الدرس في شرح الأصول الثلاثة 34، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الهجرة النبوية كانت نقطة تحول في تاريخ الإسلام، حيث انتقل النبي من مكة إلى المدينة هربًا من الاضطهاد. أصبحت الهجرة أساسًا للتاريخ الهجري الذي يعتمده المسلمون.
الهجرة تعني الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، واختيرت هجرة النبي كأول سنة في التاريخ الإسلامي. يُحدد بلاد الإسلام بظهور شعائر الإسلام بشكل عام.
الحكم ببلاد الإسلام يتعلق بظهور شعائر الإسلام على وجه العموم، وليس بعدد السكان أو الحاكم. الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام واجبة وستبقى حتى قيام الساعة.
يُختتم الكلام بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويُتبع بالصلاة على النبي وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وبعد العشر عرج به إلى السماء وفرضت عليه الصلاوات الخمس، وصلى في مكة ثلاث سنين. أبينا إخواني في الله ما يتعلق بفقرات هذا المقطع، ما يتعلق بأنه بعد العشر وقعت حادثة الإسراء والمعراج، وأنهما الرحلة الأرضية والعلوية، وبخضم هذه الرحلة تم فرض الصلاة على أمة الإسلام، ثم جلس نبينا عليه الصلاة والسلام بعد هذه الحادثة جلس برهة من الزمن على اختلاف بين المؤرخين من ثلاث سنين إلى خمس إلى دون ذلك. وبعدها قال المؤلف رحمه الله تعالى: وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة، والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة. في هذه الفقرة أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى أمر يتعلق كذلك بسيرته عليه الصلاة والسلام، وهو يتعلق بحقه في معرفة شيء مما جرى له، وكذلك إلى مسألة شرعية وهي مسألة الهجرة. قال رحمه الله تعالى: وبعدها، أي وبعدما أسري به عليه الصلاة والسلام أمر بالهجرة، وهذا يؤيده الحديث الكثير، منها ما جاء في البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، حيث حكى لنا هذه الحقبة الزمنية التي عاشها نبينا عليه الصلاة والسلام، فأخبر ابن عباس أن نبينا بعث على سن الأربعين، وبعد ذلك جلس في مكة ثلاثة عشر سنة، ثم أمر بالهجرة، ثم جلس في المدينة عشر سنين. فهذا الحديث وهو الذي عليه العمدة في معرفة التاريخ الإجمالي الذي عاشه نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو أمر بالهجرة، وقول المؤلف رحمه الله تعالى: أمر، أي أن هذا أمر من الله جل وعلا، فهو فرض وهو حتم وهو لازم أن يفارق بلاد الكفر وأن يفارق مساكنهم حتى يظهر دين الله جل وعلا. لأنه من تأمل في سيرة عليه الصلاة والسلام يعلم أن نبينا عليه الصلاة والسلام لقي العنت ولقي الضيق من أهل مكة حتى ضيقوا عليه في دعوته عليه الصلاة والسلام، فلابد للدعوة من متنفس، فحينها جاء الأمر من ربنا جل وعلا بالهجرة، فهاجر نبينا عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. والهجرة النبوية إخواني في الله هي حادثة كذلك من الحوادث العظيمة لا تقل عن حادثة الإسراء والمعراج في الأهمية، فكم وقعت لنبينا عليه الصلاة والسلام من عجائب ومن غرائب، بل وأثمرت من فوائد عظيمة، والمقام لا يسع إلى تفصيل ذلك، فهذه مضانها في كتب السيرة فيرجع إليها. لكن هذه الحادثة لأهميتها أرخ عليها أهل الإسلام، فأصبحت هذه الحادث تاريخا يذكر إلى يومنا هذا، فالتاريخ الذي يعتمد عليه المسلمون هو التاريخ الهجري، وهو التاريخ الهجري مؤرخ بهجرته عليه الصلاة والسلام، والذي أرخ بهذا التاريخ هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. الذي لطالما جعل ربنا جل وعلا على يديه من الكرامات ومن الآيات وما فيه منفع للإسلام والمسلمين، ومنها التاريخ الهجري، كانت تأتي الأوراق إلى عمر رضي الله تعالى عنه فينظر فيها فإذا هي غير مؤرخة، وكان ذلك يوقع للطراب والارتباك في الحكم عليها. ورفعت ورقة إلى عمر رضي الله تعالى عنه مكتوب فيها أن لرجل على رجل دين يحل عليه في شعبان، رجل عليه دين لرجل آخر، وهذا الدين يكون السداد في شعبان، فقال عمر: أي شعبان الذي مضى هذا الذي سيأتي؟ فعزم حينها على أن توضع تاريخ لهذه الرسائل والكتب. وكانت العرب قديما تؤرخ بالأحداث المهمة، مثل عام الفيل، يقال: فلان ولد قبل عام الفيل، فلان ولد في عام الفيل، كما في تاريخ مولده عليه الصلاة والسلام، ولد في عام الفيل، أو فلان ولد بعد عام الفيل، فكان العرب يؤرخون بالحوادث المهمة والجلية، لكن هذا لا يدوم. فحينها استشار عمر الصحابة رضي الله تعالى عنهم من كان معه، استشارهم أن يضعوا تاريخا أي سنويا، فاختلفت أنظار الصحابة، فمن قائل أن يؤرخ من ميلاده عليه الصلاة والسلام، وأن مولده يكون هو التاريخ السنوي، ومنه من قال: لا، بل تكون وفاته هو التاريخ المعتمد، ومنه من قال: بل بعثته ونزول الوحي عليه هذا يؤرخ منه التاريخ الإسلامي. لكن ثم جاءت الكلمة إلى الهجرة، جاءت الكلمة إلى الهجرة، أن هذا التاريخ وهو اليوم أو العام الذي هاجر منه نبينا، وكان ذلك في السنة الثالثة عشر من البعثة، أن هذا التاريخ الذي هاجر فيه نبينا أن هذا يكون هو السنة الأولى من التاريخ الإسلامي، وتم اختيار هذه الهجرة لعظمها ولأن بها انقلبت الأمور وانقلبت الموازين وأصبح الإسلام فيها ذا شان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. انتقى المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسألة الهجرة، ما معنى الهجرة؟ الهجرة في اللغة في اللسان العربي بمدلولها الواسع تأتي بمعنى الترك، فلان هجر فلانا تركه، هجر زوجته تركها، هجر بيته تركه. فالهجر بمعنى الترك، وفي اصطلاح العلماء وفي لسان الشرع يقول العلماء: الهجرة هو الترك ما لا يحبه الله ويرضاه إلى ما يحبه الله ويرضاه، هذه الهجرة الشرعية، ترك ما لا يحبه الله ويرضاه إلى ما يحبه الله ويرضاه. وتحت هذا العنوان يا عبد الله العنوان الكامل العام الشامل لموضوع الهجرة تندرج تحتها جميع الصور، فعندي هجرة العمل، هجرة العامل، هجرة المكان، وكل هذه الهجرة تتنزل على هذا القانون الواسع، فهجرة العمل هو هجرة العمل الذي لا يحبه الله ويرضاه إلى عمل يحبه الله ويرضاه. قال رحمه الله تعالى: الهجرة والانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهذه هجرة المكان، وهو الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، أنك تنتقل من بلد إلى بلد، لكن هل انتقال إلى أي بلد؟ لا، أنك تنتقل من بلد الكفر من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. وهنا مسألة وهي ما هو الضابط في أن نعرف أن هذه البلدة نحكم عليها بأنها دار إسلام وأن تلك دار كفر؟ لأن عليها تتنزل أحكام شرعية منها الهجرة، هذه المسألة لا نتوسع فيها، العلماء كذلك لهم فيها تحديدات، منهم من دقق ومنهم من وسع ومنهم من فصل في معرفة ما هي بلاد الكفر ما هي بلاد الإسلام. لكن قول العلماء وأكثر العلماء أن بلد الإسلام هي البلاد التي تظهر فيها شعائر الإسلام ويغلب عليها شعائر الإسلام، مع الضابط أن يكون هذا الظهور على شكل العموم والشمول، تظهر فيها شعائر الإسلام على شكل العموم والشمول، هذه بلاد الإسلام. فما هي بلاد الكفر؟ بلاد الكفر هي التي لا تظهر فيها شعائر الإسلام، لا تظهر فيها شعائر الإسلام. ننبع على القيد الأول، قال العلماء: بلاد الإسلام هي البلاد التي تظهر فيها شعائر الإسلام، في بلاد المسلمين والله الحمد تجد أن مظاهر الإسلام ظاهرة جلية، الصلوات، الأذان، الجمع، الجماعات، الأعياد، كل هذه مظاهر إسلامية تفعل وتؤدى في كل يوم وليلة بغير تضييق بغير تقييد بغير منع. فهذه بلاد إسلام تظهر فيها شعائر الإسلام، مظاهر الإسلام، الأذان يرفع، الصلوات تقرأ تقام، الأعياد تفعل وهكذا، قسم مسالك هذه الأمور، لكن اشترط العلماء أن يكون هذا الظهور ظهور شعائر الإسلام أن تكون على شكل العموم بشكل عام بشكل عام. لماذا هذا القيد؟ قال علماء: هذا القيد مهم ينفعنا في بعض البلدان التي قد قد تظهر فيها شعائر الإسلام لكن ليس على شكل العموم والشمول، مثل ما يقع في بعض الأقليات المسلمة في بلاد الكفر في أوروبا في أمريكا في شرق آسيا، تجد بل لا تخل بلدة من بلاد الكفار إلا فيها جاليات مسلمة فيها أقليات مسلمة يقع فيها أذان تقام فيها صلوات. إذن هذه شعار الإسلام موجودة في هذه البلدة، لو جاءنا مثل بلد كفري قطر كفري في بعض أنحائه توجد قرية من أهل الإسلام تقام فيهم شعائر الدين، عندكم أذان؟ قالوا: عندنا أذان ما شاء الله، صلاة نصلي جماعة ما شاء الله تبارك الله. هل بهذه الشعائر التي قد ظهرت في هذا البلد الكفري هل يسوغ لنا أن نطلق على هذا البلاد بأسره أنها بلاد إسلام؟ طبعا لا ما يسوغ لنا هذا، لماذا؟ لأن ظهور شعائر الإسلام في تلك الناحية إنما كان على نطاق ضيق نطاق ضيق نطاق محصور محدد. وهذا على خلاف التعريف، فقال علماء: إذا وجدنا بلدة فيها شعائر الإسلام قد ظهرت ننظر إلى هذا الظهور، إن كان الظهور أغلبي وعلى شكل العموم في سائر البلاد إذا هذه بلاد إسلام، أما إذا كان الظهور هذه الشعائر ضيق على مستوى محدود كما نرى في الأقليات الإسلامية بعض الجاليات تجد عندها مركز إسلامي يكون في ناحية ولا يخرج لها هذه الشعائر إلا بترخيص وبموعد ومماطلة. يعطى لهم التشديد والتضييق، فهذه المعالم تعطى لهم لكن على نطاق ضيق، فقال علماء: فهذه لا تزال بلاد كفر لأن من شرط بلاد الإسلام أن تظهر فيها شعائر الإسلام ظهورا على وجه العموم والشمول لا يكون على وجه التضييق وكذلك الحصر. ومن هنا بهذا التعريف الصحيح الذي عليه جماعة من العلماء قديما وحديثا نعلم أن الحكم على البلاد أنها بلاد إسلام أو بلاد كفر لا يتعلق بالأقلية والأكثرية، انتبه لا تتعلق بعدد السكان، فرب بلدة عدد الكفار فيها كثر وتعتبر من بلاد الإسلام والمسلمين. وفي بعض البلدان تجد أن عدد المسلمين كثر ولا زال تعتبر بلاد كفر، فلا ترتبط لا تجعل الذهن هناك نماذج كثيرة وليس المقام في ذكرها، فقال العلماء: ليس العبرة بالعدد وليس كذلك العبرة بالحاكم، انتبه ليس العبرة بالحاكم، لا تحكم على البلاد بأنها بلاد كفر على حاكمها أو أنها بلاد إسلام على حاكمها لا. قد يختلف قد تجد أن بلدة حاكمها مسلم وهي بلاد كفر، هل يمكن هذا؟ يمكن مثل ماذا؟ مثل أرض الحبشة، أرض الحبشة تعتبر بلاد الكفر، من واليها؟ مسلم وهو النجاشي، النجاشي مسلم صلى عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، سمه الأخ الصالح، صلى عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، هو حاكم مسلم لكن بلاده تعتبر بلاد كفر. لماذا؟ لأن هذا الضابط عندنا الضابط في بلاد الإسلام وبلاد الكفر فيما تعلق بالشعائر بشعائر الإسلام ليس لها تعلق بالحاكم وليس لها تعلق بعدد السكان وإنما بشعائر الإسلام، وقلنا هذا القول الذي جنح إليه جماعة من المحققين. فالشاهد إخواني في الله إذا تميزت هذه البلدان إذن الهجرة تكون من بلاد هي تعتبر من بلاد الكفر والشرك إلى بلاد هي بلاد الإسلام، فقال رحمه الله تعالى: الهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، والهجرة فريضة على هذه الأمة. قوله رحمه الله تعالى: فريضة، فريضة بمعنى واجبة، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، وهذه مسألة أصولية أن مرتبة الفرض هي كمرتبة الواجب على خلاف من زعمه عكس ذلك، يرى بعض الأصوليين وخاص من الأحناف يرون أن الفريضة أعلى رتبة من الواجب. فعندهم الواجب ما كان ظني الثبوت، وأن الفرض ما كان قطعي الثبوت، وهذا ليس بصحيح، الصحيح ما عليه جمهور العلماء وهو أن الفرض بمعنى الواجب أي من حيث المرتبة، قال رحمه الله تعالى: والهجرة فريضة أي واجبة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. وقد مر ذلك معنا، قال: وهي باقية إلى أن تقوم الساعة، قوله: باقية، رحمه الله تعالى، أي أن هذه المسألة الشرعية وهذا الحكم الشرعي لم ينسخ لم ينسخ، بل هو باق إلى أن تقوم الساعة، لا يظن أنه بفتح مكة نسخت الهجرة لا لم تنسخ. ولا تظن أن بدخول الناس أفواجا لدين الله أن الهجرة قد رفعت لا لم ترفع، ولا تظن أن دخول بلاد الأعاجم في شرق الدنيا وغربها أنهم دخلوا الإسلام أن هذا يلغي هذا الحكم لا يعبد الله، بل هي باقية إلى أن تقوم الساعة. متى ما كان العبد في بلده هي من بلاد الكفر يظهر وتظهر فيها شعائر الكفر ولا تظهر فيها شعائر الإسلام والعبد فيها لا يستطيع أن يقيم شرع الله جل وعلا، فهنا يجب عليه أن ينتقل والهجرة باقية حكمها باقي. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.