الدرس في شرح آيات الصيام 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل أحكام الصيام المتعلقة بتناول الطعام والشراب، وحكم من نسي فأكل أو شرب أثناء صيامه. يُوضح أن النسيان عذر شرعي ولا يؤثر على صحة الصيام.
يتناول هذا الفصل حكم استخدام القطرات في الأنف والعين والأذن والإبر أثناء الصيام. يُوضح آراء العلماء في هذه المسائل ويستند إلى أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية.
يتناول هذا الفصل تفاصيل أحكام استخدام الإبر والكحل وقطرات العين والأذن وبلع الريق للصائم في رمضان. يُشرح أن الإبر المغذية تفطر بينما الإبر العلاجية لا تفطر، وأن الكحل وقطرات العين والأذن وبلع الريق لا تؤثر على صحة الصيام.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، كَانَ الْكَلَامُ فِي الدَّرْسِ الْمَاضِي عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَنَّ صَائِمًا فِي تَنَاوُلِهِ لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى أَحْوَالٍ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامِدًا مُتَعَمِّدًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَاهِيًا نَاسِيًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا مُكْرَهًا. وَذَكَرْنَا أَنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى قَدْ أَصْبَحَ مُخْطِرًا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ فَلَا حَرَجَ. وَأَنْبَعَ عَلَى مَسْأَلَةٍ كَذَلِكَ يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ مُتَعَلِّقَةً بِالنَّاسِ، قُلْنَا: مَنْ نَسِيَ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي حَالِ صَوْمِهِ فَلْيَتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ. لَكِنْ بَقِيَ لَوْ أَنَّ إنْسَانًا تَنَاوَلَ طَعَامًا وَشَرَابًا وَهُوَ نَاسٍ، قَامَ فِي الصَّبَاحِ ثُمَّ أَكَلَ شَيْئًا وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ جَاهِلًا مَا يَدْرِي أَنَّ النِّسْيَانَ عُذْرٌ، فَلَمَّا أَكَلَ وَشَرِبَ تَذَكَّرَ أَنَّهُ صَائِمٌ، قَالَ: «إِيشِ فَعَلْت؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، أَنَا مُفْطِرٌ». وَأَخَذَ يَأْكُلُ، أَصْبَحَ عِنْدَهُ هَذَا الْيَوْمُ مَاذَا مِنْ أَيَّامِ الْفِطْرِ؟ فَأَصْبَحَ يَأْكُلُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ حَالَ النِّسْيَانِ يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ. ثُمَّ نُبِّهَ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَلِمَ أَنَّ نِسْيَانَك عُذْرٌ مِنْ الْأَعْذَارِ الشَّرْعِيَّةِ، مَا حُكْمُهُ؟ مَا حُكْمُ الصَّوْمِ؟ وَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَفْطَرَهُ؟ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ، وَهَذَا تَرْجِيحُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مِنْ تَيْمِيَةَ، وَكَذَلِكَ التَّرْجِيحُ مِنْ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ وَلَمْ يَتَحَرَّ وَلَمْ يَجْتَهِدْ مِنْ رَأْسِهِ، فَهَذَا يُؤَاخَذُ عَلَى تَنَطُّعِهِ. فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ فِي حَالِ النِّسْيَانِ وَوَاصَلَ فِي فِطْرِهِ، فَهَذَا يُؤَاخَذُ عَلَى فِطْرِهِ، وَيَكُونُ قَدْ أَفْطَرَ، وَعَلَيْهِ قَضَاءٌ. كَذَلِكَ مَسْأَلَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ: مَا هِيَ الْمَنَافِذُ الَّتِي مِنْهَا يَنْفُذُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ إلَى الْجَوْفِ؟ لَا إشْكَالَ أَنَّ الْفَمَ هُوَ الْأَصْلُ، الْفَمُ هُوَ الْأَصْلُ فِي إدْخَالِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. بَقِيَ: هَلْ الْفَمُ هُوَ الْمَنْفَذُ الْوَاحِدُ لِإِدْخَالِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؟ أَمْ هُنَاكَ مَنَافِذُ؟ ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ هُنَاكَ مَنْفَذًا آخَرَ غَيْرَ الْفَمِ، أَلَا وَهُوَ الْأَنْفُ. الْأَنْفُ يُعْتَبَرُ مَنْفَذًا مِنْ الْمَنَافِذِ الْمُدْخِلَةِ وَالْمُفْضِيَةِ إلَى الْجَوْفِ. فَإِذَا وُجِدَ أَنَّ طَعَامًا أَوْ شَيْئًا أَوْ شَرَابًا أَوْ سَائِلًا دَخَلَ إلَى الْجَوْفِ عَنْ طَرِيقِ الْأَنْفِ، فَيَكُونُ الصَّائِمُ قَدْ أَفْطَرَ. وَالَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَنْفَ مَنْفَذٌ مِنْ الْمَنَافِذِ: مَا ثَبَتَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، الْمُتَوَضِّئُ الْأَصْلُ مِنْ السُّنَّةِ أَنَّهُ يُبَالِغُ إذَا اسْتَنْشَقَ وَأَخَذَ الْمَاءَ إلَى أَنْفِهِ، الْأَصْلُ أَنْ يُبَالِغَ، يَدْخُلُ الْمَاءُ إلَى أَصْلِ الْأَنْفِ. «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، حَذَّرَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الصَّائِمَ مِنْ أَنْ يُبَالِغَ، لَا يُبَالِغُ الصَّائِمُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ. لِمَاذَا؟ قَالَ عُلَمَاءُ: لِأَنَّهُ إنْ بَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ سَيَدْخُلُ الْمَاءُ إلَى أُصُولِ الْأَنْفِ، وَمِنْ ثُمَّ سَيَدْخُلُ إلَى الْجَوْفِ. فَاسْتَفَادَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْأَنْفَ مَنْفَذٌ مِنْ الْمَنَافِذِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الْجَوْفِ. وَهُنَا مِثَالٌ مُتَعَلِّقٌ بِهَذِهِ الْمَنَافِذِ الْأُولَى: يَنْبَغِي أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ جَائِزَانِ لِلصَّائِمِ، وَأَنَّهُمَا مِنْ السُّنَنِ فِي الْوُضُوءِ، بَلْ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ. الْمُتَوَضِّئُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَإِنَّهُ يَمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ، هَذَا الْأَصْلُ. وَبَعْضُ النَّاسِ رُبَّمَا يَتَوَرَّعُ يَتَوَرَّعُ عَنْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ خَشْيَةَ أَنْ يَخْدِشَ شَيْءٌ فِي صَوْمِهِ، هَذَا الْوَرَعُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ هَذَا تَنَطُّعٌ. الْمُسْلِمُ الْمُتَوَضِّئُ وَلَوْ كَانَ صَائِمًا يَتَوَضَّأُ، يَأْخُذُ مَاءً لِفَمِهِ يَمُجُّهُ، ثُمَّ مَاذَا؟ يُدِيرُهُ ثُمَّ يَمُجُّهُ. وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَنْشَقَ يَسْتَنْشِقُ دُونَ مُبَالَغَةٍ، ثُمَّ يَسْتَنْثِرُ، هَذَا الْأَصْلُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. أَمْ يَتَنَطَّعُ بَعْضُ النَّاسِ كَأَنَّهُ مَاذَا؟ يَغْسِلُ لِسَانَهُ أَوْ يَغْسِلُ مِنْ خُرْيِهِ، وَلِيَدْخُلَ مَاءٌ، هَذَا لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ. السُّنَّةُ أَنَّكَ تَتَوَضَّأُ وَتَسْتَنْشِقُ كَبَاقِي الْأَيَّامِ، اللَهُمَّ لَا تُبَالِغْ، لَا تُبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ. وَمِثْلُ ثَانٍ فِي الِاسْتِنْشَاقِ: مَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَالَغَ، حَذَّرَ وَأُخْبِرَ بِأَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْكَ لَا تُبَالِغُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، قَالَ: «أَنَا سَأُبَالِغُ». لِمَاذَا سَأُبَالِغُ؟ لِأَنَّ رَسُولَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنْ الْمُبَالَغَةِ. لِأَنَّ الْمُتَوَضِّئَ قَدْ لَا يَتَمَالَكُ نَفْسَهُ، لَكَأَنَّ عِنْدِي قُدْرَةً، سَأَمْلِكُ نَفْسِي، سَأَجْعَلُ الْمَاءَ إلَى مَنْخِرَيْهِ، ثُمَّ أُخْرِجُهُ وَلَا أَجْعَلُ مَاءً يَدْخُلُ إلَى جَوْفِي. فَإِذَا بِصَاحِبِنَا هَذَا الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْفِعْلَةَ بَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، فَدَخَلَ الْمَاءُ وَغَلَبَهُ الْمَاءُ فَدَخَلَ إلَى جَوْفِهِ، مَا حُكْمُهُ؟ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ قَدْ أَفَلْطَرَ. قَدْ يَقُولُ: «أَنَا مُخْطِئٌ». نَقُولُ: نَعَمْ، لَكِنَّ خَطَأَك أَنْتَ مُتَعَمِّدٌ، خَطَأَك مُتَعَمِّدٌ. فَرْقٌ بَيْنَ خَطَأٍ يَهْجُمُ عَلَيْك، خَطَأٍ يَهْجُمُ عَلَيْك، كَمَا مَثَّلْنَا فِي الدَّرْسِ الْأَمْسِ: هُنَاكَ أَشْيَاءُ يَقَعُ فِيهَا الصَّائِمُ خَطَأً عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ. لَكِنَّ أَنْتَ هُنَا أَدْخَلْتَ نَفْسَك فِي مَخَاطِرَ، أَنْتَ قَدْ حُذِّرْتَ أَنْ لَا تُبَالِغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَسَمِعْت بِذَلِكَ، لَكِنَّكَ تَحَدَّيْت وَتَعَدَّيْت عَلَى هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ قُلْت: «سَأُبَالِغُ وَأَتَمَالَكُ نَفْسِي». لَكِنَّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ أَنَّكَ لَمْ تَتَمَالَكْ، فَأَنْتَ الَّذِي جَعَلْت فِي نَفْسِكَ أَوْ جَعَلْت صَوْمَك عَلَى خَطَرٍ، فَتَحَمَّلْت التَّبِعَاتِ. وَبِهَذَا اسْتَفَادَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَ يُحَاوِلُ أَنَّهُ يُحَذِّرُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُؤَدِّي إلَى فِطْرِهِ، وَكَمْ مِنْ أَشْيَاءَ لَوْ رُبَّمَا هِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ الْفِطْرِ، فَلَا تَحْتَكْ بِهَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَحْتَكْ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي تُؤَدِّي إلَى فِطْرٍ، ابْتَعِدْ عَنْهَا، اجْعَلْ بَيْنَك وَبَيْنَ الْمُفْطِرَاتِ مَسَافَةَ بَاعٍ، أَوْ كَذَلِكَ مَسَافَاتٍ شَاسِعَةٍ حَتَّى لَا تَخْرِجَ فِي صَوْمِكَ. وَمِنْهُ الِاسْتِنْشَاقُ، فَالْمُسْلِمُ إذَا عَانَدَ وَدَخَلَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَكَابَرَ، فَإِنْ دَخَلَ فِي جَوْفِهِ مَاءٌ، فَإِنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْفِطْرِ. كَذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْمَنَافِذِ: عُلِمَ أَنَّ الْأَنْفَ مَنْفَذٌ، وَكَذَلِكَ الْفَمُ مَنْفَذٌ مِنْ مَنَافِذِ الْجَوْفِ. تَأْتِي هُنَا مَسْأَلَةٌ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ الْقَطَرَاتِ، مَسْأَلَةَ الْقَطَرَاتِ، وَهِيَ الَّتِي يَسْتَخْدِمُهَا الْإِنْسَانُ فِي الْعِلَاجِ وَالتَّدَاوِي. نَأْتِي الْأَوَّلُ إلَى قَطْرَةِ الْأَنْفِ، قَطْرَةِ الْأَنْفِ، وَيُسَمِّيهَا الْفُقَهَاءُ بِالصَّعُوطِ أَوْ الصَّعُوطِ بِالْفَتْحِ، أَوْ الصَّعُوطِ بِالضَّمِّ. وَمَعْنَى الصَّعُوطِ أَوْ الصَّعُوطِ: هُوَ الشَّيْءُ يُجْعَلُ فِي الْأَنْفِ، ثُمَّ يُسْحَبُ بِالنَّفَسِ إلَى الدَّاخِلِ مِنْ بَابِ الْعِلَاجِ وَالتَّدَاوِي، وَهَذِهِ الْأَيَّامَ يُسَمَّى بِالْقَطَرَاتِ الطِّبِّيةِ. الْقَطَرَاتُ الطِّبِّيَةُ: اسْتِخْدَامُ قَطَرَاتِ الْأَنْفِ فِي الْفَمِ أَوْ فِي الْأَنْفِ، عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا تُفْطِرُ؛ لِأَنَّ -كَمَا قُلْنَا- الْأَنْفَ يُعْتَبَرُ مَنْفَذًا، الْأَنْفُ يُعْتَبَرُ مَنْفَذًا. فَمَنْ اسْتَخْدَمَ قَطَرَاتِ الْأَنْفِ فِي أَثْنَاءِ صَوْمِهِ فَقَدْ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَخَاصَّةً إذَا أَحَسَّ بِدُخُولِ الدَّوَاءِ إلَى حَلْقِهِ. وَهَذَا قَدْ يَجِدُهُ الصَّائِمُ، بَلْ أَيْ وَاحِدٍ يَسْتَخْدِمُ قَطَرَاتِ الْأَنْفِ يَجِدُ مَاذَا؟ طَعْمَ الدَّوَاءِ يَطُوِي إلَى حَلْقِهِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ مَنْفَذُ الْجَوْفِ. فَإِنْ أَحَسَّ بِمُرُورِ الدَّوَاءِ إلَى حَلْقِهِ وَمِنْ ثُمَّ إلَى جَوْفِهِ، فَقَدْ فَسَدَ صَوْمُهُ. قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: «أَنَا أَحْتَاجُ أَنَا أَحْتَاجُ لِاسْتِخْدَامِ قَطَرَاتِ الْأَنْفِ». فَنَقُولُ لَهُ: أَنْتَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَصْبِرَ فَتَسْتَخْدِمَ الْقَطَرَاتِ فِي الْمَسَاءِ فَذَاكَ، وَإِنْ أَرَدْت أَنْ تَسْتَخْدِمَ فِي النَّهَارِ فَافْعَلْ، وَعَلَيْك الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّكَ مَرِيضٌ؛ لِأَنَّكَ مَرِيضٌ. فَالشَّخْصُ مَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَطَرَاتِ فِي النَّهَارِ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إلَّا لِحَالِ الْمَرَضِ. فَالَّذِي يَسْتَخْدِمُ قَطَرَاتِ الْأَنْفِ، وَبِخَاصَّةٍ يَجِدُ طَعْمَهَا فِي حَلْقِهِ، فَهَذَا قَدْ أَفْطَرَ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ. مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْقَطَرَاتِ، كَقَطْرَةِ الْأُذُنِ، وَقَطْرَةِ الْعَيْنِ، فَعَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُفْطِرَةً. وَأَتَرَجَّحُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: فَقَطْرَةُ الْأُذُنِ، رَجُلٌ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُقَطِّرَ أُذُنَهُ بِمَاذَا؟ بِقَطَرَاتٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ، يَفْعَلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ. وَأَتَرَجَّحُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَالشَّوْكَانِيُّ وَالصَّنْعَانِيُّ وَابْنُ عُثَيْمِينَ وَجَمَاعَةٌ. وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ: لَوْ احْتَاجَ رَجُلٌ اسْتِخْدَامَ قَطَرَاتِ الْعَيْنِ، فَاسْتَخْدَمَهَا وَهُوَ صَائِمٌ، إنْ شَاءَ اللَّهُ هَذَا لَا يَضُرُّهُ. لِمَاذَا؟ قَالَ الْعُلَمَاءُ: لِأَنَّ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ لَيْسَتَا مَنَافِذَ، وَإِنَّمَا هُمَا مَسَامٌّ، وَإِنَّمَا هُمَا مَسَامٌّ مِثْلُ مَاذَا؟ مِثْلُ الْجِلْدِ. الْجِلْدُ لَهُ مَسَامٌّ، الصَّائِمُ مَاذَا؟ يَدْهَنُ بِالدَّهْنِ، يَشْرَبُ عَنْ طَرِيقِ الْجِلْدِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُفْطِرُ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْجِلْدَ لَيْسَ مَنْفُذًا، وَإِنَّمَا مَسَامٌّ. وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْعَيْنِ: فَالْعَيْنُ لَيْسَتْ مَنْفُذًا، وَإِنَّمَا مَسَامٌّ، وَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ، وَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ. فَالصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ قَطَرَاتِ الْأُذُنِ وَقَطَرَاتِ الْعَيْنِ لَا تُؤَثِّرُ. وَمِنْ ثُمَّ تَأْتِي مَسْأَلَةٌ مُشَابِهَةٌ لِقَطْرَةِ الْعَيْنِ، وَهِيَ الْكُحْلُ، وَهِيَ الْكُحْلُ. فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِخْدَامِ الْكُحْلِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لِلصَّائِمِ أَوْ لِلصَّائِمَةِ. وَالصَّحِيحُ كَذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهُ كَحُكْمِ قَطَرَاتِ الْعَيْنِ، فَلَا بَأْسَ مِنْ أَنْ يَكْتَحِلَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ هَذَا يَجُوزُ، وَكَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ، يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مَاذَا؟ لَيْسَتْ مَنْفُذًا مِنْ مَنَافِذِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. فَإِنْ احْتَاجَ الصَّائِمُ إلَى اكْتِحَالٍ فَعَلَ، وَكَذَلِكَ مِنْ الْقَطَرَاتِ: الْقَطْرَةُ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الدُّبُرِ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَطْرَةً أَوْ مَا تُسَمَّى بِالْحُقْنَةِ الشَّرْجِيَّةِ، أَوْ مَا تُسَمَّى بِالتَّحَامِيلِ الَّتِي تُوضَعُ فِي الدُّبُرِ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ هَذِهِ كَذَلِكَ تُؤَثِّرُ فِي الصَّائِمِ أَوْ لَا تُؤَثِّرُ؟ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ. فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهَا تُفْطِرُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إلَى أَنَّ مَا يُوضَعُ فِي الدُّبُرِ، وَكَذَلِكَ فِي قُبُلِ الْمَرْأَةِ، هَذَا لَيْسَ مُفْطِرًا. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْفُذًا مِنْ مَنَافِذِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَقَالُوا أَيْضًا: إنَّ الَّذِي يُوضَعُ فِي الدُّبُرِ لَا يُسَمَّى طَعَامًا وَلَا شَرَابًا، لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا. الَّذِي يُوضَعُ فِي الدُّبُرِ كَحُقْنَةٍ أَوْ التَّحَامِيلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالْقَطَرَاتِ، قَالُوا: لَا تُسَمَّى فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الْعُرْفِ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا. وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بْنُ تَيْمِيَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وَلِشَيْخِ الْإِسْلَامِ كَلَامٌ نَفِيسٌ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَنَبَّهَ عَلَيْهَا -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وَذَكَرَ أَوْجُهًا كَثِيرَةً مَا يُقَارِبُ خَمْسَةَ أَوْجُهٍ فِي ذِكْرِ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَطَرَاتِ وَمَا يُوضَعُ فِي الْإِحْلِيلِ -أَيْ فِي الذَّكَرِ-، وَيُوضَعُ كَذَلِكَ فِي الدُّبُرِ، وَمَسْأَلَةِ الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ، وَكَذَلِكَ الْكُحْلِ وَغَيْرِهَا الْأَشْيَاءِ. قَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي لَمْ يَأْتِ بِهَا النَّصُّ أَنَّهَا تُفْطِرُ، فَالْأَصْلُ أَنَّهَا لَا تُفْطِرُ، مَا نُفْطِرُ إلَّا مَا جَاءَ بِهِ الدَّلِيلُ. وَمِمَّا يَلْحَقُ كَذَلِكَ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- فِي مَسَائِلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ: مَسْأَلَةُ الْإِبَرِ، مَسْأَلَةُ الْإِبَرِ، وَهَذَا يَكْثُرُ الْحَدِيثُ عَنْهَا. مَا حُكْمُ الْإِبْرَةِ لِلصَّائِمِ؟ الْإِبَرُ لِلصَّائِمِ عَلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ: هُنَاكَ إِبْرٌ تُسَمَّى بِالْإِبَرِ الْمُغَذِّيَةِ، وَضَابِطُ الْإِبَرِ الْمُغَذِّيَةِ: هِيَ الَّتِي يُسْتَغْنَى عَنْهَا عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، أَوْ تَحِلُّ مَحَلَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. إِبْرٌ تُغَذِّي الْجِسْمَ، وَهَذَا مَوْجُودٌ، بَعْضُ الْإِبَرِ، وَهَذَا يُقَالُ فِي الْمُغَذِّيَاتِ. يَبْقَى مَرِيضٌ وَعَلَيْهِ مُغَذِّيَةٌ، لَا يَتَنَاوَلُ طَعَامًا قَطُّ، أَيْنَ طَعَامُهُ؟ فِي الْمُغَذِّيَةِ، هَذِهِ الْمُغَذِّيَةُ تُغَذِّيهِ، تَحِلُّ مَحَلَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فِيهَا السُّكَّرِيَّاتِ، وَفِيهَا كَذَلِكَ الْمَوَادُّ الَّتِي يَحْتَاجُهَا الْجِسْمُ، فَالْجِسْمُ يَتَغَذَّى عَلَى هَذِهِ الْمُغَذِّيَاتِ. فَمَا كَانَتْ الْإِبْرَةُ مِنْ نَوْعِ الْمُغَذِّيَةِ، فَهَذَا يُفْطِرُ، فَهَذَا يُفْطِرُ. فَإِنْ احْتَاجَ مَثَلًا الصَّائِمُ إلَى مُغَذِّيَةٍ أَوْ إِبْرٍ مُغَذِّيَةٍ، إنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ فَعَلَ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ. نَوْعٌ ثَانٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِبَرِ: مَا تُسَمَّى بِإِبَرِ الدَّمِ، إِبَرِ الدَّمِ. فَهَذَا قَدْ يَفْعَلُهَا الصَّائِمُ، قَدْ تَكُونُ إِبْرًا، وَقَدْ تَكُونُ كَذَلِكَ مُغَذِّيَةً، يُقَرِّبُ الدَّمَ، يَدْخُلُ إلَى الصَّائِمِ، هَذِهِ تُفْطِرُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ إذَا دَخَلَ إلَى الْجَوْفِ؟ عِبَارَةٌ عَنْ تَكْوِينٍ يَتَكَوَّنُ إلَى دَمٍ، فَبِنْيَةُ الْإِنْسَانِ تَقُومُ عَلَى الدَّمِ. فَمَا بَالُكَ إذَا كَانَ الدَّمُ يَدْخُلُ مُبَاشَرَةً، يَدْخُلُ مُبَاشَرَةً لِجِسْمِكَ؟ فَهَذَا يُغَذِّي، فَهَذَا يُغَذِّي الْجِسْمَ. فَالْإِبَرُ إذَا كَانَتْ مِنْ إِبَرِ الدَّمِ، فَإِنَّهَا تُفْطِرُ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْإِبَرِ: إذَا كَانَتْ إِبْرًا لَيْسَتْ مُغَذِّيَةً، وَإِنَّمَا إِبْرًا عِلَاجِيَّةً. وَيُمَثِّلُ الْعُلَمَاءُ كَمَثَلِ ذَلِكَ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيْخِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، مَثَّلَ بِالْبِنِسْلِينِ، إِبْرِ بِنِسْلِينِ، هَذِهِ الْبِنِسْلِينُ لَيْسَتْ غِذَاءً، وَإِنَّمَا عِلَاجٌ لِرَفْعِ حُمَّى وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إِبَرِ التَّطْعِيمِ، إِبَرِ التَّطْعِيمِ، هِيَ لَيْسَتْ مُغَذِّيَةً، وَإِنَّمَا حِمَايَةٌ. فَالْإِبَرُ الْعِلَاجِيَةُ هَذِهِ مَا حُكْمُهَا؟ قَالُوا: إنَّهَا لَا تُفْطِرُ، إنَّهَا لَا تُفْطِرُ. فَعِنْدَنَا إِبْرٌ عَلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ: فَمَا كَانَ مِنْ إِبْرٍ مُغَذِّيَةٍ تُفْطِرُ، إِبْرُ الدَّمِ تُفْطِرُ، الْإِبَرُ الْعِلَاجِيَةُ كَالْبِنِسْلِينِ وَإِبَرِ التَّطْعِيمِ وَنَحْوِ مِنْ الْإِبَرِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا الْجِسْمُ لِلْحِمَايَةِ وَالْعِلَاجِ فَقَطْ، فَهَذِهِ لَا تُفْطِرُ. وَإِنْ اسْتَطَاعَ مُسْلِمٌ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إلَى الْمَسَاءِ فَذَاكَ، إنْ اسْتَطَاعَ مُسْلِمٌ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إلَى الْمَسَاءِ فَذَاكَ، حَتَّى يَعْتَدَّ عَنْ ذَاكَ، وَإِلَّا الْأَصْلُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ السَّلَامَةِ. كَذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّيقِ، مَسْأَلَةُ الرِّيقِ. أَوَّلًا قَالَ عُلَمَاءُ: بَلْعُ الرِّيقِ لَا يُؤَثِّرُ عَلَى الصَّائِمِ بِالْإِجْمَاعِ، كَمَا ذَكَرَ ذ