الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 101، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المؤلف أن شهر صفر لا يحمل خيراً ولا شراً، وأن وصفه بـ «صفر الخير» بدعة تقابل بدعة التشاؤم به مستنداً إلى أقوال السلف. ثم يفرق بين التطير المحرم والتفاؤل المستحب مبيناً أن التفاؤل يحفز على فعل محمود دون أن يكون سبباً للإقدام أو الإحجام.
يستكمل المؤلف النقاط السابعة إلى الحادية عشرة في باب الطيرة موضحاً أن مجرد وقوع الطيرة في القلب مع كراهتها لا يضر، ويذكر الدعاء المأثور عند وقوعها. ثم ينتقل إلى باب التنجيم مقسماً علمه إلى علم تأثير وعلم تسيير، ويبين أن علم التأثير يدور بين الشرك والكفر مقسماً إياه إلى ثلاثة أقسام.
يفصل المقطع علم التأثير إلى ثلاثة أنواع: ادعاء علم الغيب وهو كفر، اعتقاد السببية الكونية للنجوم وهو شرك أصغر، والتنجيم بالتخمين. ثم يوضح علم التسيير مبيناً أن الاستدلال بالنجوم على المصالح الدينية كجهة القبلة مشروع بل واجب أحياناً، وعلى المصالح الدنيوية جائز عند الجمهور مع خلاف في تعلم منازل القمر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد وقفنا عند المسائل التي ذكرها المؤلف في بابي التطير، وقد أخذنا شيئاً منها. وتكملة يقول المؤلف رحمه الله: الخامسة، نفي الصفر. قد تقدم معنا أن الصفر وردت في معناه أقوال عديدة، منها: هذا الشهر المعروف من أشهر السنة الهجرية العربية، وقيل هو مرض يصيب الإبل، وقيل غير ذلك. قال ابن عثيمين: الأزمنة لا دخل لها في التأثير، وتقدير الله فصفر كغيره من الأزمنة يقدر فيه الخير والشر، وليس هو مختصاً بالشر. وبعض الناس إذا انتهى من شيء في شهر صفر أرخ ذلك وقال: انتهى في صفر الخير، انتهى في صفر الخير. وهذا من مداواة البدعة بالبدعة، والجهل بالجهل، فهو ليس شهر خير ولا شهر شر. وهذا تنبيه مهم: ليس معنى أن بعض الجهال يعتقدون الشر في هذا الشهر ويتشاءمون منه أن نقابلهم بأن نثبت الخير في هذا الشهر. فهذا الشهر ليس شهر خير وليس شهر شر، وإنما فيه الخير وفيه الشر. فلا تقابل البدعة بالبدعة. وقد وردت آثار عن السلف رحمهم الله في النهي عن ذلك، أي قول أن شيئاً مما يتشاءم به فيه الخير، مقابلة لما يعتقده أهل الجاهلية. فقد قال عكرمة رحمه الله تعالى: كنا جلوساً عند ابن عباس فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير، خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر، لا خير ولا شر. هذا من فقه السلف، من فقه السلف. هذا الطائر لا يملك الخير ولا يملك الشر، فلا يتشاءم به ولا يتفاءل به كذلك. وإنكار ابن عباس عليه لألا يعتقد تأثيره في الخير والشر. وأثر آخر كذلك: خرج طاوس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، صاح غراب، فقال الرجل: خير. فقال طاوس: وأي خير عند هذا؟ لا تصحبني، لا تصحبني، لأن هذا صاحب سوء، إذ أن عنده شيئاً من هذه المعتقدات الفاسدة، المعتقدات الفاسدة. وفي هذا الأثر أن السلف يحذر من مصاحبة أهل العقائد الفاسدة والمناهج المنحرفة، فلا يصحبهم ولا يجالسهم، فلربما يؤثرون عليه، يؤثرون عليه. فلا تقل: صفر الخير، ولا كذلك تقل إذا سمعت طائراً: خير، أو نحو ذلك، فهذا أيضاً مما ينهى عنه. قال: السادسة، أن الفأل ليس من ذلك بل مستحب. وعرفنا الفرق بين التشاؤم والتفاؤل، وأن التفاؤل ليس بمعنى التشاؤم، بل هو كل ما ينشط الإنسان على شيء محمود، فلا يكون هذا التفاؤل سبباً للإقدام ولا سبباً للإحجام. ولذلك قال في المسألة التي بعدها: السابعة، تفسير الفأل. وقد تقدم معنا أن تفسير الفأل: كل ما ينشط الإنسان على شيء محمود. وذكرنا على ذلك أمثلة: خطبت امرأة ووافقت على أن تتزوجها، فلما عقد لك قيل: هذا اسمها سعاد. أنت ما كنت تعرف اسمها، فعلمت بعد أن عزمت وعقدت عليها، أو وافقت على التزويج منها بخطبتها أو نحو ذلك، فقيل لك أن اسمها سعاد، فزدت نشاطاً وزدت كذلك محبة لهذا الزواج، فهذا لا بأس به. تريد سفراً فإذا بالجو غائم وجميل، ولا يوجد ما يعكر عليك هذا السفر من شدة الرياح أو شدة الحرارة أو نحو ذلك، فتفاءلت وزدت نشاطاً في سفرك، فهذا هو التفاؤل، هذا هو التفاؤل. عزمت على طلب العلم فلقيت زميلاً لك وقال لك: أين تريد؟ قال: الله، أريد أطلب العلم. قال لك: يجزاك الله خيراً، لو تعلم ما في طلب العلم من فضل ورفعة وأجر، وبدأ يذكر لك فضل العلم والعلماء، فنشطك على ذلك، فتفاءلت وفرحت وسررت بهذا التشجيع من هذا الزميل، فهذا من التفاؤل المحمود. وهكذا، فرق بين التفاؤل والتشاؤم، أي التفاؤل المحمود والتشاؤم. قال: السابعة، أستأذن الثامنة: أن الواقع في القلب من ذلك مع كراهته لا يضر، بل يذهبه الله بالتوكل. فما منا إلا أي قد يمر التطير على قلبك، فإذا كرهت ذلك ودفعته ولم تعمل به، فلا شيء في ذلك، فلا شيء في ذلك. وقد تقدم معنا ذلك. قال: التاسعة، ذكر ما يقول من وجده. وتقدم معنا: أي من وقع منه ذلك، من وقع منه التطير يأتي بهذا الدعاء: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». قال: العاشرة، التصريح بأن الطيرة شرك، كما تقدم معنا في الحديث: «الطيارة شرك». حديث ابن مسعود: «الطيارة شرك، وما منا إلا...» الحديث. فهذا فيه التصريح، فيه التصريح بأن الطيرة من الشرك، مع التفصيل المتقدم: إذا اعتقد تأثيرها فهو شرك أكبر، وإذا اعتقدها سبباً فهو شرك أصغر. قال: الحادية عشرة، تفسير الطيرة. تفسير الطيرة المذمومة، وذلك في قوله: «ما أمضاك أو ردك». إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك. فما كان سبباً في مضيك أو في رجوعك، فهذه هي الطيرة المذمومة، هذه هي الطيرة المذمومة. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب. قال: باب ما جاء في التنجيم. ولم يقل هنا: التنجيم من الشرك، لأن التنجيم فيه تفصيل، وهذا من فقه المؤلف. التنجيم فيه تفصيل، فليس كل من تعلم شيئاً من علم النجوم يعد مشركاً، كما سيأتي معنا في بيان أقسام التنجيم، في بيان أقسام التنجيم. فلذلك هنا قال: باب ما جاء في التنجيم، لأن التنجيم فيه تفصيل. وقد تقدم معنا في مواضع أن التنجيم ينقسم، علم التنجيم ينقسم إلى قسمين: علم التنجيم، علم التنجيم ينقسم إلى قسمين: علم تأثير، وعلم تسيير. علم تأثير، وعلم تسيير. أما علم التأثير: فهو أن يستدل بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، فنجعل الحوادث الأرضية إنما تكون بتأثير النجوم، بتأثير النجوم. فهذا هو النوع المذموم الذي هو دائر بين الشرك والكفر، دائر بين الشرك والكفر. فإن علم التأثير حكمه على ثلاثة أقسام، حكمه على ثلاثة أقسام. لأن علم التأثير هذا كان فيما يعتقده أهل الجاهلية، بل كان في قوم نمرود من زمن قديم، الذين بعث إليهم نبي الله إبراهيم عليه السلام، وهم الصابئة، وهم الصابئة الذين يعبدون الكواكب ويعتقدون أنها تدبر الكون، أنها تدبر الكون. وللأسف الشديد، فإن هذا الاعتقاد سائد إلى يومنا هذا، سائد إلى يومنا هذا. ويمثل العلماء له في هذا الزمان بما يفرد له في بعض الصحف، يخصص صفحة أو بعض الصفحة في بعض الجرائد والصحف، فيجعلون صفحة عليها اسم بروج، بروج يعني النجوم، النجوم. فيقولون: هذا برج الأسد، وهذا برج العقرب، وهذا برج الثور، وهذا برج كذا وكذا، على عدد فصول السنة، على عدد فصول السنة، أو على عدد شهور السنة. ثم أمام كل برج يذكرون ما سيحصل فيه: سيحصل في هذا البرج كذا وكذا، وسيحصل في هذا البرج كذا وكذا. يعني استدلوا على هذه الأمور بتأثير النجوم، أن في هذا النجم سيحصل كذا وكذا. من أين لهم ذلك؟ ولذلك كما ذكرنا لكم أن علم التأثير على ثلاثة أقسام، على ثلاثة أقسام. القسم الأول: شرك في الربوبية، وهو شرك أكبر. وذلك إذا اعتقد أن هذه النجوم مؤثرة بذاتها، بمعنى أن هي التي تخلق الحوادث، هي التي تخلق الحوادث. فهذا لا شك أنه كفر أكبر، وهو كفر في الربوبية، لأن الخالق هو الله سبحانه وتعالى، والخلق من توحيد الربوبية. هذا نوع من أنواع علم التأثير. ونوع آخر: الثاني من أنواع علم التأثير، كفر مخرج من الملة. وذلك إذا استدل بها على علم الغيب، إذا استدل بها على علم الغيب. وهذا يكون قبل وقوع الحادث، قبل ما يقع الحادث، يقول: سيحصل يوم غد كذا وكذا، أو سيحصل في نجم كذا كذا وكذا. من أين له هذا؟ ليس مبنياً على علم، وإنما على تخمين. والدعاء لعلم الغيب، فهذا كفر مخرج عن الملة، لأن الله عز وجل يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. فهو بمعنى تصديق الكاهن، فهو بمعنى تصديق الكاهن. وأما القسم الثالث: وهو أن يستدل بها، أو أن يعتقد أنها سبب للحوادث، أنها سبب للحوادث. وهذا يقوم بعد وقوع الحادث، كما جاء في حديث زيد بن خالد الجهني: «أصبح من عبادي مؤمن وكافر». فمن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، يعني بسبب... إذا كان الباهن سببية، أي بسبب المطر، قد وقع المطر، قد وقع. فمن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، يعني بنجم كذا وكذا، ذلك كافر بمؤمن بالكوكب، مؤمن بالكوكب. فهذا من الشرك الأصغر، لأنه اعتقد ما ليس سبباً سبباً، اعتقد ما ليس سبباً سبباً. فهذه ثلاثة أنواع من أنواع علم التأثير. وأما علم التسيير: فهو كذلك ينقسم إلى قسمين، والقسم الثاني ينقسم كذلك إلى قسمين. ومعنى علم التسيير: أن يستدل بهذه النجوم على الجهات والأوقات، وجهة القبلة. فالجهات يعني مثلاً الأماكن، الأماكن. فمثلاً إنسان يريد أن يذهب إلى مكة، فيقول: هذا النجم بجهة مكة، يتبع هذا النجم، فهذا لا بأس به. سيأتي معنا هذا يسمى علم تسيير. أو كذلك الأوقات: بعض النجوم يستدل بها على وقت، مثلاً دخول الفجر إذا طلع، أو وقت الثلث الأخير من الليل. وإني أعرف بعض كبار السن يعرفون قبل مجيء هذه الساعات وقت الفجر بالنجوم. إذا قام من النوم، خرج إلى سطح البيت، ونظر إلى السماء، فإذا رأى هذا النجم قال: الآن دخل وقت الفجر، أو الآن وقت الثلث الأخير من الليل قبل الفجر. يعرف، يعرف ذلك بالنجوم. فهذا لا بأس به، هذا لا بأس به، لأنه أمر محسوس ومشاهد، يعلم بالخبرة والمعرفة. بل قد يكون واجباً، وذلك لمعرفة جهة القبلة. فهناك نجوم إلى الآن تعرف، نجوم ثلاثة في اتجاه القبلة، فبعض الناس يعرف اتجاه القبلة بها، أو كذلك بالشمس، يقول لك: اجعل الشمس على خدك الأيسر إذا أردت أن تصلي الظهر مثلاً، فهذا هو جهة القبلة عند بعض الناس مثلاً. فهذا أيضاً يعد من علم التسيير. فإذن، علم التسيير على ثلاثة أقسام، أو نقول على قسمين، والقسم الثاني ينقسم إلى قسمين. القسم الأول: أن يستدل بسيرها على المصالح الدينية، كاتجاه القبلة، فهذا مطلوب، بل قد يكون واجباً إذا لم تعرف القبلة إلا بذلك، إلا بذلك، لأن من شرط الصلاة استقبال القبلة، استقبال القبلة. والنوع الثاني: أن يستدل بها على المصالح الدنيوية، وهذا ينقسم إلى قسمين، أو هو نوعان. النوع الأول: أن يستدل بها على الجهات، فهذا جائز. على الجهات يعني جهات الأماكن: هذا النجم جهة مكة، هذا النجم جهة البحر، هذا النجم جهة الجنوب، هذا النجم كذا وكذا، فهذا جائز. والنوع الثاني: أن يستدل بها على الفصول، وهو ما يعرف بتعلم منازل القمر. لأن القمر له ثمانية وعشرون منزلاً، كل يوم تجد له حجم معين، يظهر له حجم معين، ويقولون: في اليوم التاسع والعشرين، أو في الثلاثين، لا يرى، لا يرى. فجعلوا له ثمانية وعشرين منزلاً، فيستدل بها على فصول السنة، الشتاء والصيف ونحو ذلك، وما يقع في هذه الفصول من تغيرات وتقلبات في الجو ونحو ذلك. فهذا النوع اختلف فيه العلماء، فمنهم من كره، ومنهم من أجاز، وسيأتي معنا في كلام المؤلف من رخص من السلف في ذلك، ومن كره ذلك. والصحيح الجواز، كما سيأتي معنا. هذا باختصار فيما يتعلق بملخص عن علم التأثير وعلم التسيير. والمؤلف إن شاء الله في ذكر الأدلة سيشير إلى بعض الآثار لسلفنا الصالح، وذكر أيضاً حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث أبي موسى، سيأتي معنا إن شاء الله. فانتهاء الوقت، نؤجل ذلك إلى الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر