كتاب الطهارة 52

كتاب الطهارة 52

الدرس في كتاب الطهارة 52، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم إيذاء المسلمين في طرقهم

حديث النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من التخلي في طريق الناس أو ظلهم لأنه يؤذيهم ويسبب لعنهم. هذا الفعل يعتبر منهي عنه شرعاً لما فيه من أذية للناس واستحقاق للعنة.

أحكام قضاء الحاجة في الأماكن العامة

يتناول هذا الفصل أحكام قضاء الحاجة في الأماكن العامة مثل الظل والطرق والماء، ويستدل على ذلك بأحاديث نبوية. كما يشرح معاني بعض الألفاظ الواردة في هذه الأحاديث لتوضيح الأحكام الشرعية.

الأماكن المنهي عن قضاء الحاجة فيها وتأثير ذلك على الناس

هذا الفصل يتناول الأماكن التي نهى الشرع عن قضاء الحاجة فيها مثل قارعة الطريق والظل والأشجار المثمرة ومجاري المياه. كما يبين أن القاعدة العامة هي اجتناب إلحاق الأذى بالناس في الأماكن التي يستفيدون منها أو يتجمعون فيها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اتقوا اللعانين الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم». رواه مسلم. قال: بصيغة التثنية: «اللعانين». وفي رواية مسلم: قال: «ومن اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم». رواه مسلم. قال: الخطاب يريد باللعانين الأمرين الجالبين للعن، الحاملين للناس عليه، والداعيين إليه، وذلك أن من فعلهما لعن وشتم، يعني أن عادة الناس لعنه، فهو سبب في انتساب اللعن إليهما، من المجاز العقلي. أي أنه ليس حقيقة، لكن الأصل أن هذا اللعن في الفعل، فنسب إليه. وقد يكون اللعن بمعنى الملعون، فاعل بمعنى مفعول، فهو كذلك من المجاز العقلي. «اتقوا اللعانان» أو «اتقوا اللعانين»، أي الذين استحقوا اللعن، أو أنهم ملعونون. مثلا، معنى الملعون: اللعن بمعنى ملعون، أي فاعل بمعنى مفعول. قال: «فإنه يؤذيهم بنتنه واستقذاره، ويؤدي إلى لعنه». فإن كان فقد تسبب إلى الدعاء عليه بإبعاده عن الرحمة، وإن كان غير جائز، فقد تسبب إلى تأثيم غيره بلعنه. قال: فإن قلت: فأي الأمرين المراد هنا؟ قلت: أخرج الطبراني في الكبير بإسناد حسن، حسنه الحافظ المنذري، عن حذيفة بن أسيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من آذى المسلمين في طرقهم، وجبت عليه لعنتهم». وإسناده لا بأس به، كما ذكر المنذري. قال: واخرج في الأوسط، أي الطبراني والبيهقي وغيرهما، برجال ثقات، لمحمد بن عمر الأنصاري، وقد واتقه معين، من حديث أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم يقول: «من سلس خيمته على طريق من طرق الناس، من طرق المسلمين، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». وأيضا هذا حسنه الشيخ الألباني رحمه الله عليه بشواهده. وهنا محمد بن عمر الأنصاري، الظاهر أنه صنعاني، فقال: واتقه معين. وإنما ضعفه، كما ذكر أيضا تضعيف الحافظ في التلخيص، لكن له شواهد يحسن بها. «من سلس خيمته» -والسخيمة: بفتح السين المهملة والخاء المعجمة، فميم مفتوحة، وتحتية- العذرة. السخيمة هي الوسخ. «من سلس خيمته على طريق من طرق الناس، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». فهذا الحديث فيه أنه عن التخلي في طريق الناس، وأن هذا مما لا يجوز. وذكر هنا المؤلف في آداب التخلي: أنه لا يتخلى في هذه الأماكن التي ينتفع بها الناس، وفي طريقهم؛ لأنه أذية، يعادي الناس بتخليه في طريقهم، وهذا يسبب اللعنة له. فإما كما قال المؤلف رحمه الله: إما الحديث المراد به أنه يلعن ويستحق اللعن، أو أنه المراد أنه جعله الشرع من معنى ملعونا. وكلا الأمرين يصير إلى أنه ملعون بهذا الفعل، سواء كان يقال بسبب لعن الناس له؛ لأنه استحق اللعن، وأيضا كذلك سواء قلنا أيضا أن الشرع أيضا جعله من الملعونين لفعل هذا الذي فيه أذية الناس. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. وهذا من أذية المسلمين. ولهذا جاءت الأدلة في الحث على إزالة ما يؤذي المؤمنين في طريقهم، مثل ما في الحديث الذي في البخاري: في ذلك الرجل الذي أخرج شجرة فيها شوك كانت تؤذي الناس بطريقهم، فقطعها، فأدخله الله عز وجل الجنة. فإماطة الأذى عن الطريق من الإيمان. فلهذا الذي يؤذي الناس ليس هذا من أفعال أهل الإيمان. قال: فهذا الحديث دال على استحقاقه اللعنة. والمراد بالظل هنا: مستظل الناس الذين اتخذوه مقيلا ومناخا ينزلونه ويقعدون فيه. أي ليس كل ظل، فالإنسان أحيانا يحتاج إلى ظل لأجل يتخلى فيه، أو مكان يستتر فيه. كما جاء في حديث عبد الله بن جعفر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يقضي حاجته عند هدف نخل. هدف النخل معناه جماعة، مجموعة نخل؛ لأجل الاستتار. وجاء في صلى الله عليه وسلم أيضا: لما أراد أن يقضي حاجته عليه الصلاة والسلام لم يجد مكانا، فأمر النخلة فاستجابت له حتى صارت أو تخطت الأرض حتى جاءت إلى الوادي أو نصف الوادي، ثم جاء بالأخرى وخطت الأرض حتى لصقت بأختها، ثم قضى حاجته. فهذا يدل على أنه ليس كل ظل يحرم التخلي عنده. وإنما المراد بالظل هنا الذي ينتفع به الناس ويجلسون فيه. ولهذا قال: «أو ظلهم» عن المكان الذي اتخذ ضلا، لعاء مثلا، يجلسون فيه ويتكلمون فيه ويجتمعون فيه. فإذا جاء مثل هذا الشخص وسلس سخيمته في ذلك المكان، معناه أنه آذاهم. قال: إذ ليس كل ظل يحرم القعود لقضاء الحاجة تحته، فقد قعد النبي صلى الله عليه وسلم تحت حايش النخل لحاجته، وله ظل بلا شك. قال: وزاد أبو داود عن معاذ رضي الله عنه: «اتقوا الملاعن الثلاثة: البرازة في الموارد، وقارعة الطريق، والظل». وهذا الحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الحاكم وغيره، لكن هو منقطع؛ لأن أبا سعيد الحميري لم يسمع من معاذ. وأيضا الحميري فيه جهالة. وحسن الشيخ الألباني هذا الحديث في الإرواء. قال: «البراز» الفتح الموحد فراء المفتوحة آخره زاين، وهو المتسع من الأرض يكن به عن الغائط. وبالكسر: المبارز في الحرب. البراز هو هذا الخارج أو الغائط. وهنا سمي برازا لأنه من أراد أن يتخلى يذهب إلى ذلك البراز، المكان المتسع، حتى يبتعد من الناس. ويقال غائط، قيل: له غائط لأنه أيضا يختار المتخلي ما كان منخفضا من الأرض. الغائط هو المنخفض من الأرض، فالمتخلي يختار ذلك المكان، فسمي غائط. قال: «الموارد» جمع مورد، وهو الموضع الذي يأتيه الناس من رأس عين أو نهر لشرب الماء أو للتوضيء. «وقارعة الطريق» المراد الطريق الواسع الذي يقرعه الناس بأرجلهم، أي يدقونه ويمرون عليه. «والظل» تقدم المراد به. قال: وروى أحمد عن ابن عباس: «ونقع ماء». وفيهما ضعف، أي الأول والثاني. وفيه رجل مجهول. «ونقع الماء» بفتح النون وسكون القاف في عين المهملة. ولفظه بعد قوله: «يتقوا الملاعن الثلاث»: «أن يقعد أحدكم في ظل يستضل به، أو في طريق، أو نقع ماء». ونقع الماء المراد به الماء المجتمع، كما في النهاية: ماء مجتمع قليل. يأتي ويضع سخيمته فيه، هذا يلوثه. قالوا: فيهما ضعف، في حديث أحمد وأبي داود. أما حديث أبي داود فلأنه قال: أبو داود عقبه، وهو مرسل؛ لأن الحميري لم يسمع من معاذ، وذلك لأنه من رواية أبي سعيد الحميري، ولم يدرك معاذا، فيكون منقطعا. وقد أخرجه ابن ماجة من هذه الطريق. وأما حديث أحمد فلأن فيه راويا مبهما، والراوي عن ابن عباس مبهما. قالوا: أخرج الطبراني النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة، وضفة النهر الجاري، من حديث ابن عمر، بسند ضعيف، فيه فرات بن السائب، وهو ضعيف متروك. قالوا: أخرج الطبراني -وهو الإمام الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، مسند الدنيا- كان حافظا كبيرا، لا يشق له غبار في الحفظ. قال: ولد سنة ستين ومئتين. ولهذا تجد عنده تفردات كثيرة. وهذا الحفظ لشدة حفظه، حتى الطبراني أو هذه المعاجم أكثرها تفردات. معناه أنه لا يرويها بالطرق المشهورة. الآن لو جئت إلى حديث موجود مثلا في البخاري، لكن إذا قرأته في الطبراني تجد إسنادا آخر غير إسناد البخاري. فهو حاول أن يأتي بأسانيد ليست مشهورة. وهذا باب التعزيز للأحاديث والشواهد. ولهذا تجد أسانيد أحيانا بعض الأحاديث إسنادها ضعيف، لكن أصل الحديث صحيح. قال: وخرج سنة ثلاث وسبعين ومئتين. وهاجر بمدائن الشام والحرمين واليمن ومصر وبغداد والكوفة والبصرة وسبهان والجزيرة وغير ذلك. أين هذه الجزيرة؟ تعرفون الجزيرة: جزيرة العرب. كلهم قد سكنوا في جزيرة العرب. الحجاز واليمن هذه في جزيرة العرب. الجزيرة: الظهر معنا من اليمامة وما فوق، معنا تقرب إلى العراق، ثم كانت تسمى الجزيرة. وعاصمة هذه الجزيرة اليمامة معنا، المنطقة الكبيرة. قال: وغير ذلك. وحدث عن ألف شيخ أو يزيدون. وكان من فرسان هذا الشأن، مع الصدق والأمانة. وأثنى عليه الأئمة. قال: النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة، وإن لم تكن ظلا لأحد. لكن كما قلنا لم يثبت. ولكن من باب أنه فيها أذية؛ لأن الشخص الذي يقضي حاجته في ذلك المكان، معناه أنه يفسد الثمار على الناس؛ لأن الغالب أن الثمر يتساقط. فإذا كان هناك أوساخ، فهذا معناه أنه يمنع الناس أن يأكلوا من هذا الثمر. قال: «وضفة النهر الجاري» من حديث ابن عمر، بسند ضعيف؛ لأن فيه رواة متروكا، وهو فرات بن السائب، ذكره المصنف في التلخيص. ولأجل أيضا وإن كان أيضا ضعيفا، فهو مكان يتنزه فيه الناس غالبا، ويخرج الناس فيه، فهو يشبه ظلهم؛ لأنهم يحتاجون إلى ذلك المكان. قال: فإذا عرفت هذا، فالذي تحصل من الأحاديث: ستة مواضع منهي عن التبرز فيها: قارعة الطريق، ويقيد مطلق الطريق بالقارعة، القارعة هو الوسط، وسط الطريق التي يمرون فيها. فمعنى ذلك أنه لو فعل ذلك في حافتي الطريق لا بأس. أنا لو فعل هذا في حافة الطريق، معنى في طرف الطريق، فلا بأس؛ لأنه ليس ممر الناس غالبا، وإنما الناس يمرون في قارعة الطريق، في وسطها، في وسط الطريق. قال: والظل، والموارد، ونقع الماء، والأشجار المثمرة، وجانب النهر. وزاد أبو داود في مراسيله، من حديث مكحول: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال بأبواب المساجد». ولا شك أن القاعدة في هذا: أن كل ما كان مكانا يستفاد منه، ويجلس الناس فيه، وكذلك يحتاجون إلى هذا المكان، فلا يجوز أن يلوث ذلك المكان. فكل ما كان فيه أذية للناس بسبب هذه الحاجات، فإنه لا يجوز. قضاء الحاجة في مثل هذه الأشياء، فالواجب اجتنابه. فمثلا لو أن إنسانا وضع تحت داره شيئا من القاذورات أو كذا لأجل تنظيف بيته أو كذا، هل يجوز لإنسان أن يفعل أو يقضي حاجته في ذلك المكان؟ لا. فكل ما كان فيه أذية للناس فلا يجوز؛ لأن الأصل أن الأذية ما تجوز. والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا. وهذه الأذية سواء كانت بالفعل أو بالقول. وقد جاء أيضا في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه». أن يقضي حاجته عند بيته، عند بيت جاره. وهذا تجدها قد يتساهل فيها الناس، قد يتساهل فيها الناس في بعض الأماكن. في البدو اعتادوا أن الأولاد يخرجون خارجا، بل أحيانا حتى النساء وأحيانا حتى الرجال يخرج خارجا عند البيت ويقضي حاجته، أحيانا عند بيته وأحيانا عند بيت جاره. وهكذا غالبا الأطفال. وهذا أيضا من العادات السيئة، وفيها أيضا أذية للجار وأذية للمارين. هذا حاصل في بعض الأماكن البدو. وكذا الذين اعتادوا البدو عندهم عادة أنهم ما يدخلون الحمامات، يدخلون الخلاء، يحبون المتسع من الأرض. لكن لما جاءوا المدن، بعضهم بقى على ما هو عليه. فتجد يخرج إلى خارج البيت ويقضي حاجته خارج البيت. وهذا أحيانا يكون في طريق الناس. فالمهم أن القاعدة في هذا: أنه لا يقضى حاجة في مكان يتعذى الناس منه. وأحيانا مثلا بعض الأماكن تكون قرب سوق، أو قرب مجمع الناس، فتجد كثرة قضاء الحاجة في ذلك المكان، أو البول فيه، قد يخرج رائحة تؤذي الناس. فتجد أصحاب المحلات القريبة يتعذون من هذه الرائحة. وهذا خطأ أيضا. فكل ما كان أذية للناس في مثل هذه الأشياء، فالواجب اجتنابه. والله أعلم.