا الله عدد الأيام والشهور، لا إله إلا الله عدد أمواج البحور، لا إله إلا الله عدد أضعاف الأجور، وهكذا صفحة كاملة، وهي متداولة. ورأيت أن الكثير من الناس يحرصون على هذا الذكر في هذه البلاد وفي غيرها من البلدان. بل للأسف يوجد من الأدعياء من أدعياء العلم من يخرج هذه الأوراد على أنها من المأثورات النبوية، وهذا كذب. أما أن هذا ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا، ما ثبت أبدًا. أضف إلى ذلكم أن هذه الألفاظ من هذه الأذكار لم تأتي في شيء من كتب السنة المعتمدة، لا في الصحاح ولا في المسانيد ولا في المصنفات ولا في السنن. وإنما هي دخيلة، حتى أن بعض هذه الألفاظ التي ذكرت: لا إله إلا الله عدد الشجر والحجر، نحو ذلك، وجد هذا الدعاء في كتب الشيعة، وجد هذا الدعاء في كتب الشيعة، ككتاب عدة الداعي ونجاح الساعي لمحمد بن أحمد الأسدي الشيعي، خرج هذه الألفاظ ونسبها لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وأن هذا مما يؤثر في شهر ذي الحجة. فانظر يا عبد الله إلى أين وصل الحال بالناس إلى أنهم يتلقفوا مثل هذه الأوراد والأذكار التي مضانها من قبل القوم. والله جل وعلا أغنانا بالسنة، أغنانا بالذكر الحكيم، أغنانا بالورد الشريف. وقد سئل العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى عن مثل هذه الأذكار التي يؤتى بها في شهر ذي الحجة، فذكر أن هذه بدعة منكرة، أن هذه بدعة منكرة ما أنزل الله بها من سلطان. لأن هذا تخصيص، كونك تخص ذكرًا بهذه العبارات، ثم تخصصه في زمن، ثم تنوي منه الأجر، هذه عبادة بحد ذاتها. ومن أين جاءت لك هذا التشريع يا عبد الله؟ لكن انظر يا عبد الله إلى الحرمان، انظر إلى الحرمان. ها نحن نذكر أن ذكر الله يدخل فيه التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والاستغفار والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. ويدخل فيه التكبير المطلق: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. وعندك القرآن، خذ يا عبد الله من هذه الأنواع ما شئت. ثم تجد من الناس من يعرض عن هذا بالكلية، لا يوفق إلى السنة، لا يوفق إلى العمل بما أمر الله، ثم يأتي إلى شيء دخيل على الدين. حين تعلم يا عبد الله أن الموفق من وفقه الله، والمحروم من حرمه الله. لكن لا تأسى على العوام، العوام أتبع كل زاعق وناعق. لكن تكبأ الأسى والحزن على الأدعياء الذين يغررون الناس بمثل هذه الأدعية، أين عقولهم؟ وهذا الشرع المبين يذكر اسم الله في أيام معلومات. ذكر الله جل وعلا واضح أفيح أبيًا واسع، فضيقوا على أنفسهم من المشروع حتى دخلوا في الممنوع. فالحاصل إخواني في الله أن باب الذكر كما أشرنا يكون تسبيحًا، تحميدًا كما جاء به النص، أو بقراءة القرآن فهو ذكر الله، أو ما يكون من التكبير المطلق كما عليه سلفنا الصالح. وما عدا ذلك من الأذكار والأوراد التي اخترعها الناس لأنفسهم فما أنزل الله بها من سلطان. أيضا إخواني في الله مما يذكر من الأعمال الفاضلة في أيام العشر من ذي الحجة ما يكون من شعيرة الصيام، فمن أجل الطاعة ومن أفضل القربات التي يتحلى بها المسلم والمسلمة في مثل هذه الأيام أن يتجشم الصيام. فإن ذلكم قد صحب به الأدلة، كما جاء في السنن من حديث هنيد بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام أن رسول الله كان يصوم التسع من ذي الحجة. هذا الحديث نعم من طريقه هنيد بن خالد، وقد اختلف العلماء في صحته. كما قال أبو نعيم وامرأته صحابية كما صرح بهذا الحافظ ابن حجر في التقريب، واختلف العلماء في صحة هذا الحديث. من أهل العلم من أعله كابن التركماني والزيلعي والمنذري، وبالمقابل فإن من جهابذة هذا الفن من صححه كالإمام أحمد رحمه الله تعالى، والسيوطي، وهكذا العلامة الألباني رحمه الله، فهم يرون صحة هذا الحديث. حتى لو لم يصح هذا الحديث، فإن الحديث العام يشمله: ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله، فالأعمال الصالحة كلها يحبها الله، وعلى رأسها الصيام، وعلى رأسها الصيام. ولهذا كان اتفاق الفقهاء من سائر المذاهب على استحباب صيام التسع من ذي الحجة. سائر المذاهب: الشافعية والمالكية والحنفية، وهكذا الحنابلة، بل والظاهرية. الظاهرية يقول ابن حزم رحمه الله تعالى: قال ويستحب صيام العشر من ذي الحجة قبل النحر، أي يوم النحر، ما يدخل، وهو الظاهري رأس الظاهرية. ومع ذلك سلم. وهكذا ما قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى، وهكذا النووي. بل قال الإمام النووي: ويستحب صيام هذه الأيام استحبابًا شديدًا، استحبابًا شديدًا، يعني ليس أي استحباب، يعني استحباب مؤكد مشدد عليه، أي لا تفرط أبدًا يا عبد الله في مسألة الصيام. وما أثير عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ما رأيت رسول الله صائمًا العشر كما في صحيح مسلم. قال العلماء: هذا يحمل على عدة محامل، يحمل على أن عائشة رضي الله تعالى عنها تحكي على أن النبي ما كان يستمر على هذا، كان أحيانًا يصوم العشر كاملًا وأحيانًا بعض، أو يحمل على أنه ما رأته عندها كاملًا، نعم، لأن النبي كان يتنقل في أبياته، ما كان يصوم عندها عشرًا كاملًا، وإنما بعض الأيام يجد يكون عندها وبعض يكون عند غيرها. وإلا فالأدلة العامة والخاصة، وعليه سائر الفقهاء على استحباب صيام هذه الأيام. ومع وجود هذا الحر وارتفاع درجة الحرارة، فإن الأجر يضاعف، يضاعف. فإن صوم الهواجر من أعظم العبادات عند الله، فكيف إذا كان صوم الهواجر وافق هذا الموسم الفاضل؟ فهو أجر فوق أجر، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. وهنا تأتي مسائل إخواني في الله من مسائل هذا الباب، مسألة أنه هل يستحب من كان عليه قضاء من رمضان أن يصوم، يجعل قضاء رمضان في هذه الأيام؟ مثاله: علي خمسة أيام من رمضان لمرض، لسفر، هل لي مثلًا أن أؤخر أيام القضاء وأتعمد أن أجعلها في أيام العشر من ذي الحجة؟ هذه مسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم. من أهل العلم من كان يستحب هذا، وهذا مذهب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، بل كان عمر يحث على هذا، يحث على أن من كان عليه قضاء من رمضان فليؤخره حتى يأتي هذا الموسم فليصمه، فكان يشجع على هذا عمر رضي الله تعالى عنه، وعمه جماعة من أهل العلم والتابعين. وبالمقابل هناك من أهل العلم من يمنع، وهذا المشهور عن علي رضي الله تعالى عنه، فقد كان يكره هذا، يكره، ويرى أن هذه الأيام ينبغي أن تبقى أيامًا خالصة تطوعًا لله. وعليه في هذا القول جماعة من التابعين والسلف، فهي المسألة الخلافية بين أهل العلم في حق من أراد أن يقضي أيام رمضان، هل يقضيها في هذه الأيام فيشرك النية أم لا يقدم أو يؤخر؟ هذه مسألة وقع فيها نزاع من أحكام الصيام إخواني في الله في أيام ذي الحجة، أنه من لم يستطع على صيام التسع من ذي الحجة فلا أقل أن يصوم بعضها. لأن من الناس من يرى أن السنة تكون بصيام الكل، صيام الأيام مع بعضها متصلة، وأن من لم يستطع عليها فحرم من السنة. الجواب ليس كذلك يا عبد الله، إن استطعت على صيام الكل فافعل، ما استطعت فلا أقل من بعض الأيام، كأن تصوم يوم الاثنين كهذا اليوم مع يوم الخميس، أو يوم ثم يوم، تصوم يومًا تترك يومًا، أو تصوم بعض الأيام، فكل ذلك له أجره، كل ذلك له أجره. وإن ضعفت ويوجد من الناس من قد يعجز، ما يستطيع من القدرة، عنده مشقة لعمل، لشغل، لظروف تمنعه، فلا أقل يا عبد الله من أن تصوم اليوم التاسع، اليوم التاسع وهو يوم شريف منيف كريم، وهو يوم عرفة، ففيه فضل خصه الله جل وعلا به، أن من صام يوم عرفة قال نبينا: أحتسب على الله أن يكفر سنتين. تأمل هذا الفضل، صوم يوم واحد يكفر الله جل وعلا به ذنوب سنتين، فهذا فضل ما بعده فضل، وإنعام ما بعده إنعام من رب العباد لأمة الإسلام. فالحاصل إخواني في الله أن من الأعمال التي ينبغي أن نحرص عليها جميعًا أن نصوم هذه الأيام. وكما أشرنا نحن في موسم الأجر، فيها يضاعف، حتى حكي عن بعض السلف كما أثر عن الحسن رحمه الله تعالى أن صوم يوم من أيام العشر يعدل شهرين، صوم يوم واحد من العشر يعدل شهرين، ونقل عن قتادة وعن ابن سيرين أنه يعدل سنة كاملة، وأما عرفة فهو سنتين بلا إشكال. ولم ترَ فالشاهد إخواني في الله مهما عدد العلماء فإنما يذكرون التقريب والتمثيل لكي تعرف حقيقة المضاعفة، فالأجر فيه يضاعف. فالشاهد إخواني في الله فما بقي إلا الأيام القلائل، فمن استطاع أن يمضي قدمًا للصيام فليحتسب الأجر عند الله جل في علاه. كذلكم إخواني في الله مما أذكر من المسائل وهي من أعمال التي تفعل في يوم هذه الأيام، أيام العشر من ذي الحجة، ما يكون من ذبح الأضاحي، من ذبح الأضاحي، فهي من العبادات الشرعية التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وعليها إجماع سلف الأمة، وعليها إجماع سلف الأمة على أنها من أفضل العبادات، وهي نحر الذبائح والأضاحي يوم العيد، وذلك في يوم العاشر من ذي الحجة. ولا أدل من هذه النسيكة العظيمة أن النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن وصل المدينة لا زال يضحي حتى فارق الدنيا، منذ أن دخل المدينة لا زال يضحي حتى فارق الدنيا، ما فرط في هذه النسيكة، بل جاء بها الأمر ترغيبًا وحثًا. قال ربنا جل وعلا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. ذهب جمهور المفسرين على قول ربنا عز وجل: فصلي أي عيد الأضحى، وانحر أي الأضحية، أنك تنحر الأضحية. فدلت هذه الآيات والأدلة على مشروعية الأضاحي في يوم العيد. ومن هنا اختلف العلماء هل هي واجبة؟ ليست بواجبة على قولين اثنين، جمهور العلماء على أنها سنة مؤكدة، وهذا هو الصحيح على أنها سنة مؤكدة على أن الإنسان يحرص عليها. ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: قال وإني أكره لمن يقدر عليها أن يتركها، أكره لمن يقدر عليها أن يتركها. فمن كانت عنده قدرة على الأضحية فعليه أن يضحي ولا يتوانى في فعلها. ومما يذكر من أحكام الأضحية وهذا يهمنا في هذا المقام، ولعل يصل الله في مقام آخر بذكر التفاصيل في مسألة الأضاحي. من المسألة التي أنبع عليها في هذا المقام ما جاء في صحيح مسلم من حديث أم سلمة قال عليه الصلاة والسلام: إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأضفاره. وهذا خاص لمن أراد أن يضحي، من أراد أن يضحي فهذا الحكم يلاحقه، وهو أن يكف عن شعر بدنه، ويدخل ذلك عموم الشعر، عموم الشعر لا يأخذ منها شيئًا. وهكذا الظفر، ويدخل في ذلك عموم الأضفار في القدمين والرجلين، فلا يقص ولا يقلع ولا يقلم منها شيئًا إلى متى؟ حتى يضحي أضحيته. فهذا مما ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذا تذكير بأهم الأعمال، وبقيتنا كأعمال نرجو الحديث عنها بإذن الله في درس لاحق. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.