شرح الأصول الثلاثة 37

شرح الأصول الثلاثة 37

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 37، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مرحلة تأسيس الدين في المدينة وتأسيس العبادات

بعد هجرة النبي إلى المدينة، بدأ في تأسيس شرائع الإسلام مثل الزكاة والصوم والحج، واستمر في ذلك حتى وفاته. كانت هذه المرحلة تركز على تفاصيل العبادات والشرائع بعد أن كانت المرحلة المكية تركز على العقيدة وتوحيد الله.

تفاصيل فرض العبادات والشرائع في الإسلام

فرض الإسلام العبادات والشرائع مثل الصوم والحج والأذان والجهاد، وشرح توقيت فرضها وتفاصيلها. يُبرز أهمية فهم السيرة النبوية كعبرة وعظة وليس فقط كتاريخ.

أهمية العقيدة والتوحيد في الدعوة

تأسيس العقيدة والتوحيد كان محور دعوة النبي عليه الصلاة والسلام منذ بداية الدعوة في مكة حتى نهايتها. يشدد على ضرورة تعليم العقيدة الصحيحة وتعلق القلوب بالله لضمان الثبات على الدين.

ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع الأخير دعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر فيه التوجه الدعائي والتأكيد على أهمية الصلاة على النبي. يُنهي بالتأكيد على قدرة الله وعلى دوره كولي النعمة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة والصوم والحج والأذان والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين، وبعدها توفي صلاة الله وسلامه عليه، ودينه باق. في هذا الفقر إخواني في الله، بعدما تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عما يتعلق بمسائل الهجرة، وكان ذلك إثر كلامه عن بعض من سيرته عليه الصلاة والسلام، ذكر بعض المسائل المتعلقة بالهجرة، وخاصة مع غفلة الناس عن هذا الحكم الشرعي حتى أصبح الكثير لا يعرف عن حكم اسمه الهجرة، فنبه المؤلف رحمه الله تعالى على أنه حكم شرعي بل حكم يصل إلى حد الوجوب، وذكر الآيات التي فيها الوعيد لمن ترك الهجرة، وأن الهجرة باقية إلى قيام الساعة، وضابطها الانتقال من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وأنها قد تصل إلى حد الاستحباب وذلك في حق من استطاع أن يقيم دينه. ثم قال رحمه الله تعالى: فلما استقر في المدينة، ويعني بها المدينة النبوية، سميت بهذا الاسم علم على تلكم البلدة التي استقر فيها نبينا عليه الصلاة والسلام، فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام. وهنا تنبيه إخواني في الله في معرفة المرحلة المكية، وأنها تختلف وتفارق المرحلة المدنية، المرحلة المكية التي قضاها نبينا صلوات ربي وسلامه عليه من بعثته إلى هجرته كانت هذه مرحلة تأسيس، مرحلة تأسيس لدين الله جل وعلا وتأسيس الرجال، فعلى ماذا كان التركيز؟ التركيز كما يذكره المؤلف رحمه الله تعالى في العقيدة، التركيز على أمر التوحيد، هنا يكم الدين في بناء الأرض الصلبة، فلا يمكن لمسلم أن تقام له أرض صلبة لدين الله جل وعلا إلا بإتمام التوحيد، يعرف توحيد الله جل وعلا، يعرف العقيدة الإسلامية التي هو قد أمر بأن يعتنقها، وكذلك أن يتعلمها. فقال رحمه الله تعالى: فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة والصوم، كذلكم المؤلف رحمه الله تعالى ذكر شرائع الإسلام، وهنا لم يذكر الصلاة لأنه كما قد مر معنا أن الصلاة في أصلها هي قد وجدت في المرحلة المكية، القول الصحيح من أقوال العلماء أن الصلاة قد وجدت في المرحلة المكية، ومن نظر في سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام يجد هذه الروايات التي فيها كان نبينا عليه الصلاة والسلام يصلي عند الكعبة. فكان يصلي إلى أن الصلاة التي