الدرس في كتاب الطلاق 12، باب النفقة ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
النفقة واجبة على الزوج لزوجته وتشمل الطعام والشراب والكسوة، كما تجب على الوالد الموسر لولده المعسر وعلى السيد لمن يملكه. النفقة تعرف بالعرف العام والخاص وتختلف باختلاف حال الأسر والقبائل.
النفقة على المرأة تكون بحسب حاجتها وتختلف باختلاف حالتها، والنبي أوصى بالإحسان لأهل البيت. النفقة تكون واجبة أو مستحبة حسب الحالة، وتشمل تفاصيل الإنفاق على المطلقة وغيرها.
المطلقة البائن لا نفقة لها إلا إذا كانت حاملا، بينما المطلقة غير البائن لها نفقة. الإنفاق على الحامل يختلف باختلاف احتياجاتها ويحدد بالعرف العام والخاص مع مراعاة احتياجات الحمل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب النفقة. قال: تجب على الزوج للزوجة والمطلقة رجعيًا لا بائنا ولا في عدة الوفاة، فلا نفقة ولا سكنى إلا أن تكونا حاملتين، وتجب على الوالد الموسر لولده المعسر والعكس، وعلى السيد لمن يملكه، ولا تجب على القريب لقريبه إلا من باب صلة الرحم المشروعة، ومن وجبت نفقته وجبت كسوته وسكناه. هذه مجموعة من المسائل تتعلق بباب النفقة. وقول: باب النفقة، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام النفقة، فالباب لغة هو ما يدخل منه ويخرج، والنفقة معناها ظاهر، وهو القيام بما يحتاج إليه أو ما تحتاج إليه الزوجة من طعام وشراب وكسوة وما يلحق ذلك، فهذه هي النفقة، وسيأتي إن شاء الله شيء من أمورها. ومن هذه الأحكام قال: تجب على الزوج للزوجة، وهذا بالنص من الكتاب والسنة والإجماع. ورد فيه نص من الكتاب والسنة، وهكذا كذلك ثبت فيه الإجماع نقله غير واحد من أهل العلم، فيجب على الزوج أن ينفق على زوجته. ودلت على ذلك آيات كثيرة، منها ما أشار إليه في قوله سبحانه: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾، وهكذا كذلك ما يفهم من آيات أخرى كآية الرضاع، فإنه يفهم منه أنه في غير الطلاق تجب النفقة على الزوجة والولد. وهكذا كذلك من السنة أدلة كثيرة، منها ما أشار إليه في قصة سؤال هند بنت عتبة للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». وهو بالصحيحين. وهكذا ما أشار إليه من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت». وهو حديث صحيح وله أسانيد حسنة بمجموع طرقه، كما أشار المعلق من تصحيح الشيخ الألباني رحمه الله بالصحيحة. وهكذا جاء معناه وذكره شيخنا رحمه الله في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. وهكذا كذلك ما جاء من الأدلة في فضل الإطعام والإنفاق على الزوجة والأبناء، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أن من الصدقة ما تجعل في في امرأتك». وهكذا: «درهم تجعله في أهلك». والصدقة صدقتان: صدقة واجبة وصدقة مستحبة. وبه نعرف أن النفقة تنقسم إلى قسمين: نفقة واجبة، وهو ما كان من دفع ضرر الزوجة، فهنا يجب أن ينفق عليها بحسب حاجتها من طعام وشراب وكساء. فإن قيل: كيف يعرف ذلك؟ الجواب: يعرف بالعرف، العرف العام والعرف الخاص. العرف العام وهو حال أهل البلد، والعرف الخاص وهو حال تلك العوائل الخاصة أو القبيلة أو الأسرة. وهكذا كذلك ما هو خص من ذلك في حال نفس المرأة، فإن المرأة قد تحتاج من الكسوة -مثلا- المرأة الكبيرة ما لا تحتاج المرأة الصغيرة -يعني في الجسم- فكسوة الكبيرة أكثر من كسوة الصغيرة، باعتبار أنه يأخذ لها ثياب ويفصل لها. فكذلك الطعام، فكل امرأة ينفق عليها بحسبها، هذه تأكل وتحتاج إلى ما لا تحتاج غيرها، فتعطى ما تحتاج. وهكذا في سائر الأمور الأخرى من أمور النساء. ومنها ما هو مستحب من التوسعة بالمعروف والإحسان كذلك بالمعروف، المعروف الشرعي والمعروف العرفي، فهذا كذلك من الذي من معنى النفقة المستحبة. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». وهذا يشمل خيرية في الخلق الحسن، وخيرية كذلك في الإحسان كذلك بالمال، سواء من طعام وشراب وكساء أو كان من غيره. والناس بهذا طرفان ووسط، قوم يسلكون مسلك الشح والبخل والإشقاق، وهذا لا يجوز، وقوم يسلكون مسلك الإسراف والتبذير، وهذا كذلك لا يجوز. ودين الله بين الغالي والجافي، الإسراف والتبذير لا يجوز، وهكذا كذلك الشح والبخل والإشقاق على الأهل لا يجوز. «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، فينبغي أن ينتبه لهذا المعنى، وأن من النفقة ما هي نفقة مستحبة، ومنها ما هي نفقة واجبة. وقوله رحمه الله: والمطلقة رجعيًا، يعني أنها كذلك ينفق عليها. وذكر رحمه الله دليلا على هذا، وهو ما أشار إليه من قول النبي عليه الصلاة والسلام في قصة فاطمة بنت قيس: «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة». وهذا الحديث تحسنه الشيخ الألباني رحمه الله بالصحيحة، ومعناه صحيح، تدل عليها أدلة كثيرة، منها ما أجمع معنا في قصة اللعان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أن المرأة لا نفقة لها ولا سكنى. ولو تأملت تجد أن كل فرقة بين الزوجين فرقة بائنة ليس فيها نفقة ولا سكنى، فمفهومه يدل على ماذا؟ مفهومه يدل أن الفرقة بين الزوجين إذا لم تكن الفرقة بين الزوجين بائنة، فإنه فيها نفقة. وهذا كذلك ما يفهم من المسألة التي بعدها، فإنه قال رحمه الله: ولا بائنا، يعني التي طلقت طلاقًا بائنا. ومر معنا ما هو الطلاق الرجعي وما هو الطلاق البائن؟ الطلاق البائن والرجعي، البائن: طلاق الثلاث إذا طلق ثلاث طلقات في عدة، هن كل طلقة طلقة بعدتها، فهذا بائن. والرجعي: الطلقة الأولى والثانية، فهذا رجعي كما مر معنا تفصيله. فالرجعي علمنا أن الدليل بالنص الصحيح وبالمعنى والمفهوم دل على أن لها نفقة وسكنى بالمعروف، وعاشرهن بالمعروف. والبائن هي التي طلق الطلاق البائن، فالطلاق البائن إذا كان لا رجعة، مثل ما سمعنا من طلق زوجته ثلاثًا بعدة متفرقة، فهذه لا نفقة ولا سكنى كما ذكر في حديث قصة فاطمة بنت قيس، في رواية الإمام مسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا نفقة لها ولا سكنى»، يعني لمن طلقت ثلاثًا. وأشار إلى بعض الروايات، وهذا هو الصحيح. وأما إذا كانت غير بائن، فكما تقدم، وهو يفهم كذلك من الأدلة أن غير البائن لها نفقة. فالبائن ليس لها نفقة، قال الله عز وجل: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، يفهم أنه بالأدلة الأخرى هذا لغير البائن. ومر معنا فيما سبق في دروس سابقة أن المطلق ليس لها نفقة مطلقًا -يعني البائن- لكن لها متعة، تمتع به لأجل الفراق بحسب ما يتيسر، لأن الآية عامة، وقد جاء ما يدل على ذلك المعنى فيما روي عن عدد من الصحابة، وعموم النص يدل عليه. وهكذا كذلك من المفهوم الذي يفهم به أن البائن ليس لها نفقة، ما أشار إليه رحمه الله من الأدلة في النفقة على غير البائن، كقوله جل وعلا في المطلق طلاقًا غير بائن: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾، فدل أن لها سكنى، ومن لها سكنى فلها كذلك نفقة، من لها سكنى فلها كذلك نفقة. وهكذا كذلك ما أشار إليه فيما رواه مسلم وغيره في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا»، يعني في البائن. وهذا يدل على أن البائن ليس لها نفقة، فإذا كان كذلك، فإذن يستثنى من البائن من كانت حاملا. ولهذا قال بعده: ولا في عدة الوفاة فلا نفقة ولا سكنى إلا أن تكون حاملتين. يعني المتوفى عنها زوجها والمطلقة أيا كانت، فإن كانت مطلقة طلاقًا رجعيًا، فتعطى نفقتين: نفقة للمرأة لأن تستحق النفقة والسكنى، ونفقة لهذا الحمل. ونفقة لهذا الحمل لا يعتبر نفقة واحدة، مثلا إذا كان العرف يقضي أن المرأة تعطى نفقة خمسة آلاف في الشهر -أقول مثلا وليس هذا معناه حكم إنما هذا مثال- فكانت المرأة حاملا، إذن لا يعطيها هذا، بل يزيد ما يناسب الحمل، وهو يختلف. لماذا يختلف؟ لأن الحمل قد يكون حمل طبيعي، فإذن تحتاج نفقة المثل من الحمل الطبيعي، وقد يكون حمل غير طبيعي تحتاج لزيادة نفقة من علاج وغذاء أو كذلك فحوصات ووجود من يعينها، فيختلف أمر الحمل. لأن الحمل نفقته عليه للأدلة التي سمعناها، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إلا أن تكون حاملا». وهكذا كذلك ما أشعر إليه من الأدلة الأخرى في أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الإنفاق على الحامل. ومنها قول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فإن هذا فيه الأمر بالإنفاق على الحامل. وهذا الإنفاق يرجع فيه إلى العرف العام والعرف الخاص. وفرق العلماء بين الحمل الذي لا يحتاج إلى زيادة نفقة والحمل الذي يحتاج إلى زيادة نفقة، فما يحتاج إلى زيادة نفقة فإنه يعطى أكثر. نعم، فيه شيء بهذا نقف إلى هنا، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق.