الدرس في شرح كتاب التوحيد 301، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شرح حديث العباس بن عبد المطلب في وصف المسافة بين السماء والأرض وبين السماوات بعضها البعض، ويبين علو الله تعالى على عرشه. يتناول آراء العلماء في تصحيح وتضعيف الحديث ودلالاته على عظمة الله تعالى.
يؤكد على أهمية علم العقيدة والتوحيد في حياة المسلمين، ويرد على من يقولون إنه لا داعي لدراسة هذا العلم. يشير إلى أن تعليم العقيدة والتوحيد من أعظم العوامل التي تقوي الاستقامة والطاعة والتربية.
يؤكد على أهمية تعليم العقيدة والتوحيد كأساس لتربية الأفراد والمجتمعات على استقامة دين الله. يشير إلى أن إهمال هذا الجانب يؤدي إلى انتشار الشبهات والانحراف ويحذر من الهجمات الشرسة على الأمة الإسلامية.
يشير إلى ختام شرح كتاب التوحيد، ويدعو الله بالسداد والتوفيق والقبول. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون كم بين السماء والأرض؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك، لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم». قال: رواه أبو داود وغيره. هذا الحديث الذي بين أيدينا، وهو حديث العباس رضي الله تعالى عنه، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى، رواه أبو داود، وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده. وهذا الحديث اختلف العلماء في مسألة تصحيحه وتضعيفه، إذ أن مداره على عبيد الله بن عميرة، وهذا الراوي قد حكم عليه جماعة من أهل العلم بالجهالة، كما ذكر ذلك الإمام الذهبي رحمه الله. وأيضًا هذا الحديث من طريق عبيد الله بن عميرة هذا الراوي عن الأحنف بن قيس، وهو لم يسمع منه، إذن ففيه انقطاع، ولهذا أعل هذا الحديث الإمام الذهبي، وهكذا العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وصاحب النهج السديد للعلل والانقطاع. بينما بالمقابل ذهب جماعة، وهم كثر من أهل العلم، إلى تحسين هذا الحديث وتصحيحه، وذلك كأمثال الإمام بن خزيمة رحمه الله تعالى، والبيهقي، وابن حزم، وهكذا ذكر له الشواهد الإمام بن القيم كما في تهذيب السنن. بل إن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: «تلقته الأمة بالقبول»، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى في تعليقه على هذا الحديث قال: في سنده انقطاع، ولكنه ينجبر، ولهذا أكثر العلماء على أن هذا الحديث الذي بين أيدينا هو من الأحاديث الصحيحة، والتي جاءت له الشواهد الكثيرة في الصحيحين وفي غيرهما. وهذا الحديث، إخواني في الله، مسائله لا تختلف كثيرًا عن مسائل حديث بن مسعود الذي مضى معنا بالأمس، ففيه بيان لعظيم هذه المخلوقات، والتي من خلالها يدلل بها على عظيم الخالق سبحانه وتعالى، وفيه أن المخلوقات كلما ارتفعت اتسعت، وفيها نسبة هذه العوالم أمام العرش، وفي الحديث كذلك بيان لعلو الله جل وعلا، فهو مستوٍ على عرشه، ومع هذا الاستواء فإنه لا تخفى عليه خافية من أعمال خلقه. وشاهد من هذا الحديث أن المؤلف رحمه الله تعالى أورده لكي يبين مدى عظمة الرب سبحانه وتعالى، والذي إذا استشعر بها كل مسلم ومسلمة كان ذلك من موجبات التعظيم والإجلال لله سبحانه وتعالى، وأن ينفرد له بالطاعة، وأن يخلص له الأعمال والأقوال والأحوال. إخواني في الله، بهذا الحديث الذي ختم به المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، وبهذا الباب ختم المؤلف رحمه الله الكتاب، وبهذا قد انتهينا من هذه الرسالة التي بين أيدينا، وهي رسالة كتاب التوحيد التي ألفها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فنسأل الله لنا ولكم حسن الختام. ونحن في ختام هذه الرسالة، أشار إلى مسألتين اثنتين، المسألة الأولى: فيها ومن خلال دراستنا لهذا الكتاب من أوله إلى آخره، ولله الحمد والمنة، قد تجلت لنا شخصية المؤلف، وأعني به محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى، هذا الذي أبدع في هذه الرسالة الماتعة النافعة، والتي جعل الله لها القبول، فها هي تدرس في جميع أقطار الدول الإسلامية، وما ذاك إلا لما خطه بقلمه وكتبه بيده في هذا المقام مقام التوحيد. وكلنا قد رأينا وقرأنا في هذه الرسالة أن المؤلف رحمه الله تعالى ما خرج عن هذا المنهاج: عبارة عن باب وآية وحديث وآثار، باب وآية وحديث وآثار، ما خرج عن هذا المنوال، ثم يعرج على بعض الفوائد التي ذكرها في أصل الكتاب، فكان في ذلكم من أعظم من دعا إلى الاعتصام بالكتاب والسنة. للأسف مع هذا كله نجد من بعض أهل البدع والهوى ممن أخذ يطعن ويقدح ويغمز في عرض الشيخ وفي علمه وفي عقيدته، حتى منهم من نسبه إلى الكفر والردة، ومنهم من نسب إليه ما يسمى بالفرق الوهابية، وهو منها بريء، وحاشا أنه لدعى الناس إلى مذهبه أو إلى منهجه، وإنما هو دائمًا كما في كتبه وفي سائر مصنفاته يدعو إلى الكتاب والسنة. الإشارة الثانية، إخواني في الله، نستفيدها من ختمنا لهذه الرسالة وقراءتنا لكتاب التوحيد من أوله إلى آخره، فيها أننا نستفيد من هذه الرسالة بشكل خاص، وبهذا العلم بشكل عام، أعني علم العقيدة والتوحيد، وأنه من العلوم المهمة، والتي حقها أن تعاد وأن تكرر، وأن يقبل عليها كل مسلم ومسلمة في كل الأزمان والأمكنة والأحوال. بل كان من علمائنا رحمه الله تعالى من إذا انتهى من هذه الرسالة أعادها للمرة الثانية، فإذا انتهى أعادها للمرة الثالثة، فإذا انتهى أعادها للمرة الرابعة، فلا يزال يكرر ويقرر ما فيها لأهمية الرسالة، وأيضًا قل أهمية هذا العلم الذي ينبغي إخواني في الله أن نولي له أهمية بالغة. وأما قول من يقول كما سمعنا ونسمعه: أنه لا داعي لأن نشغل أنفسنا بمثل هذه الرسائل والكتب، أو بمثل هذه العلوم، علم العقيدة والتوحيد، ما فيه داعي، ينبغي أن نشتغل بغيره، وأن ندرس أبناءنا في باب الأخلاق والآداب وفضائل الأعمال إلى غير ذلك، وهذا ليس بصحيح. أننا نترك هذه العلوم بهذه الحجج، وأنه لا داعي لعلم العقيدة والتوحيد، لا بالعكس، بل إننا والله في هذه الأزمان بحاجة ماسة بأننا نكرس الجهود في نشر العقيدة والتوحيد بين أبنائنا وبين أولادنا، وفي أفرادنا ومجتمعاتنا في هذه الأزمان خاصة، لا أن نتقاعس، وذلك أولًا: اقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام، من هذا الذي يشك في دعوته، الذي ما بخل فيها نبينا صلى الله عليه وسلم بالتوجيه والنصيحة لأصحابه ولمن هم في زمنه. فلا يزال يدعو إلى التوحيد، يدعو ويدعو حتى وتأمل يا عبد الله ما سيأتي، حتى وهو في الرمق الأخير، وهو ينازع السكرات عليه الصلاة والسلام، كان يقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». اسمع يا من تقول: لا داعي للتوحيد، ما الذي يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم وهو في الرمق الأخير من حياته، كما قالت عائشة: لما نزل برسول الله أي سكرات وبداية الموت، كان يقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، لفته إلى ما يناقض ويضاد التوحيد من بناء المساجد على القبور، هذا الذي كان يهمه عليه الصلاة والسلام، هذا هو هاجسه. فإذا كان هذا من صنع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فينبغي أن نأتسي به، وأن نجعل هذا هو الهاجس الذي كان عنده، يبقى هو الهاجس عندنا، وأننا بين الفين والأخرى نذكر أنفسنا ونذكر من هم في أيدينا ومن هم معنا، ولكافة الأمة نذكرهم بأمر التوحيد وما يناقض التوحيد، حتى نلقى الله جل في علا كما لقيه نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الوصية. ثانيًا: كذلكم أن تدريس الناس العقيدة والتوحيد، إخواني، فإنه من أعظم العوامل التي تعود عليهم بقوة الاستقامة والطاعة والتربية، هذا الذي إذا كنت أردت أنك تشغل الهمم بالتربية، اشغلها بالتوحيد والعقيدة، اشغلها بالعقيدة والتوحيد. ولهذا قال العلماء: من كان لله أعرف، كان منه أخوف، الإنسان كلما توسعت مداركه في معرفة حق الله عليه، ومعرفة ما يتعلق بالله من الإجلال والإعظام والأسماء والصفات، وما ينبغي بالله من أنواع التوحيد، فإنه كلما زاد معرفة بربه، كلما زاد هذا منه خوفًا وخضوعًا وخنوعًا. وتأمل يا عبد الله في دعوة عليه الصلاة والسلام، كم جلس في مكة جلس السنوات الطوال، إحدى عشرة سنة أو اثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة، وهو كرسها كلها في التوحيد، كما قالت عائشة، ثم بعد ذلك أمر بالواجبات ونهى عن المحرمات، لماذا جاء بعد ذلكم؟ جاءت الأوامر لأنه النبي أراد في أول أمره أن يقوم باللبنة الأولى، وهي العقيدة، هذه القاعدة إذا قامت، ما بعدها أسهل وأيسر. فالإنسان إذا استشعر بعظيم توحيد الله في قلبه، حينئذٍ سينقاد وسينصاع لأوامر الله، ويجتنب نواهيه ومخالفاته. ولكن تعال يا عبد الله إلى من خالف أهل السنة في هذا المقام من بعض الفرق، للأسف أراد أن يبعد العقيدة والتوحيد عن جانب التربية، فأراد أن يربي منهم تحت يده على مسائل ثانوية، إن صح التعبير، على مسائل الفضائل أو الأخلاق أو الآداب. فإذا به يعطي لنا قائمة بالصفات الست أو شروط الست، ولا تجد واحدة منها متعلقة بالعقيدة والتوحيد، أو ذاك الذي يتفوه بملء فمه بعدما سطر في منهجه الدراسي في كلياته وفي معاهده بإلغاء قضايا أو تعليم التوحيد، بحجة أن التوحيد يفرق الناس ويفرق الجماعات، ننظر بعد هؤلاء، بعدما الذي وصلوا إليه من إلغاء العقيدة والتوحيد، ما الذي حصل في أتباعهم؟ النفور والبعد والميوعة في الاستقامة، لأنه ما تربوا على العقيدة والتوحيد، بخلاف الذي تربى عليها. ولهذا من أراد أن يربي الأفراد والمجتمعات على استقامة على دين الله، أول ما يبدأ يركز على هذه اللبنة العظيمة: الإعظام والإجلال، وما ينبغي لله من التوحيد، فإن هذا إذا زرع، ما بعده أسهل وأيسر. ثالثًا: مما ينبغي لأجله تتوافر الجهود وتتداعى الهمم إلى تكريسه في تدريس العقيدة والتوحيد في مساجدنا ومراكزنا، وفي أنشطتنا الدعوية، ذلك لما نرى من الهجمات الشرسة على أمتنا، ما أحد يخفى عليه ذلك، ما نرى من تكالب أعداء الدين على الأمة الإسلامية، بإثارة الشبهات والشهوات التي تعود على أمتنا بالانحلال والانحراف. وإن من أعظم الهجمات التي تعرض لها أهل الإسلام ما يكون من التعرض في عقيدتها، في العقيدة، ولهذا نسمع عن حالات الردة التي تكون بين الفين والأخرى من أبنائنا، أصبح هذا الذي استطاع أن يتجرأ على الخروج عن الدين والملة، وبعض الناس لا يزال في نفسه ما في نفسه من الشبهات، تأتيه شبهة متعلقة بالإيمان بالملائكة، لا يستطيع أن يردها، وذاك الذي تأتيه شبهات في باب عذاب القبر وما يتعلق بالبرزخ، وما استطاع أن يردها، وذاك الذي تأتيه الشبهات في باب الأسماء والصفات، وذاك الذي تأتيه الشبهات في باب التوسط والتوسل بالصالحين، وغير ذلك، وذاك الذي تأتيه الشبهات متعلقة بوجود الله، وأن الله عز وجل موجود، كم وكم تأتي لهؤلاء الشبهات، وهم ما تربوا على العقيدة والتوحيد، إذا ما استطاع أن يتمالك نفسه، سقط في هوة الردة. ثم بعد ذلك يأتي من يأتي ويقول: ما هناك داعي للعقيدة والتوحيد في هذه الأزمنة، لا يا عبد الله، ثم تدعي أنك عندك فقه للواقع، لا والله، لو كان عندك فقهًا للواقع، لما تلفظت بهذه الألفاظ، ولقمت أنت ومن معك بتكريس الجهود، وبإنفاق الأموال، وبذل الأعمار في سبيل أن يدرس الصغار والكبار، والذكور والإناث، هذه العلوم العظيمة، علم العقيدة والتوحيد. فالشاهد، إخواني في الله، هذه لفتة أذكرها في هذا المقام، ونحن على ختمنا هذه الرسالة، ولله الحمد، كتاب التوحيد، فنسأل الله عز وجل السداد والتوفيق، ونسأل الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.