الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 124، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ ابن عثيمين حديث «تعس عبد الدينار» مبيناً انقسام الناس إلى قسمين: من همه الدنيا فيعبدها ويغضب لها فيفسد عمله، ومن همه الآخرة فيسعى لها بإخلاص وإتقان. ثم يفصل في مراتب النيات موضحاً أن إرادة الدنيا بعمل الآخرة شرك أصغر وسمّى صاحبها عبد الدينار والدرهم، والميزان الرضا بالعطاء والسخط بالمنع، مختتماً بالثناء على المجاهد المخلص.
يبيّن المقطع أن طاعة العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل يُعد شرك طاعة لأن التشريع حق خالص لله، مستدلاً بقوله تعالى ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وحديث «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ»، ومبيناً أن طاعة أولي الأمر مقيدة بطاعة الله ورسوله فقط.
يوضح المقطع أن العلماء والأمراء ذُكروا في سياق الطاعة لأن الناس تطيعهم غالباً للعلم والسلطان، مستدلاً بالآية ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، مع التنبيه إلى أن الطاعة تشمل غيرهم كالأبوين، ومؤجلاً التفصيل في ذلك لدرس قادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: ففي ختام باب ما جاء في من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: الشاهد أي من حديث «تعس عبد الدينار» أن من الناس من يعبد الدنيا، يغضب لها. والحديث قسم الناس إلى قسمين: القسم الأول من ليس له هم إلا الدنيا، فحتى في عمل الآخرة نيته وإرادته الدنيا لشدة تعلقه بها، فيغضب إذا منع منها ويرضى إذا أعطي منها. فالحديث دل على أولاً: هذا القسم الأول من ليس لهم هم إلا الدنيا بتحصيل المال أو تجميل الحال، استعبدت قلبه فأشغلته عن ذكر الله وعبادته، فينقلب عليه الأمر ولا يتخلص من أدنى أذية، يعني في قوله «تعسى وانتكس». وإذا شاك شوكة فلم تنتقش، لأنه أخذنا معنى قوله «انتكس» أي انقلبت عليه الأمور، الانتكاسة هي الانقلاب، نكست الكوب أي قلبته، نكست الكوب أي قلبته. فهذا النوع الأول أو القسم الأول الذي دل عليه الحديث. القسم الثاني: أكبر همهم الآخرة، فهو يسعى لها بأعلى ما يكون مشقة وهو الجهاد في سبيل الله، لأنه ذكر في هذا الحديث «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه»، هذا فيه ذكر القسم الثاني من أقسام الناس الذي دل عليه الحديث، وهو القسم الذي أكبر همه الآخرة، فلذلك يسعى لها أي للآخرة، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّوِدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وسعى لها سعيها، فهذا القسم الثاني من الناس أكبر همه الآخرة فهو يسعى لها، ومن سعيه لها أن يسعى لها بأعلى ما يكون مشقة الجهاد في سبيل الله، ولذلك جاء في فضله من الأجور العظيمة فهو ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله. فذكر هذا الأمر لأنه أسعى ما يكون مشقة، ومع ذلك أدى ما يجب عليه من كل الوجوه، إن كان في الحراسة فهو في الحراسة، وإن كان في الساقة فهو في الساقة، مع إخلاصه وتحمله للمشاق إلا أنه يجيد عمله ويؤديه كما ينبغي من التمام والكمال. وهذه أوصاف من أراد الآخرة. من أراد الدنيا تجده متبرماً من أعماله، غير مخلص فيها ولا متقن لها، كيف يتخلص منها لينال المال؟ أما من يسعى للآخرة فهو يؤدي ما كلف به من أعمال بكل همة وعزيمة وحرص وإتقان، وهذه علامة من علامات من أراد الآخرة وسعى لها سعيها، ولذلك أثني على هذا المجاهد لأنه يؤدي ما يجب عليه من كل الوجه، ويهمه الخير فيشفع للناس، فهو يسعى لنفع الناس. ثم قال: المسائل: الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة، ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، دل عليه الآية. الثانية: تفسير آية هود: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، وفصلنا في ذلك. وقسم الشيخ ابن عثيمين إرادة الناس الدنيا بأعمالهم إلى أربعة أقسام: يريد الدنيا بعمل الدنيا وهذا جائز، يريد الآخرة بعمل الدنيا وهذا مستحب، يريد الآخرة بعمل الآخرة وهذا أعلى المراتب، ويريد الدنيا والآخرة بعمل الآخرة وهذا يصح بشرط أن تغلب الآخرة الآخرة. والخامس: يريد الدنيا بعمل الآخرة وهذا هو المذموم، وهو من الشرك الأصغر، وهو من الشرك الأصغر، وهو الذي أراده المؤلف رحمه الله في هذا الباب. قال: ومنها تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة، وذلك إذا استعبدته هذه الدنيا بدينارها ودرهمها كما مر معنا، بمعنى أنه صار كالعبد لها، وكما قال القائل: وكم دقت ورقت واسترقت فضول الرزق أعناق الرجال ومعنى «واسترقت» أي جعل طالبها كالرقيق، كالعبد ذليل حقير أمام الدينار والدرهم، والعياذ بالله. فهذا يقال له عبد، ولا يلزم منه التكفير لأنه تقدم معنا أنه إذا أراد الدنيا بعمل الآخرة فهو من الشرك الأصغر الذي لا يخرج من الملة، فسماه عبد الدينار لأنه تعلق به تعلق العبد، تعلق العبد بالرب، فكان الدينار والدرهم أكبر همه. قال: الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، فهذا هو الميزان. إن رأيت من نفسك أنك ترضى إذا أعطيت الدينار والدرهم، وتسخط إذا منعت الدينار والدرهم، فاعلم أنك على خطر عظيم، وأنك قد أردت بعمل الآخرة الدنيا، ففتش عن نفسك وصحح من نيتك. قال: الخامسة: قوله «تعس وانتكس»، ويريد بهذا أن هذه العبارة تحتمل معنيين: تحتمل أن تكون خبراً، فهو يخبر أن من كانت هذه حاله فهو في تعاسة وفي انتكاسة، فلا تنضبط له الأمور بل تنقلب عليه خلاف ما أراد، هذا يكون خبراً. ويحتمل أن يكون المعنى الدعاء، وهو ما يسميه العلماء الخبر بمعنى الدعاء، اللفظ لفظ الخبر لكن معناه معنى الدعاء، وهذا في أدلة كثيرة من القرآن والسنة، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»، هذا ظاهره الخبر لكن معناه الدعاء والإنشاء، بمعنى: احذروا ذلك، احذروا ذلك، ولا تتبعوا سنن من كان قبلكم. وهكذا في هذا الموضع: «تعس وانتكس» يعني دعاء عليه أن يلقى في حياته التعاس والانتكاس. وقوله: «وإذا شاك شوكة فلم تنتقش» يحتمل أن تكون خبراً، وهذا من الضنك في المعيشة من التعاس، أنك تصاب بشوكة فتتعمق هذه الشوكة فلا تستطيع إخراجها، لا تستطيع إخراج هذه الشوكة، هذا من التعاس. ويحتمل أيضاً من الدعاء، يعني إذا أصيب بشوكة فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تخرج منه، لا يستطيع إخراجها، دعاء يحتمل هذا وهذا. قال: السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات، ليس أي مجاهد، وهذا دليل إخلاصه وإرادته بعمله الآخرة، أنه آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، ومعنى «في سبيل الله» يعني لا يقاتل رياء ولا سمعة ولا إرادة الدنيا والمال، وإنما يجاهد من أجل الله في سبيل الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية: «أي ذلك في سبيل الله؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، فهو أراد بجهاده أن تكون كلمة الله هي العليا. باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أرباباً من دون الله. ومناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد أن من لوازم التوحيد تعظيم جانب الربوبية، تعظيم جانب الربوبية أي ما يكون من أفعال الله عز وجل، فمن لوازم التوحيد الطاعة المطلقة في التحليل والتحريم، أن يكون الموحد مطيعاً لله عز وجل طاعة مطلقة، فالذي يحلل ويحرم هو من هو الرب سبحانه وتعالى، إن ذلك من أفعاله، فمن أطاع المحلل والمحرم فقد اتخذه رباً. إذا أمرك الله بأمر فخالفت أمره وأطعت مخلوقاً من المخلوقات وقدمت أمر هذا المخلوق على أمر الله، فأنت كأنك اتخذت هذا المخلوق رباً من دون الله، لأن أمر التحليل والتحريم إنما هو لله سبحانه وتعالى وحده، لا يجوز لأحد غيره أن يحلل أو أن يحرم، أن يحلل أو أن يحرم. وهذا يسمى شرك الطاعة. من أطاع غير الله في تحليل ما حرمه أو تحريم ما أحله فقد أشرك شرك الطاعة. ودليل ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، والآية نزلت في طاعتهم في استباحة الميتة، من أباح الميتة والله حرمها، فالله عز وجل خاطب المؤمنين فقال: ﴿فَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، أي شرك الطاعة، شرك الطاعة. وقوله: «من أطاع العلماء والأمراء» يريد بالعلماء علماء الشرع، من عندهم علم الشريعة، ويريد بالأمراء المنفذون لشرع الله من ولاة الأمور. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم مبيناً أن طاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام طاعة مطلقة، وأما طاعة العلماء والأمراء فهي طاعة مقيدة. ما معنى مقيدة؟ يعني لا يطاعون في كل شيء، وإنما يطاعون في طاعة الله. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. انظر إلى هذه الآية: لما ذكر طاعة الله وطاعة الرسول ذكر الطاعة المطلقة بذكر الفعل، فقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، لأن طاعة الله وطاعة الرسول طاعة مطلقة. فلما جاء عند طاعة أولي الأمر وهم العلماء والأمراء كما فسر ذلك الإمام أحمد، قال: «وأولي الأمر»، ما كرر الفعل، لماذا ما قال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر؟ ما كرر الفعل في ذكر أولي الأمر لأن طاعة العلماء والأمراء ليست الطاعة مطلقة، يطاعون في كل شيء، وإنما يطاعون في طاعة الله، إنما الطاعة في المعروف، أي ما عرفه الشرع. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ»، مهما كان هذا المخلوق، مهما كانت منزلته ورتبته وعلو منزلته، وإذا أمر بأمر يخالف أمر الله لا تجوز طاعته، لا تجوز طاعته، وإن كان عالماً وإن كان أميراً. فهذا معنى قوله: باب من أطاع العلماء والأمراء. وهل من أطاع غير العلماء والأمراء من الخلق يدخل في هذا؟ نعم، وإنما ذكر العلماء والأمراء لأن العالم يطاع لعلمه، والأمير يطاع لسلطانه، فهذا المطاعان مما يطيعهم الناس في الغالب، يطيعهم الناس في الغالب، وإلا فيشمل ذلك أيضاً من أطاع الأب أو الأم أو من هو دون العلماء أو دون الأمراء، لكن هنا ذكر العلماء والأمراء لأنهم من يطاعون، ولذلك أمر الله عز وجل بطاعتهم فقال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. فهذا هو معنى هذا الباب، فيه تفاصيل ومسائل، فنؤجل ذلك إن شاء الله إلى درس قادم لانتهاء الوقت، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر