الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 125، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يذكر الشيخ ابن عثيمين ثلاث حالات لطاعة العلماء أو الأمراء في تحريم الحلال أو تحليل الحرام: الأولى كفر أكبر عند الرضا بحكمهم والسخط على حكم الله أو مساواته بحكم الله، والثانية كفر أصغر عند اتباعهم لهوى دنيوي مع العلم بمخالفة حكم الله، والثالثة اتباعهم جهلاً وتفصيل الحكم بين المفرط والمعذور، وأضيفت حالة رابعة وهي الإكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان.
يذكر المقطع أربع حالات لحكم طاعة العلماء أو الأمراء في معصية الله تتراوح بين الكفر الأكبر والأصغر والإثم والعذر للمقلد غير المفرط، مستشهداً بموقف الإمام أحمد من القول بخلق القرآن. ثم يناقش أثر ابن عباس في نهي أبي بكر وعمر عن متعة الحج، مبيناً أن النهي كان لمصلحة شرعية وهي منع هجر البيت الحرام، لا لمخالفة السنة، وأن اللفظ الصحيح للأثر هو "أراهم سيهلكون" دون ذكر الحجارة.
يبرز المقطع موقف ابن عباس في تقديم قول النبي صلى الله عليه وسلم على قول أبي بكر وعمر، وينقل أقوال الأئمة الناهية عن التقليد الأعمى. يوضح الفرق بين طاعة العالم في بيان الشرع بالدليل - وهي واجبة - وطاعته في مخالفة النص - وهي محرمة. ويذكر تأويل العلماء لنهي الشيخين بأنه اجتهاد للمصلحة لا مخالفة للنص.
أعلن المحاضر عن انتهاء وقت الدرس الحالي، مشيراً إلى أن ما تبقى سيتم استكماله في درس قادم إن شاء الله، وختم بقوله: والله تعالى أعلم، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى عند باب "من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أرباباً من دون الله" حالات طاعة العلماء والأمراء في معصية الله تعالى، فذكر هنا ثلاث حالات، وأضاف بعضهم رابعة. الحالة الأولى: كفر أكبر. يطيع العلماء والأمراء، وطاعته هذه تكون كفراً أكبر. متى هذا؟ قال: أن يتابعهم راضياً بقولهم، مقدماً له، ساخطاً لحكم الله. فكل من كره ما أنزل الله كفر. وكذلك لو اعتقد أن حكمهم مساوٍ لحكم الله وأفضل منه. بهذه القيود أو بأحدها يكفر من يطيع العلماء والأمراء: أن يتابعهم ويأخذ بقولهم راضياً بقولهم، مقدماً له، ساخطاً لحكم الله، لقول الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، أو اعتقد أن حكمهم -حكم العلماء أو الأمراء- مساوٍ لحكم الله، لا فرق بين حكمهم وحكم الله، أو أن حكمهم أفضل من حكم الله. هذه الحالة يكفر بها صاحبها. الحالة الثانية: كفر أصغر، وصاحبه على خطر عظيم، يوشك أن يقع في الكفر الأكبر. وهذه الحالة: أن يتابعهم راضياً بحكم الله، عالماً بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد، لكن لماذا تابعهم؟ لماذا ترك حكم الله وأخذ بحكمهم؟ لهواً في نفسه، اختاره، كأن يريد وظيفة. وإذا اقتطع به حق مسلم يكون ظالماً، فيجمع بين الكفر الأصغر والظلم. فهو راضٍ بحكم الله، ويعلم أن هذا الحكم مخالف لحكم الله، لكن لهواً في نفسه لرغبة دنيوية: لوظيفة، لرشوة، أو منصب، أو مال، أو نحو ذلك. فهذا لا يكون كافراً كفر أكبر، وإنما هو كفر دون كفر، كفر أصغر، وصاحبه على خطر عظيم. أما الحالة الثالثة: ففيها تفصيل. بأن يتابعهم جاهلاً، ويظن أنه حكم الله، عنده جهل، فهو يقلد هذا العالم أو ذاك الأمير. فهذا فيه تفصيل في الحكم على صاحبه: فإذا كان يمكنه معرفة الحق بنفسه فهو مفرط أو مقصر، فهو آثم. كأن يكون طالب علم أو عالم يستطيع أن يحقق المسألة أو أن يعرف أقوال الناس فيها، لكنه فرط وقصر. فهذا لا شك أنه آثم لمتابعته لذاك العالم جهلاً. والتفصيل الثاني: أن لا يكون عالماً ولا يمكنه التعلم. إنسان جاهلي، يقول لك: "أنا ما أستطيع أميز بين أقوال العلماء، خلاص، أنا سأتبع هذا العالم، أثق فيه وفي علمه وفي تجرده للحق ونحو ذلك، فأنا أتابعه". فيتابعهم تقليداً ويظن أن هذا هو الحق. فهذا لا شيء عليه، وهو معذور. وذكروا حالة رابعة: وهي أن يتبع العالم أو الأمير مكرهاً، مكرهاً. فهذا لا شيء عليه، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. قيل له: إما أن تأخذ بهذه المسألة، والله قطعنا رقبتك، أو ضربناك ضرباً مبرحاً. فهنا له رخصة. وإن صبر، وقد يتعين صبره إن كان يقتدى به، ويخشى من استجابته للباطل أن يضل كثير من الناس. وهنا يجب عليه الصبر، كما فعل الإمام أحمد، فإنه لم يستجب لأهل الأهواء في القول بخلق القرآن. فهذه المسألة أيضاً يذكرها بعض العلماء. إذن هذه أربع حالات: قد يكون كفر أكبر، قد يكون كفر أصغر، قد يكون صاحبه عاصياً آثماً، وقد يكون صاحبه ليس عليه شيء، كَمُقلد كما مر معنا، ولم يكن مفرطاً، ولم يستطع الوصول إلى الحق باجتهاده أو باطلاعه أو بنفسه أو نحو ذلك. هذا هو تفصيل أهل العلم في حالات طاعة العلماء أو الأمراء في معصية الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر بعض الأدلة تحت هذا الباب، ومنها: قال، وقال، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر". وهذا الأثر بهذا اللفظ ضعفه جماعة من أهل العلم، ومنهم شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى. ولكن شيخنا يصححه بلفظ آخر، وهو قوله: أي قول ابن عباس بنفس هذه الحادثة: "أراهم سيهلكون، أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم، وتقولون: نهى أبو بكر وعمر". رواه الإمام أحمد في سند صحيح على شرط الشيخين، على شرط الشيخين. فهذا هو اللفظ الصحيح: "أراهم سيهلكون". أما "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء" فهذا الأثر بهذا اللفظ لا يصح، والله تعالى أعلم. ووجه الشاهد من هذا الأثر ظاهرة. وابن عباس قال ذلك لما رأى جواز المتعة في الحج، أن يجمع الحاج في أشهر الحج بين العمرة والحج، يأتي أولاً بعمرة ثم يتحلل منها، وينتظر إلى وقت الحج فيهل بالحج. فكان عمر -أبو بكر وعمر- ينهيان الناس عن ذلك، لا يأمرونهم بالتمتع، وينهونهم عن ذلك. وذكر أهل العلم أن أبا بكر وعمر إنما فعلا ذلك لمصلحة، وليس لقصد مخالفة سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه المصلحة هي أن الناس في ذاك الزمان، يعني المسلمين في ذاك الزمان، هجروا البيت، بمعنى أن أحدهم لا يأتي إلى البيت، إلى البيت الحرام، إلا في الحج فقط، فيؤدي العمرة ثم يتحلل منها ثم يؤدي الحج، فلا يعتمر أحد في غير أشهر الحج، اكتفاء بالتمتع بعمرة التمتع. فهجر البيت، يعني لم يأت إليه إلا أناس قليلون، وربما من أهل مكة فقط. فرأى أبو بكر وعمر مصلحة في ذلك، حيث أن الناس إذا علموا أنه في حجه هذا لا يستطيع إلا أن يأتي بحج فقط، أتى بعمرة في غير أشهر الحج، فاعتمر البيت. هكذا تأول أهل العلم، وخرج نهي أبي بكر وعمر عن التمتع بهذا السبب، وليس لقصد مخالفة السنة. وإلا فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد رخص للصحابة بالتمتع، بل أمر من لم يسق الهدي ممن حج معه أن يأتي بعمرة ويتحلل منها، أن يتمتع. فلذلك ابن عباس كان يأمر الناس بالتمتع لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فعارضه بعض الناس، وقالوا له: كان أبو بكر وعمر ينهيان عما تأمر به. فقال: تأخذون بقول أبي بكر وعمر وتتركون قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أمر بهذا؟ فقال: "أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم، وتقولون: نهى أبو بكر وعمر". يقول الشيخ سليمان آل الشيخ في "تيسير العزيز الحميد": "فإن كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه، لمن عارضه بأبي بكر وعمر، وهما هما، أي في المنزلة وفي الأفضلية، وهما هما، فما تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول صلى الله عليه وسلم بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟ الآن بعض الناس تقول له: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول لك: لكن الإمام الشافعي يقول كذا. سبحان الله! يقول النبي صلى الله عليه وسلم كذا، يقول لك: لكن الشيخ فلان يقول كذا وكذا. كذا وكذا. والإمام الشافعي هو الذي يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وهكذا غيرهم من الأئمة ينهون الأتباع عن تقليدهم، التقليد الأعمى. يقول الإمام أحمد: لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا. ويقول الإمام مالك: كل يؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب هذا القبر، إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأقوال الأئمة في النهي عن التقليد متكاثرة مستفيضة. فإذا كان ابن عباس ينهى عن الأخذ بقول أبي بكر وعمر إذا خالف قول النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف بمن هو دون أبي بكر وعمر؟ هو أولى بترك قوله إذا خالف هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم". وهنا فائدة أخرى: قوله "من أطاع العلماء والأمراء"، هذا الباب في طاعة العالم والأمير في مخالفة أمر الله عز وجل، إذا كان قوله يخالف أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. أما طاعته في تبيين شرع الله فليس من هذا الباب، لأن العالم هو الذي يدل الأمة على الكتاب والسنة وعلى الأحكام الشرعية. فإذا بيّن العالم بالدليل شرع الله، فيجب الأخذ به. فليس هذا من باب أن ننهى عن التقليد، بل واجب على الجاهل أن يطيع العالم الذي يثق بدينه وعلمه، والذي يدلل على كلامه بالبينات والهدى، كما قال الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، بالبينات والزبر. هكذا الآية: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾. نعم. فإذا العالم إذا معه بيّنة ودليل، فهو ليس من هذا الباب، وإنما المراد كما ذكر: في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه. أما إذا أمر العالم بتحريم ما حرم الله، أو بتحليل ما أحل الله، وهنا يجب على المسلم أن يأخذ بقول هذا العالم. قال الشيخ العثيمين عند هذا الأثر: "قال أبو بكر وعمر، لم يعرف عن أبي بكر وعمر أنهما خالفا نصاً برأيهما". كما ذكرنا، تأول العلماء لنهي أبي بكر وعمر للتمتع بالمصلحة، فهي ليست مخالفة للنص، وإنما هو اجتهاد لوجود مصلحة في ذلك. هكذا تأول العلماء للشيخين أبي بكر وعمر. وانتهى الوقت، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر