شرح كتاب التوحيد 272

شرح كتاب التوحيد 272

الدرس في شرح كتاب التوحيد 272، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم الظن السيء بالله وتأثيره

يُحرم الظن السيء بالله تعالى وهو من صفات أهل الشرك والنفاق، بينما المؤمن يظن بالله الظن الحسن. يظهر الظن السيء غالبًا عند المصائب والأزمات.

علاقة سوء الظن بالتوحيد والعلم بالله

ينشأ سوء الظن من ضعف التوحيد وقلة العلم بأسماء الله وصفاته، بينما يحسن الظن بالله من كان له توحيد قوي وعلم بالله. يُناقش ابن القيم تفسيرات سوء الظن بالله.

وجوب التوبة من سوء الظن وتحسين الظن بالله

يجب التوبة والاستغفار من سوء الظن بالله، ويتحقق ذلك بالتعرف على أسماء الله وصفاته. يُشدد على أهمية تحسين الظن بالله خاصة عند الابتلاء.

ختام الدرس والدعاء

يُختتم الدرس بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، مع الاعتراف بقدرة الله تعالى واعتباره أعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿الظانين بالله ظن السوء﴾ هذه الآية الثانية من الاستدلالات التي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الباب الذي مضى معنا بالأمس، وهو في قول المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾. وأشرنا في دروس خلت إلى ما يتعلق بضابط الظن السيء بالله، وأشرنا إلى ما يتعلق بظن الجاهلية كما فسره العلماء، وهاهنا رحمه الله تعالى يذكر لنا هذه الآية الدالة على تحريم الظن السيء برب العباد. وقال سبحانه وتعالى: ﴿الظانين بالله ظن السوء﴾، وهنا الضمير يعود إلى من؟ من هذا الذي يظن بالله جل وعلا ظن السوء؟ أشار ربنا عز وجل في سياق الآية إلى صنفين اثنين من الناس، وهم أهل الشرك وأهل النفاق، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء﴾، إذن ذكر ربنا جل وعلا أن الذي يظن بالله هذا الظن هم أهل الشرك وأهل النفاق. أين أهل الإيمان؟ المؤمن لا يظن بالله جل وعلا إلا الظن الحسن، إلا الظن الحسن. وبهذا نعلم إخواني في الله أن هذه الآية فيها إشارة إلى ما ذكرنا في دروس خلت أن يعلم المسلم أن إساءة الظن ليس من أخلاق أهل الإيمان ولا من صفات أهل الإسلام، وإنما هي من أفعال واعتقادات أهل الشرك والكفران ومن أهل النفاق والعناد. فاحذر يا عبد الله من أن تبتلى بهذا الظن. ثانيا، علمنا أن الظن السيء كثيرا ما يقع، ومن مواطنه عند المصائب والأزمات، هنا كل يتفحص ويرجع إلى إيمانه وإلى قوته، فعند المصائب تتزلزل القلوب فتضعف ويظهر إساءة الظن بالله جل وعلا. ومن أعظم مواطن المصائب عند الحروب والقتال، كهذه الآية، هذه الآية تتحدث عما وقع لرسول الله عليه الصلاة والسلام في عام الحديبية، في عام الحديبية عندما ذهب نبينا وأصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم أجمعين إلى مكة للمفاوضة على بنود الصلح، هنا جاء إساءة الظن وهي أن الله عز وجل لن ينجي عبده محمدا ولن ينجي أصحابه من المقتلة، وأن الكفار سيحيطون بهم ويقتلونهم، كما جاء ذلك موضحا في الآية الأخرى: ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا﴾. بل ظننتم هذا كان ظن أهل النفاق أن لن ينقلب الرسول، أي لن يرجع لا هو ولا أصحابه من ماذا؟ من مكة عندما ذهبوا للمفاوضة، ظن الكفار هذا الظن السيء بأن الكفار سيحيطون بأهل الإسلام وسيستأصلونهم عن بكرة أبيهم. فرد الله جل وعلا كيدهم في نحورهم، فشاهد أن هذه الآية إخواني في الله فيها إضاح لما قد تم ذكره من أن الكافر والمنافق هو الذي يتخلق بهذه البلية، أن يسيء الظن بالله، ومن إساءة الظن بالله أن تعتقد بأن الله لن ينصر دينه، كل من اعتقد هذه العقيدة وسبق إلى وهمه إلى أن الله جل وعلا لن ينصر دينه هذا هو ظن الجاهلية، وهذا من الظن السيء. فربنا جل وعلا وعد، ووعده حق لأنه سينصر هذا الدين ولو بعد حين، لكن يتخلف يتخلف التحقيق لهذا المنشود ولهذا الوعد المقصود لأمور، إما لتخلف الشروط أو لوجود موانع، لكن نعتقد في الله أن أهل الإسلام متى ما كانوا على ما أراد الله فالله جل وعلا يبدل حالهم إلى أحسن حال. ثم ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل وهذا الباب باب الظن، ختمه بعبارة وبكلام أو قل بمقال لابن القيم رحمه الله تعالى، وهو مقال طويل، أخذه المؤلف رحمه الله تعالى من «زاد المعاد»، ما يربو عن صفحة كاملة، ذكره المؤلف رحمه الله تعالى لعظيم منفعته. وهذا المقال الذي ذكره المؤلف عن ابن القيم في أوله بيان ماذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى عن تفاسير السلف في مسألة الظن السيء الذي حذر الله جل وعلا منه، والذي وقع فيه أهل النفاق، أنه يدور على تفسيرات الثلاث: أن الظن السيء بمعنى إنكار القدر، أو إنكار حكمة الله، أو اعتقاد أن الله لن ينصر دينه ولا رسوله. ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الكلام النفيس، والذي نذكر طرفا منه، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم»، الناس يظنون الظن السيء بالله في هذا المحلين، إما في أنفسهم إذا قدر الله عليهم الأمراض والآفات والعاهات والمصائب والشدائد، أو فيما يقدره الله على غيرهم. هنا وهنا تجد أن الناس وأن النفوس تجول إلى إساءة الظن بالله، وأن هذا ليس من العدل، وأن هذا ليس من حكمة الله، وكيف يفعل الله هذا بنا؟ أو كيف يفعل الله هذا بغيرنا؟ وكيف؟ ولزال الإنسان يتساءل، لا أقول سؤال يريد جواب، لكن سؤال استعجاب واستغراب، وكيف أن الله فعل؟ وما ينبغي للرب أن يفعل هذا؟ هذا كثير منا ابتلي به، يجل في خاطره، يحك في صدره. قال رحمه الله تعالى: «وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده ووعده الصادق». نعم، من كان لله أعرف كان منه أخوف، من كان يعلم بالله ويعلم بأسمائه وصفاته، فهذا لا يصل به الأمر إلى إساءة الظن بربه. ومن هنا إخواني في الله نعلم شأن التفقه والتعلم لباب الأسماء والصفات، لا تظن يا عبد الله أن التفقه في باب الأسماء والصفات هو علم مجرد عبارة عن معلومات ذهنية، لا، بل هو واقع ملموس. الإنسان على قدر تعلمه وتعلقه بأسماء الله وصفاته يأتي هذا بظلاله في حياته، فلا يسيء الظن بالله أبدا. ومن هنا نعلم أن هذا الباب إنما يطرقه أهل التوحيد، من كان موحدا بالله حق التوحيد، فإن إحسان الظن بالله يعظم عنده، ومن ضعف توحيده فإن إساءة الظن سرعان ما تسري إليه. هذه فائدة المقام يدور مع التوحيد. ومن هنا نعلم أن من أشد الناس توحيدا من الأنبياء والرسل، ولهذا كانوا هم من أشد الناس إحسانا بربهم. هذا موسى عليه السلام عندما تبعه فرعون بجيشه العرم، وما وجد إلا البحر أمامه، حتى أن قومه ومن معه يأسوا إن لمدركون، لكن تأمل لأنبياء الله الذين عظم توحيدهم بالله كيف كان حسن ظنهم بربهم. قال: «كلا إن معي ربي سيهدين»، معنى ما هناك أمارات للنجاح، البحر أمامه والعدو خلفه، أين النجاح؟ ما هناك شيء، لكن لعلمه بمعية الله معه أحسن الظن بالله لن يخذله ربه. فقال بهذه المقالة الثابتة الراسخة: «كلا إن معي ربي سيهدين». وهكذا في حق نبينا إمام الموحدين عليه الصلاة والسلام في حديث الهجرة، عندما كانوا في غار ثور وجاء الكفار إلى هذا المحل قرب هذا الغار، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم ومعه الصديق في الأسفل، ما كان هناك شيء حتى أن الصديق يقول: «يا رسول الله لو أن أحدهم فقط نظر في الأسفل رآنا»، نحن تحته، وهم يبحثون عنه، قد وضعوا الجوائز في إلقاء القبض على رسول الله وعلى الصديق والإتيان به حياً أو ميتاً. وتحركت أصحاب الجوائز ومن يبحث عن الآثار حتى وصلوا إلى هذا المحل، ما هناك شيء. وكان الصديق خائفاً ليس على نفسه وإنما على نبيه، ماذا قال نبينا؟ قال: «لا تحزن إن الله معنا». هكذا إخواني في الله الإنسان إذا عظم توحيده بربه تجد أن مقامات الإحسان بالله عظيمة جداً ما تحطر على بال. لكن الإشكال فيمن ضعف توحيده ومن قل علمه بربه جل وعلا، هنا تأتيه الهواجس، تأتيه المخاوف. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «ولا يسلم من ذلك أي من إساءة الظن إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده ووعده الصادق». قال: «فليعتني اللبيب الناصح لنفسه بهذا»، أي اعتني بهذا المقام، كل مسألة كل مشكلة كل معضلة ابتليت بها يا عبد الله، حرك هذا الدافع التعرف على الله، التعرف على أسمائه وصفاته، التعلق به، هذا يفتح لك آفاق لإحسان الظن بالله جل وعلا. اعتني بهذا الأمر فإن هذا عظيم جدا. ثم قال رحمه الله تعالى: «فليعتني اللبيب الناصح لنفسه بهذا وليتب إلى الله وليستغفره من ظنه بربه ظن السوق»، وما من أحد إلا وقد ابتلي بهذا، فينبغي على العبد أن يلازم الاستغفار والتوبة إلى الله من هذا الذنب الذي لربما طرأ علينا شعرنا بهذا أو لم نشعر. قال: «ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتاً على القدر»، يعني يقول ابن قيم: لو أنك عندك قدرة على أن تفتش ما عند الناس لرأيت أن ما من أحد إلا وقد ابتلي بهذه البلية. قال: «ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتاً على القدر وملامة له وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا». هذا حالنا، ينبغي أن يكون كذا، أنا ولله الحمد من رواد المساجد، أنا ولله الحمد أصوم رمضان، أنا ولله الحمد وأدي شرع الله، أنا ولله الحمد ما لكذا ما للفقر لا زمني، ما للعاهات قد حلت في جسدي، وانظر لفلان وفلان السكير العربيد العاق وهو يتمتع في هذه الدنيا، كيف هذا؟ وهو لا يزال يرى أن هذا ما ينبغي، ليس هذا من الحكمة، كيف هذا؟ أنا ما أدري، أنا ما تصور لي، أنا على قول العامة، أنا ما افتهم لي. لا يا عبد الله افتهم، هذه حكمة الله، حكمة الله أراد ذلك، لا تتعنت، يقع هذا، تبتلى أحيانا بمرض في وقت أنت بحاجة إلى الصحة، بحاجة إلى الصحة، فإذ بالله يبتليك بمرض، لا تعترض. أحيانا تفعل أمر خير مشروع خير ويفشل، يفشل، قل كيف هذا؟ هذا من تقدير الله عز وجل، لا تقول في نفسك فضلا عن طرف لسانك: كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، لا، ما كان ينبغي الذي ينبغي هو الذي أراده الله أن يكون، كان هذا الذي ينبغي، هذا الذي أراده سبحانه وتعالى لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها، فلا تسيء الظن بربك جل وعلا. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: «ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنُّة على القدر وملامة له وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا فمستقل ومستكثر»، وهكذا الناس، منا من هو مستقل قليل من يبتلى بهذا، ومنا الكثير يفتح باب الهواجس والطعن، حتى أن منهم من لربما صرح بلسانه من عدم رضاه بقضاء الله وقدره. قال: «وفتش نفسك هل أنت سالم؟» هكذا قال ابن القيم، حتى أنت فتش عن نفسك يا من ترى أنك مسلم لقضاء الله وقدره، لكنك لو أنصفت نفسك لوجدتك أحياناً عندك شيء من الاعتراض وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وينبغي أن يكون كذا. ولكن إيش نفعل؟ فقال رحمه الله تعالى: «وفتش نفسك هل أنت سالم؟ ثم أنشد وذكر هذا البيت: فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا أخالك ناجيا»، أي إن تنج منها تنج من ذي عظيمة، أي إذا نجوت من هذا البلاء نجوت من أمر عظيم، ثم قال: «وإلا فإني لا أخالك ناجيا»، هذا الذي ختم به المؤلف رحمه الله تعالى عبارة ابن القيم القيمة في بابها الحكيمة في إرشاداتها الدالة على أن الناس يبتلون بهذا الظن السيء بالله، وأن من صوره أنه كان ينبغي أن يكون كذا وما ينبغي أن يكون كذا. وكل ذلك يا عبد الله ليس لي وليس لك، وإنما هذا يدور على حكمة الله، وأن الإنسان إنما ينجو من هذه البلية بعظيم إحسان ظنه بربه، وما يتأتى ذلك إلا بمعرفة وعده الصادق أسمائه وصفاته والتعرف على الله جل وعلا، حينها يا عبد الله تصل إلى المقامات التي حينها ستسلم بإذن الله من إساءة الظن بالله. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.