صلاها ليست كهذه الصلاة، وإنما كانت عبارة عن صلاتين إحداها يصليها عند إقبال النهار وآخر عند إدباره، فكان يصلي الفجر ويصلي المغرب، فحتى وقعت حادثة الإسراء والمعراج فكلف نبينا بخمس صلوات في اليوم والليلة، وحتى العلماء قالوا: هذه الصلوات الخمس أول ما صليت لم تكن بهذه الصلاة، وإنما كان يصليها نبينا ركعتين ركعتين كما جاء في الصحيح في حديث عائشة: أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يصلي ركعتين ركعتين أي هذه الصلوات الخمس. فلما استقر الأمر في المدينة قالت عائشة: فأقرت أي هذه الصلاة، هذه الركعات أقرت في السفر وأتمت في الحضر، فأصبحت أربعا يصليها نبينا في الحضر، وأما الركعتان تؤدى في السفر، فالحاصل أن الصلاة في أصلها قد وجد في العهد المكي. قال: مثل الزكاة، وهكذا الخلاف: الزكاة هل الزكاة فرضت في المدينة بعدما استقر نبينا عليه الصلاة والسلام فيها أم أنها وجدت في مكة؟ وجه الإشكال في هذه المسألة أن الآيات المكية التي نزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام وهو في مكة كان فيها الأمر بالزكاة: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ آية مكية، وهكذا في سورة المزمل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وهي مكية، وفي قول تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ آية مكية، وفي سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ سورة وآية مكية. فيقول العلماء: إن هناك آيات فيها الأمر بالزكاة وهي نزلت بنبينا في مكة، فكيف التوفيق بين هذه الآيات وبين أن الزكاة في المدينة؟ يقول العلماء: وجه الجمع أن أصل الزكاة وجد في مكة، أما التفاصيل والأنصبة والمقادير كان ذلك في المدينة. كان في العهد المكي تأتي هذه الآيات العامة بأن الرجل ينفق في سبيل الله، ينفق، فكانت النفقة والصدقة تسمى زكاة، تسمى زكاة لأنها مؤداها اللغوي واضحة، لأن الزكاة هي تزكية للنفس، فكان المسلم في العهد المكي يحث على أنه ينفق بما يستطيع، فكان هذه زكاة فرضية ينفق العبد بما شاء، لكن لما استقر نبينا في المدينة جاءت الأنصبة، ما يتعلق بالحبوب والزروع، ما يتعلق بالنقدين، الأنصبة، شروطها إلى آخره، كان ذلك في المدينة، وبهذا تجتمع الأدلة، ونجتمع الآيات المكية والمدنية بأن الزكاة كأصلها كان في مكة، أما في التفاصيل وما يتعلق بفروعها فكان ذلك في المدينة. قال رحمه الله تعالى: مثل الزكاة والصوم، وهكذا الصوم فرض في السنة الثانية من الهجرة، وذلك بعدما استقر نبينا في المدينة، قدم نبينا عليه الصلاة والسلام في المدينة فرأى أن اليهود يصومون، فسأل عن هذا الصيام، قال: أنه يوم نجأ الله فيه موسى، فكان يصومون عاشوراء، فأمر نبينا بصيامه، فأول ما فرض الصيام عبارة عن صيام عاشوراء فقط، ما كان هناك رمضان، ثم في السنة التي بعدها وسنة التالية أفرض ربنا جل وعلا رمضان على الناس، ففرض في السنة الثانية من الهجرة، وغبر ما صامه نبينا تسع رمضانات إجماعا، فعلم أن عاشوراء أول ما وقع الأمة كان فرضا عليها، فرضا عليها، ولكن وقع ذلك سنة واحدة في حق المسلمين. قال: والصوم، قال: والحج، وهكذا الحج فرض على الناس وعلى أهل الإسلام بعدما استقر نبينا عليه الصلاة والسلام، واختلف العلماء في العام الذي فرض فيه الحج، فمنهم من قال: أن ذلك كان في العام السادس من الهجرة، والجمهور على أنه في العام التاسع من الهجرة، وقول الجمهور لعله القول السديد والصحيح في هذه المسألة، فلأن مكة كانت بلاد كفر وبلاد شرك، وما فتحت إلا في السنة الثامنة، فتح مكة كان في السنة الثامنة، فلما فتحت مكة وأصبحت دار إسلام جاءت السنة التاسعة، جاءت الآيات الآمرة بفرضية الحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وكان ذلك في السنة التاسعة. إلى أن نبينا عليه الصلاة والسلام في هذه السنة التي أمر فيها بالحج ما حج، لم يحج، وإنما أرسل الصديق وأرسل عليا يحج بالناس، ثم حج نبينا في السنة العاشرة، وهي حجة الوداع، وهي الحجة الوحيدة التي حجها نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذه المسألة تجر إلى مسألة ويستدل بها وعليها مناطق خلاف الأصوليين حول هل الأمر يقضي الوجوب أو يقضي الفورية أو لا يقضي الفورية؟ بعض العلماء يرى أن الأمر لا يقضي الفورية، استدلالا بهذه الحادثة، فالحج فرض في السنة التاسعة وما حج نبي إلى بعد عام في السنة العاشرة. لكن قال العلماء: أن نبينا ما أخر الحج إلى الأمور أهم الأمور أن السنة التاسعة والتي سميت بعام الوفود، فقد أقبلت الوفود من كل حدب وصوب على نبينا عليه الصلاة والسلام، فراعى نبينا أهمية قدوم هؤلاء واستقبال هؤلاء الذين سيأتون ويرون يتعلمون مسائل الدين والدعوة إلى الدين وإلى الشريعة وإلى الإسلام، فآثر نبينا البقاء في المدينة وعدم الخروج، فهذا سبب وجيه في تأخير الحج. الأمر الثاني أن نبينا كان يعلم في هذه السنة أن هناك بقايا من أهل الكفر، حتى أن عليا والصديق عندما ذهب إلى الحج كان من ندائهم أن لا يطوف بالبيت عريان، أن لا يطوف بالبيت عريان، لأنه كان هناك خليط، لا زال خليط من المسلمين ومن الحجاج، فأراد نبينا أن يطهر هذا البيت من هذه المعالم حتى يأتي وقد صفي البيت كاملا، فأخر نبينا الحج لهذه المصلحة، وعلى هذا نجمع لماذا نبينا أخر الحج لعام، كان ذلك لمصالح شرعية راعاها نبينا عليه الصلاة والسلام. الحاصل أن الحج فرض على نبينا بعدما استقر في المدينة، قال: والأذان، وهكذا الأذان كذلك فرض على الناس وشرع للناس بعد مقدم نبينا للمدينة، وإلا الصلاة أول ما شرعت كان لا أذان لها، كان لا أذان لها، وإنما الناس اجتمعوا متى ما اجتمع الناس أقيمت الصلاة، فلكن وقع الإشكالات عند بعضهم، فذاك الذي يتقدم وذاك الذي يتأخر، فأحب نبينا أن تكون هناك أمارة وعلامة يعلم الناس منها ومن خلالها أن الص الص الص الص الص الص الص الص الص الص الصَّلاة قد دخل وقتها، فمنهم من قراه على نبينا عليه الصلاة والسلام أن تشعل النيران، ومنهم أن ينفخ بالبوق، ومنهم أن تضرب النواقيس، إلى أن نبي رفض ذلك لما فيه من التشبه بأعداء الدين، حتى أوحى ربنا جل وعلا إلى بعض أصحابه كلمات الأذان، فأخبر نبينا بها، ثم أعلن عنها، فأصبح الأذان الشرعي. الحاصل أن الأذان فرض على الناس بعدما استقر نبينا صلى الله عليه وسلم في المدينة، قال: والجهاد، وهكذا الجهاد، الجهاد فرض في المدينة، أما في مكة فقد أمر الصحابة بالكف والكف وعدم الخوض وعدم المصادمة، لأنهم في وقت كانوا على الصعاف، ليس من الحكمة وليس من دين الله جل وعلا المخاطرة بالمخاطرة بدين الله جل وعلا، فهم ثل قلة، فلو أنهم فعلوا مثل هذه المسائل وهو الدخول في قتال ومقاتلة مع الكفار وهم بهذه الصورة من القلة، لذا كان بقتلهم ذهاب للدين، لكن كانت الحكمة الشرعية بالصبر والاحتساب والعفو والصفح حتى أذن ربنا جل وعلا بالهجرة، فأصبح لبلاد المسلمين الصولة والجولة والقوة، وعندهم المدد والرجال والعتاد والعدة، وأصبح بعد قبل هذا وذاك دولة يتمركزون فيها ويؤون إليها ويحتمون بها، حينها شرع الجهاد على مراحله المعروفة، فالجهاد فرض في المدينة. قال: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام، شائع الإسلام كلها وغالبها فرضت في المدينة بعدما استقر نبينا على ذلك، قال: أخذ على هذا عشر سنين، وهذه إخواني مسائل الذي جاءت من سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام ينبغي أن يراعى، للأسف بعض الناس لربما يقرؤون السيرة على أنها زمن قد انجثر وأنه زمن رائع وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام لاقى فيه ما لاقى نبينا من العنت، وكيف أنها حكمة الله وأن الله راعى نبينا في مراحله، ويقتصر على هذا. لا يا عبد الله، ليست السيرة بهذه الصورة، أنك تتأمل فيها وأنك تنبهر بقدرة الله جل وعلا في اصطفاء نبينا عليه الصلاة والسلام وتكتفي إلى هذا الحد، لا يا عبد الله، السيرة عبر، السيرة عبر، السيرة عظة جعلها ربنا جل وعلا نبراسا نهتدي به ونقتدي به، ينبغي أن نأتسي بنبينا في سيرة هذه الوقائع التي وقعت لنبينا، ومنها هذه المرحلة الزمنية أنه بقي عشر سنين في مكة أو ثلاثة عشر في مكة يدعوها دعوة صافية خالصة لتوحيد الله جل وعلا، ما كان هناك شيء من الشرائع كما رأيتم وسمعتم، غالب هذه الشرائع جاء التفاصيل والإيجاب على المسلمين في المدينة، فهذا حكمة عظيمة. ما هي الحكمة؟ الحكمة أن نعلم ترتيب الأولوية في الدعوة، ترتيب الأولوية في الدعوة أنك يا عبد الله أول ما تريد أن تبني نفسك دينيا ابدأ بالعقيدة، بالتوحيد، الأسف هذه المسألة لا أقول خفية على عامة الناس وإن كانت خافية عليهم، بل خفية على من ينتسب إلى العلم ينتسب إلى الدعوة وإلى الفكر، تجد أن بعض الناس لربما لا يأبه لأمر العقيدة والتوحيد شيئا، يرى أن مسائل المنكرات والنهي عنها عظيمة، ويرى أن الأمر بالفراد والواجبات أمر أعظم، وبالمقابل ينسى أمر التوحيد، وهذا خلط يا عبد الله، خطأ، هذا ليس هدي نبيك عليه الصلاة والسلام. أنك تتجاهل أمر العقيدة تتجاهل أمر التوحيد بحجة يقول: أنا في زمن الناس على التوحيد، ولو يا عبد الله التوحيد، لكن أليس هذا التوحيد الذي الناس عليه أليس فيه إشكالات؟ أليس فيه خلل؟ أليس فيه زغل؟ أليس فيه دغل؟ أليس فيه نقص وشطط؟ فيه كثير، إذا يحتاج إلى تصفية، يحتاج إلى تصفية. نبينا عليه الصلاة والسلام استفاد من هذه المرحلة التي رباه ربنا عليه، استفاد حتى في دعوته، قال: «يا معاذ إنك تأتي قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله، فإنهم أطاعوك لذلك فاعلمهم، فإنهم أطاعوك لذلك» العقيدة أولا، إذن صاروا لها، رحبوا بها، اعتنقوا التوحيد، تأتي الأحكام الشرعية، فإنهم أطاعوك لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، ثم تأتي بنبينا باقي الشرائع الإسلامية. فالتوحيد أخي عبد الله لا بد، لا بد أن الداعي إلى الله جل وعلا ومن كان له منصف التوجيه والإرشاد والتعليم والتربية عليه إذا أراد أن يربي أحدا فليربيه على العقيدة والتوحيد أولا، ورأينا كم من أناس وكم من فرق لربما دخل فيها من دخل من عصاة، دخلوا من كانوا على الضلال دخلوا، لكن هي برهة من الزمن إذ بهم يرجعون، يضيعون، ينزلقون، لماذا؟ لعدم وجود أساس، عدم وجود بنية ربانية، واحد منهم قد دخل في سلك الالتزام كما يسمى سنوات عديدة، سنوات عديدة مع جماعة من أهل الخير نحسبهم كذلك، والله حسيبهم، لكن إذ بهذا الرجل يسأله السؤال: ما علمك بعلم العقيدة؟ يقول: العقيدة أنه من الله موجود، ماذا تعرف عن الوهية الربوبية، أسماء وصفات؟ ما يعرف شيء، بل بالعكس بعضهم يرأف على أن هذه مسائل العقيدة والتوحيد من المسائل المنفرة عن دين الله، المنفرة عن دين الله. أعرف جماعة من الجماعة قد لا يخفاكم يرون أنه لا تدرس العقيدة لأن العقيدة تفرق بين الناس، غلط، كي تفرق بين الناس، ألم يكن هذا نبينا قد كرس دعوته على العقيدة والتوحيد من أول وهلة؟ ألم يكن في مكة؟ كان بإمكان نبينا في مكة أن يمنع العقيدة والتوحيد، لا يتكلم لا في الأصنام ولا في الأوثان، بل الكفار قد ساوموا نبينا، ساوموه على الحكم وعلى الملك وعلى الإمارة والسلطة، لكن رفض نبينا، لماذا؟ أول أساس العقيدة التوحيد الذي يبنى عليه. فيا عبد الله فمن كان من المربين من أراد أن يوجه الأفراد والمجتمعات إلى ما فيه الثبات على دين الله فليربيهم على عقيدة، أن يربط طربة قلوبهم بالله جل وعلا، يعرف من ربهم إلى ألوهيته وربوبيته وأسماء وصفاته، متى ما تعلقت قلوبهم بالله اطمئن يا عبد الله، قال علماء: من كان لله أعرف كان منه أخوف، ومن كان لله أعرف ولا يمكنك أن تتعرف على ربك إلا عن توحيد الله في ربوبيته الخالق الرازق المحيي جل في علاه، في ألوهيته هو الذي يعبد لا سواه جل وعلا، في أسمائه وصفاته بأنه على كل شيء قدير، الفعال لما يريد، الصفات الخبرية، الصفات السمعية، كل ما يتعلق بالله جل وعلا. متى ما تعلقت قلوبهم بالله، هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما تربوا مع نبينا في مكة ثم هاجروا إلى المدينة، مهما جاءت من فتن ما تزحزحوا، ما تزلزلوا، لماذا؟ تربوا على العقيدة الرصينة، فينبغي إخواننا في الله مثل هذه المرحلة من دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام ما كان في المرحلة المكية ثم انتقل إلى مرحلة مدنية، وكيف كان الشرائع تتحول من حال إلى حال، ينبغي أن يكون هذا في بعين الاعتبار، نعتبر أن كان ذلك لهدف، وهو أن المسلم يعتني أعظم ما يعتني في تربية نفسه وفي تربية غيرهم أن يربي نفسه على العقيدة الصحيحة، يربيها. وهذه الأزمان إخواني في الله الناس بأمس الحاجة إلى ذلك، قد وقعت الشركيات، قد وقعت الردة، الردة لا تخفى، لا أحد يكابر، الردة موجودة بشتى صورها، ردة موجودة بشتى صورها، قد أغاضت بأقوالهم بأفعالهم، ذاك الذي يطعن في الله، ذاك الذي ينتقص الرب جل وعلا، إما كان من الفرق اللادينية: علمانية، يسارية، ليبرالية، اشتراكية، أو كان من الفرق الباطنية: من الرافضة والجهمية، كلها وقعوا فيما يكون من أعمال الردة، وإن كان في تكفير محتاج إلى الشروط والضوابط، لكن الردة موجودة لجهل الناس بدين الله، فلا أحد يكابر إخواني في الله ويقول: ما في داعي، لا الداعي موجود، الداعي موجود. نبينا عليه الصلاة والسلام هو الذي بدأ بالتوحيد، كان في آخر حياته الدعوة للتوحيد كما ذكرنا، حيث عائشة لما كان في سكرات الموت كان يتغشاه غطاء، فإذا اغتم به كان يتغطى بغطاء في سكرات الموت، فإذا اغتم من غطاء كشف هذا الغطاء، قال: «تعاجئ»، قال: يقول وهو على هذه الحال: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، البناء على القبور، اتخذها مساجد، كانت من أعظم وصايا نبيه في الرمق الأخير قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى في سكرات موته، ومع ذلك يركز على هذه المسألة من مسائل التوحيد، التي هذه المسألة بعينها أصبح الكثير من الناس مما ينتسب إلى الفكر والدعوة أن هذه من الشطحات، وأن هذه ما في داعي منها، وأن هذه قد عفى عليها الزمن. لا يعبد نبيك، وكان معظما لأمر ربه جل وعلا، التعظيم لأمر التوحيد إخواني في الله حقيقة تعظيم لأمر الرب سبحانه وتعالى، فالشاهد إخواني في الله فذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن نبينا بعدما استقر في المدينة توالت عليه الشرائع الإسلامية، وكان ذلك بعد التمهيد لأمر العقيدة والتوحيد، وسيأتي معنا ما يتعلق بكلام مؤلف رحمه الله تعالى حول مسائل عامة متعلقة بوفاته وما يقع بعد ذلك من حفظ الله لدينه جل في علاه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.