شرح كتاب التوحيد 296

شرح كتاب التوحيد 296

الدرس في شرح كتاب التوحيد 296، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح حديث ابن مسعود وتأكيده على عظمة الله

يشرح المقطع حديث ابن مسعود الذي يبين عظمة الله تعالى وقدرته على الخلق، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يجعل السماوات والأراضين على أصابعه. هذا يدل على إثبات الأصابع لله جل وعلا وتأكيد صفات الله الحقيقية.

تحذير من رد الأحاديث النبوية بحجة العقل

يُناقش المقطع قضية رد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بحجة عدم قبول العقل لها، ويحذر من ذلك، ويبين أن العقل له حدود ولا يستطيع إدراك كل شيء، خاصة ما يتعلق بذات الله وصفاته.

التعامل الصحيح مع الأحاديث والصفات الإلهية

يُناقش المقطع كيفية التعامل مع الأحاديث النبوية المتعلقة بالصفات الإلهية، ويُشدد على أهمية قبولها كما جاءت دون تحريف أو تأويل، ويُحذر من رفضها بناءً على العقل الشخصي المحدود.

بيان عظمة الله تعالى وختام الدرس

يبيّن المقطع عظمة الله تعالى وربوبيته على خلقه، ويصور حجم السماوات والأرض بالنسبة لقدرة الله تعالى، ويُنهي الخطاب بدعوة للنفع بما قيل والصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ذكرنا إخواني في الله أن المؤلف -رحمه الله- ختم كتاب التوحيد بهذا الباب، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾، وأشرنا إلى ما يتعلق بهذه الخاتمة وما يتعلق بمعنى العام لهذه الآية. ثم أخذ المؤلف -رحمه الله تعالى- يذكر لنا الأدلة الدالة على عظمة الله جل في علاه. فقال -رحمه الله تعالى-: وعن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: «جاء حبر من الأحبار» -والحبر هو العالم من علماء اليهود، وخاص من تبحر منهم في العلوم، فهو كثير العلم- «إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، إنا نجد -ومعنى نجد: أي في التوراة، وهو مما هو مصطر في كتبهم- إن الله تعالى يجعل السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ويقول: أنا الملك». هذا الذي ذكره هذا العالم اليهودي يقول: يا رسول الله، يا محمد، هذا مصطر في كتبنا بأن الله سبحانه وتعالى يجعل السماوات، ويجعل الأراضين وما فيها على أصابعه الكريم الشريفة؛ السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، وهكذا الشجر والجبال والثرى، وهكذا سائر الخلائق على إصبع، ويقول: أنا الملك سبحانه وتعالى. يا ترى هذه المسألة التي يجدها في التوراة في كتبهم، يجدها اليهود في كتبهم، ما موقف نبينا صلى الله عليه وسلم منها؟ تأمل يا عبد الله، في حديث ابن مسعود قال: «فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ قول الله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾». النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع هذا الكلام من هذا اليهودي أقره، أقره، أقره على هذا الكلام، وليس أي إقرار، بل أقره عليه الصلاة والسلام بقوله وفعله. أما من قوله: أنه تلى الآية التي فيها التصديق لما تقوله في قوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾، ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة﴾؛ كل الأرض في قبضة الرحمن، وهذا الذي جاء في التوراة هو التبسيط والتوضيح لهذا الذي سيكون يوم القيامة بأن الله يجمع هذه الخلائق على أصابعه سبحانه وتعالى. فكون أن النبي يقرأ هذه الآية في هذا المقام، هذا من تأييده القولي. وأما ما كان من إقراره الفعلي، ما كان من ضحكه صلى الله عليه وسلم، فضحك نبينا لماذا؟ لأنه وجد أن ما في التوراة يوافق ما في القرآن، يوافق ما عندهم من الوحي المنزل، فالكتب السماوية تتفق على هذا الباب، على باب الأسماء والصفات. فأعجب نبينا صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام، ولهذا فمما يستفاد من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لكلام اليهود أن نستفيد عدة فوائد منها حقيقة المسألة، وهو أن هذا كائن، وأن الله عز وجل يجعل السماوات والأراضين والخلائق على إصبع، ففيه إثبات الأصابع لله جل وعلا. وليس هذا الموطن الوحيد حتى يقول قائل: أنت ما فهمت أن النبي إنما أقر أو ضحك تعجبًا مستغربًا من هذا الكلام الذي تلفظ به هذا اليهودي، وإنما هذا ضحك استنكار، يقول: لا، ليس باستنكار، بدليل ما سيأتي معنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت لله أصابعه في الحديث الصحيح الشهير المعروف: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن». ففيه إثبات الأصابع لله جل وعلا، وفيه كذلك ما كان من إقرار النبي لهذا اليهودي على أن هذه الصفات حقيقية، ليست مجازية. لو كان الأمر كما يدعيه أهل البدع من أن المقصود بهذا الحديث أن الله إنما أراد أن يجعل السماوات على إصبع بمعنى أن أمرها يسير، والأراضين على إصبع بأن تدبيرها يسير، وأن الشجر والحجر وغير ذلك على أصابع الرحمن إنما أراد بذلك يسر القيام بها، لو كان الأمر كذلك لأبان هذا نبينا لليهود ونبههم، قل: انتبه، ليس الأمر كما تظن، وإن الله عز وجل إنما أراد التدبير، لأراد إثبات الأصابع، لكان كذلك لوضح نبينا، لكن لم يكن شيء من ذلكم، وإنما أقر النبي صلى الله عليه وسلم هذا اليهودي على مقالته وعلى ما ذكره في التوراة. وهذا الذي دلت عليه أدلة السنة من أن الله عز وجل له يد تليق بجلاله، وله أصابع تليق بجلاله، وله وجه يليق بجلاله، وهذا الذي سار عليه أهل السنة والجماعة من لدى نبينا عليه الصلاة والسلام إلى قرن الصحابة إلى التابعين إلى أتباعهم، حتى جاءت الخلوف وجاء أهل البدع وجاء من جاء في مثل هذه الأزمان، ويتهكم على سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويقول: «هذه الأحاديث العقل لا يتقبلها»، هذه حجته العقل. كما قرأنا لكثير مما يتحدث عن هذا الحديث، يقول: «أنا أستغرب كيف هذا»، ولو أن هذا الحديث في البخاري ومسلم، يأتي من يأتي من الأحداث الصغار الذين ما درسوا العلم ولا السنة، فيأتيك ويرد مثل هذه الأحاديث بحجة أن العقل لا يتقبل ذلك. السؤال: ما الذي لا يتقبله العقل؟ ما يتعلق بذات الله وصفاته وأفعاله، وكيف هذا يا عبد الله؟ أتريد أن الله بجبروته وكبريائه وعظمته أن ينحصر في عقلك القاصر أنت يا عبد الله؟ ودعونا نتكلم بصراحة، وخاصة من يجعل لعقله العنان بالتحكم بالدين والسنة والقرآن، قل له: يا أحيمق، عقلك ما يستطيع أن يدرك كل شيء، بدليل، وهذا المثال أمثل به كثيرًا: لو أن هذا العقلاني لو سألنا عن روحه التي بين جنبيه، لا تذهب بعيدًا، لا تذهب بعيدًا، أسألك عن روحك أنت، إذا رأيت الموت يموتون، تجد أنه بكامل قواهم، العين البصر، الرأي، القلب، الفم، الأسنان، الأيدي، الأعضاء كلها متوفرة، ما الذي حكم عليها بالجمود؟ أن الروح سلبت، ما هي الروح؟ لما كانت الروح موجودة في هذا الحي وفيك أنت الآن؟ ما هي الروح؟ حدثني عنها، نبئني، عطني سيرة ذاتية عن الروح، لونها، جسمها، حجمها، تكبر، تصغر، تنام، تأكل، تشرب. ﴿يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾، إذا كان العقل البشري يا من تدعي الكمال العقلي، إذا كان عقلك يعجز أن يجيب بإجابات يسيرة عن شيء بين جنبيك، بين جنبيك، ما استطعت أن تحور له جوابًا، فإذا بك الآن تصعد إلى الكمال وإلى العليا وتتحكم في الله عز وجل، وتقول: «أنا أرى أن الله يكون كذا ويكون كذا»، وأن الله ينبغي أن يكون بهذا الحال، وأن يكون بهذه الحال، كيف هذا؟ إخواني في الله، العقل ما يستطيع، العقل كما قال العلماء: هو مخلوق خلقه الله عز وجل، وكل مخلوق له قدرة، قدرة مثل البصر، لك بصر، بصرك إلى حد، وبعد هذا الحد يعجز، ليس عندك القوة الخارقة أنك تخرق الأزمان والمسافات حتى ترى ما وراء البحار، سمعك مخلوق له حد، تسمع الصوت هذا والقريب والذي بعد، لكن ما بعد الجبال، هل ستسمع ما يمكن بشر؟ وهكذا عقلك، عقل له حد، فكيف تريد بعقلك أن يصل إلى الله؟ أين تذهب؟ حتى إذا جئ لك ببعض الأحاديث النبوية أو ما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته تنكر وتقول: «أن هذا ما ينبغي، وهذا لا يجوز»، بماذا؟ بحجة العقل، عقل من؟ عقل كأنت، ها نحن نسمع هذه الأحاديث، مثال آخر، ها نحن نسمع هذا الحديث، حديث ابن عباس، الكثير منا يتقبل هذا الحديث لعلمه بأن الله مهما تحدث عن نفسه فهو أعلم بنفسه منا، فهو أثبت لنفسه الوجه، وأثبت لنفسه الحياة، وأثبت لنفسه العلم، وأثبت لنفسه القدرة، وأثبت لنفسه الاستواء، وأثبت لنفسه النزول، وأثبت لنفسه الأصابع، وأثبت لنفسه اليد، وأثبت لنفسه ما أثبت جل في العلا، هو يتحدث عن نفسه كيف شاء. مثل هذه الأسماء والصفات وهي عندما يتحدث بها الرب عن نفسه، نحن نعطيها الصفات العلا، ولله المثل الأعلى، ومع ذلك، ومع ذلك نقف حيث وقف بنا النص، لا نزيد، لا نزيد، ومع ذلك لا نرد ولا نتهجم على ما حكاه الله عن اسمه وعن صفته، فهذا أمر لله من قبل ومن بعد. إذن هذه الأحاديث كثير منا على هذه القاعدة تقبلها، إذن عقولنا تقبلت هذا، أنت يا أوحيمق يا من تنكر هذا، نقول: إذن عقلك رد، وعقل ثاني رد، إذن نأتي بالعقول الآن، أنت لما تقول: «أن العقل ما يتقبل»، السؤال: هو عقل من هذا ما يتقبل؟ قل: عقلي، لا تقول: العقل، لا ترمي على عقول الخلق، تقول: أن العقل البشري ما يتقبل، قل: لا، عقلك أنت ما يتقبل، لماذا؟ لأن عقلك مريض، عقلك فيها آفة، عقلك ما تربى، ما عنده الأهلية أن يفهم هذا الباب. فلا تجعل عقلك المريض هو العقل المتحكم، لما ترى أن عقلك ما استوعب المسألة تقول: العقل ما استوعب، لا، لا تقول: عقول، عقولنا استوعبت، ولله الحمد، نعلم كل ما مرت علينا آيات الأسماء والصفات، نثبت ما أثبته الله لنفسه على وجه يليق بالله جل في علا. انظر لهذا الحديث: «السماوات على أصبع، والأراضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع»، تلقتها اليهود، تلقاها أهل الإسلام، تلقاها نبينا، تلقاها الصحابة، تلقاها التابعون وأتباع التابعين، وأمم حتى جاء من جاء الخلوف من أمثال الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتوردية والكلابية وغيرهم من المدارس المفوضة والمؤولة والمعطلة. هؤلاء عندما انتكست عقولهم أتوا بعبارة: «أن العقل ما يتقبل»، لا، لا تقول: عقل، قل: عقولنا ما تقبلت، وأنا أعترف بهذا، عقولكم ما تقبلت لأن عقولكم مريضة سقيمة، ولن نعول عليها أصلا بشيء. ولهذا هذا الحديث إخواني في الله فينبغي أن تصان من الطعن والرد لأنها جاءت في أصح الكتب من كتب السنة بعد القرآن في البخاري ومسلم، وأيضا تلقتها الأمة بالقبول، تلقتها الأمة بالقبول، وأنها كذلك ليست متضمنة لشيء مما يخالف القرآن والسنة. فإن هذا الباب من الأبواب العظيمة التي جرى عليها عمل المسلمين على الإقرار والاعتقاد والإيمان بتوحيد الأسماء والصفات، بأن نثبت لله كل اسم وصفة أثبته الله لنفسه أو أثبته له نبيه عليه الصلاة والسلام من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل. فإذن هذا الحديث إخواني في الله يستفاد منه هذا الباب، وأعظم من ذلك أنه يستفاد منه التعظيم لله جل فعلا، وهذا موطن الشاهد: التعظيم لله جل فعلا، إذا كانت الأرض والسماوات والجبال والأجرام والمياه والبحار كلها كلها في قبضة الرحمن في يده، إذن تعلم يا عبد الله من هو الرحمن جل فعلا؟ هو الذي بيده الأملاك والأفلاك. وقد مر معنا في درس أمس ما يتعلق بهذا المقام. ثم قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: وفي رواية مسلم: «والجبال والشجر على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله»، هذا في رواية مسلم. وفي قوله: «فيقول»، كذلك إثبات لصفة الكلام لله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام حقيقي كما يقول علماؤنا من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل. قال: «فيهزهن»، وهذا الهز حقيقي، قال علماء: وفيه رد على من زعم على أن اليد أو الأصابع بمعنى القدرة، لا، بل هو ماذا؟ هز حقيقي. قال: «فيقول: أنا الملك، أنا الله سبحانه وتعالى»، في بيان لعظمته وكماله وربوبيته على خلقه، أن هذه السماوات وكل ما حوته الأرض وما فيها لا تكون عند الله إلا قبضة في يد الجبار جل في علاه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.