الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 119، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ باب الرياء من كتاب التوحيد معرفاً إياه بأنه العبادة لأجل رؤية الناس وتعظيمهم، ومبيناً أنه من أعمال القلوب المتعلقة بالنية. ويستدل بحديث «من راءى راءى الله به» وآية الكهف موضحاً أن الرياء شرك لصرف العبادة لغير الله.
يؤكد ابن عثيمين بشرية النبي صلى الله عليه وسلم مع تميزه بالوحي، فيجب طاعته لا عبادته. ويفرق بين لقاء خاص للمؤمنين برضا ورؤية، ولقاء عام لجميع الخلق، مختتماً بشرطي الإخلاص والمتابعة لقبول العمل.
يبيّن الحديث القدسي أن الله لا يقبل عملاً أشرك فيه العبد غيره، وأن الرياء يبطل العمل ويمنع قبوله. ويشرح ابن عثيمين معنيين: بطلان عمل المرائي وبيان غنى الله المطلق واستحقاقه العبادة وحده.
يوضح المتحدث أن ذكر اسم التفضيل لا يستلزم إثبات الصفة لغير الله. ثم يختم الجلسة لضيق الوقت مؤجلاً ما تبقى للدرس القادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب ما جاء في الرياء. ومناسبة هذا الباب للذي قبله: أن الرياء من أعمال القلوب، والحديث في هذه الأبواب المتقدمة عن أعمال القلوب، كالخوف والرجاء والتوكل على الله ونحو ذلك. فالرياء من أعمال القلوب لأنه من النية، والنية محلها القلب. فالرياء: من أجل أن يراه الناس، فهو مأخوذ من الرؤية. فالعبادة من أجل أن يراه الناس فيعظم عندهم، لينال مدحاً أو ثناءً أو منزلة عند الناس. ويدخل في ذلك التسميع، تسميع نسبة إلى السمع. ولذلك جاء في الحديث في الصحيح: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به». وأحياناً يطلق الرياء فيراد به الرياء والتسميع. ومعنى التسميع: أن يسمع الناس ليعظم عندهم، كأن مثلاً يرى الناس ويقرأ القرآن فيجود القرآن ويحسن القراءة من أجل أن يسمعه الناس فيعظموه ويثنوا عليه، فهذا كذلك يدخل في هذا الباب. قال: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. ووجه الشاهد من هذه الآية من الشرح: من جعل قوله تعالى ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ هو موطن الشاهد. ومعنى هذه الآية: أي طالما أن الله عز وجل إله واحد فلا يجوز أن يشرك معه في العبادة، والرياء من العبادة فصرفه لغير الله من الشرك، لأن الإله إله واحد فيفرد بالعبادة، والرياء مما يخالف العبادة الخالصة لله عز وجل فهو شرك بالله سبحانه وتعالى. ومن الشراح من جعل وجه الشاهد من هذه الآية في آخرها، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، والرياء من الشرك، الرياء من الشرك بالله سبحانه وتعالى لأنه صرف هذه العبادة التي راء فيها للخلق لغير الله عز وجل، فصارت من هذا الباب عبادة شركاً بالله سبحانه وتعالى. ولا يمنع أن تكون الآية تشتمل هذين الشاهدين، هذين الشاهدين من أولها ومن آخرها. يقول الشيخ ابن عثيمين في شرحه لهذه الآية: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس بأنه بشر، وأكد هذه البشرية بقوله ﴿مِثْلُكُمْ﴾ لأن البشر هم من يخاطبهم عليه الصلاة والسلام فهو مثلهم. فقوله ﴿مِثْلُكُمْ﴾ هذا توكيد، وإلا فالمعنى مفهوم بدون ذكر هذه اللفظة. فقوله ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ معروف أنه بشر مثل البشر، لكن ذكر ﴿مِثْلُكُمْ﴾ هذا فيه توكيد لصفة البشرية. إذن ما هو الفرق بينه وبين غيره من البشر؟ ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾، إلا أنه يوحى إليه، فوجب طاعته، لكن عبادته محرمة، فهو عبد فلا يُعبد، لكنه رسول فلا يكذب، فيطاع فيما أمر به وينتهى عما نهى عنه عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾، قال الشيخ ابن عثيمين عند قوله ﴿لِقَاءَ رَبِّهِ﴾: قال: لقاء الرضا والنعيم خاص بالمؤمنين، وتتضمن رؤيته في الآخرة. فاللقاء لقاءان: يوم القيامة بالله عز وجل، لقاء خاص وهذا بالمؤمنين، وهو الذي ذكر في هذه الآية، فلقاء المؤمنين لربهم لقاء نعيم وإكرام، ومن ذلك رؤية المؤمنين لربهم كما قال عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ﴿نَاظِرَةٌ﴾ أي يومئذ يوم القيامة. وأما قوله سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، على الكافرين فهذا الحجب هو حجب سخط وكذلك غضب من الله سبحانه وتعالى عليهم، فلذلك لا يرى الكافرون ربهم يوم القيامة رؤية رضا ونعيم. هذا هو اللقاء الأول. اللقاء الثاني: لقاء عام، وهو لقاء كل إنسان بربه وليس فيه الرضا والنعيم. ودليل هذا قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾. فما جاء من الأدلة أن الله عز وجل يخاطب العباد وكذلك يلتقي بعباده يوم القيامة، اللقاء العام فهو محمول على هذا النوع من أنواع اللقاء. وقوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾، والعمل الصالح هو الصواب الخالص، والذي فيه متابعة للنبي عليه الصلاة والسلام. وهذا معنى قول الفضيل بن عياض في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، قال: أخلصه وأصوبه. قالوا: وما أخلصه وأصوبه؟ قال: أخلصه أي أن يكون لوجه الله، وأصوبه أن يكون على السنة، وهما شرطا قبول العمل: الإخلاص والمتابعة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم ذكر تحت هذا الباب حديثين. الحديث الأول: عن أبي هريرة مرفوعاً، قال الله تعالى، أي في حديث قدسي: قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». رواه مسلم. والشاهد من هذا الحديث في باب ما جاء في الرياء: أن الله لا يقبل إلا العمل الخالص، والرياء ينافي الإخلاص، الرياء ينافي الإخلاص. فهذا فيه خطورة الرياء وأنه من أسباب رد الأعمال على صاحبها وأنها لا تقبل عند الله سبحانه وتعالى، ففيه الزجر عن الرياء وفيه خطورة الرياء. يقول ابن عثيمين عليه رحمة الله: ﴿أَنَا أَغْنَى﴾ فيه معنيان: المعنى الأول: بطلان العمل الذي صاحبه الرياء، وتحريم الرياء، فالذي يرائي في عمله فهذا العمل باطل لا يقبله الله سبحانه وتعالى، وهذا معنى ﴿تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ﴾. قال: الثاني: بيان غنى الله عز وجل وعظم حقه، وعظم حقه، وأنه لا يجوز لأحد أن يشرك شيئاً معه. فالله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. وعظم، وعظم، فمن غنى الله سبحانه وتعالى أنه يستحق العبادة وحده، فإذا صرف العبد العبادة لغير الله فقد صرفها لفقير محتاج إلى رحمة الغني سبحانه وتعالى. ففي هذا عظم حقه عز وجل وأنه لا يجوز لأحد أن يشرك شيئاً معه، فكل شيء فهو محتاج إلى الله عز وجل، فكيف يعبد المحتاج الفقير الضعيف ويترك الغني الكبير العلي سبحانه وتعالى؟ هذا هو المعنى الثاني. قال: ﴿أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ﴾. طيب، ﴿أَغْنَى﴾ هذا يسميها أهل اللغة أو أهل النحو باسم التفضيل، اسم التفضيل. فذكر هذا الاسم في هذا الموضع لا يلزم منه إثبات غنى للشركاء، لأن اسم التفضيل هو المشاركة مع الزيادة، المشاركة في هذه الصفة مع الزيادة في وصف ذلكم الفاضل، ذلكم الفاضل. فهل في ذلك إثبات الغنى للشركاء؟ لا، لا يفهم منه ذلك، فقد تقع المفاضلة بين الشيئين وإن كان أحدهما لا فضل فيه ولا يتصف بهذه الصفة. وهذا مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فـ ﴿خَيْرٌ﴾ هنا هي أفعل تفضيل من أخير، وإنما حدثت الهمزة لكثرة الاستخدام، لكثرة الاستخدام، مثل ﴿خَيْرٌ﴾ و ﴿شَرٌّ﴾ أصلها ﴿أَخْيَرُ﴾ و ﴿أَشَرُّ﴾، فحذفت الهمزة لكثرة الاستخدام والاستعمال. فقوله هنا: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا يُشْرِكُونَ﴾، هل فيه إثبات الخير لهؤلاء المشركين؟ لا، ليس فيه ذلك، لا يلزم من ذكر اسم التفضيل إثبات هذه الصفة لغير الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا لانتهاء الوقت، وما بقي إن شاء الله نتركه في درس قادم. إلى هنا.