التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 136

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 136

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 136، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تقسيم المصالح الشرعية إلى ثلاث مراتب

يشرح الشيخ تقسيم المصالح الشرعية إلى ثلاث مراتب: العمل الصالح المشروع، والعمل المختلط بالبدع، والعمل الفاسد المحض. ويضرب أمثلة على المرتبة الثانية كالوصال في الصيام وترك الشهوات المنهي عنها، مبيناً مصدرها في الفلسفة اليونانية والتصوف المنحرف.

انحرافات الزهد والتصوف عن هدي السلف

يتناول المقطع انحراف بعض المتزهدين والصوفية بترك الزواج والتقشف المفرط واختراع عبادات مخصصة، مخالفين منهج السلف الذين لم يعرفوا هذه الظواهر. وينتقد من ينكرون البدع بألسنتهم مع تقصيرهم في الواجبات، فيصبحون لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً إلا ما وافق أهواءهم.

النوع الثالث من الأعياد الزمنية وأحكام تعظيمها

يقسم الشيخ الأعياد الزمنية إلى ثلاثة أنواع، مركزاً على الأيام التي عظمتها كيوم عاشوراء وعرفة والعشر الأواخر من رمضان. ويبين أن التعظيم المشروع يكون بالعبادة لا بالبدع، فالحزن المبتدع في عاشوراء والاحتفال المبتدع كلاهما منكر، والصواب الاسترجاع المشروع عند المصائب.

بدع الشيعة والنواصب في يوم عاشوراء والرد عليهما

يبيّن المقطع أن الشيعة أحدثوا بدع الحزن والنوح ولعن الصحابة في عاشوراء، بينما قابلتهم النواصب بالفرح والتوسعة ووضع الأحاديث المكذوبة، وكلاهما ضلال عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي سن صيامه فقط. ويؤكد أن البدع تبدأ صغيرة ثم تتفاقم، والصواب اتباع السنة دون غلو ولا جفاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نكمل القراءة في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم". وقد بيّن الشيخ رحمه الله بعض القواعد التي ينبغي للمسلم أن يعرفها في البدع، وأيضا أراد أن يبين أن العبد ينبغي أن يفرق بين المصالح الشرعية والمفاسد، وهذا يرجع إلى معرفة مراتب المعروف ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند الازدحام. فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل، أن هذا المحك والفقه في دين الله عز وجل أن المسلم يميز المصلحة الشرعية وتزاحمها فيقدم أهمها، ويعرف المفاسد فيقدم أقلها مفسدة. قال: "فأما مراتب المعروف والمنكر، ومراتب الدليل بحيث يقدم عند التزاحم: أعرف المعروفين، وينكر أنكر المنكرين، ويرجح أقوى الدليلين، فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين". أن هذا اختص به العلماء، فهم أعرف الناس بالمصالح والمفاسد، وأعرف الناس بمراتب المصالح والمفاسد: ما هي المرتبة التي تقدم، وما هي المرتبة التي تؤخر، وكذلك الترجيح بين الأدلة. قال: "فالمراتب ثلاث: إحداها العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه". المراتب المصالح ثلاث، معنى مراتب المعروف: أولا: العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه. والثاني: العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها، إما لحسن القصد أو الاجتهاد مع ذلك على أنواع من المشروع. معناه: أنه عمل صالح من بعض الوجوه، وبعضها فيه مفاسد، إما لحسن القصد أو الاجتهاد مع ذلك على أنواع من المشروع. والثالث: ما ليس فيه صلاح أصلا، إما لكونه تركا للعمل الصالح مطلقا، أو لكونه عملا فاسدا محضا. فهذه المراتب الثلاث: المرتبة الأولى: العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه، جاء دليله من الكتاب والسنة، فليس فيه كراهة العمل. والمرتبة الثانية: عمل صالح لكن من بعض وجوهه، ويختلط بأشياء غير مشروعة، وهذا يختلف باختلاف الوجوه التي تدخل على هذا العمل أو على هذه الشرعية، فقد يكون أمرها أعظم، قد يكون كفرا بالله، قد يكون كذبا، كما سيبينه الشيخ. والمرتبة الثالثة: ما ليس فيه صلاح أصلا، ليس فيه شيء من العمل الصالح أبدا، ففيه مفسدة محضة. قال: "فأما الأولى، أي العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه، فهو سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، باطنها وظاهرها، وقولها وعملها، في الأمور العلمية والعملية مطلقا". العلمية: يدخل فيها الاعتقادية، وأيضا ما يكون من الآداب وغيره. والعملية: غالبا يطلقونها على المسائل الفقهية. قال: "فهذا هو الذي يجب تعلمه وتعليمه، والأمر به وفعله على حسب مقتضى الشريعة من إيجاب واستحباب، والغالب على هذا الضرب هو أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، ما يخلطون في أعمالهم أشياء أخرى، وإنما التخليط جاء بعد ذلك، فخلطوا أشياء ليست من دين الله عز وجل، أدخلوها في الدين، جاءت هذه الكتب، كتب اليونان، وترجمت، وجعلوها كالدين، بل كأنها دين، بل كأنها كتاب معظّم، حتى أن بعضهم من المتأخرين ممن تأثر بالفلاسفة يقدم كلام أرسطو وطاليس على كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيزعم العقل والفطرة أن كلام أرسطو وطاليس ومن تبعه، ويجعل الكتاب والسنة تبعا لهما، فما وافق الكتاب والسنة من هذه ما جاء عن هؤلاء يعتبرونه صحيحا، وما خالفه فمعنى ذلك أنه خالف العقل، وهذا غلو وباطل. وقد اغتر به كثير من أهل الكلام ومن الفلاسفة، حتى أن كثيرا ممن تأثر بعلم الكلام من العلماء ظن أن هذا الأمر صحيحا، أن الأشاعرة فيهم، وناس من علماء الفقه وعلماء الدين من المفسرين، ومن أيضا الفقهاء الكبار، لكن تأثروا بهذا العلم، علم الكلام، وتجد أنهم يجعلون الأصل هو كلام هؤلاء، وكأنه منزل من عند الله. ولهذا ألف الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابه "نقض المنطق"، ونقض عليهم أشياء كثيرة، بيّن أنها مخالفة لشرع الله، ومخالفة حتى للعقل. هم يقولون أن هذا العقل يوافقه ما كان في هذه الحكم كما يسمونها، فإنه يعتبر هو العقل وهو الحكمة، حتى يسمونها "الحكمة"، الحكمة يعني: حكم أرسطو، وطاليس، وحكم سقراط، وحكم كذا. حتى بعضهم أنهم كانوا مجانين، مثل فيثاغورس وغيره، وأيضا بعض هؤلاء السفسطائيين من فرقة السفسطائيين من اليونانيين، هؤلاء أناس مجانين، وجاءوا بأشياء ظنها حقائق، ظنها حقائق على نظريات جاءتهم في الخيال، وظنوا أنها شيء، حتى أنهم جعلوا كل شيء في هذا الكون خيالا، حتى يقولون مثلا: إذا كان الرجل مثلا أخذ كرة فرمى بها، رمى بهذه الكرة ثم سقطت هذه الكرة، فرآها تسقط، متى رآها تسقط؟ يقولون: رآها أمس، مهلا، الآن لما يراها لا، رآها قد رآها من قبل أنها سقطت، هذا خيال سقوطها، هذا خيال، وجعلوا كل شيء في الكون هذا خيال، معناه: أن هذه الأشياء قد رآها الإنسان من قبل، قبل أن يخلق، حتى رأى هذه الأشياء، ثم بعد ذلك تخيلت له هذه الأشياء. ومن هذا الباب أخذ بعض أهل التصوف هذا المذهب، وهم أهل المعاني الذين يسمونهم أصحاب وحدة الوجود، فقالوا: أن كل شيء في الكون هذا خيال، أصل كل شيء هو الله، كل شيء في الكون هو الله، وإنما هذه خيالات الناس، هؤلاء الذين يمشون والحيوانات وكذا، هذا كل خيال، ليس حقيقة. وهذا كله باطل. وقال: "وعمّ المرتبة الثانية فهي كثيرة جدا في طرق المتأخرين من المنتسبين إلى علم أو عبادة، ومن العامة أيضا، فهؤلاء خير من من لا يعمل عملا صالحا مشروعا ولا غير مشروع، أو من يكون عمله من جنس المحرم كالكفر والكذب والخيانة والجهل، ويندرج في هذا أنواع كثيرة، كأنهم خلطوا بين المشروع وغير المشروع، خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. قال: "فمن تعبد ببعض هذه العبادات المخلطة على نوع من الكراهة، كالوصال في الصيام، وترك جنس الشهوات، هذه الأشياء لم تكن في الإسلام، لما أراد بعض الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعلوا مثل هذا، نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم. فجاء ثلاثة إلى بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنه يصوم ويفطر، ويقوم وينام، يصلي وينام، ويتزوج النساء، وأيضا يأكل اللحم. قالوا: هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما نحن فنحتاج أن نعمل أكثر، كأنهم يقولون: هذا رسول الله قد غفر له، ما الداعي أنه يعمل، لكن نحن نعمل أكثر. فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، سيصوم الدهر. وقال الآخر: أما أنا فأصلي، أو فأقوم ولا أنام. وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء. وهذا الذي يريد الشيخ: وترك جنس الشهوات، معناه: كأنه حصورا، مثل رهبان النصارى، ما يتزوجون ولا يقربون الشهوات، يظنون أن هذا قدسية. ولهذا في القصة التي ذكروها عن أبي بكر الباقلاني، أنه لما دخل على بعض ملوك النصارى، فقال لبعض القسيسين: كيف حالك وكيف أولادك؟ فغضب الملك، قال: كيف تقول: كيف أولادك؟ هؤلاء ما يتزوجون. قال: سبحان الله، جعلتم الله عز وجل يتزوج وله ولد، وتنزهون هؤلاء عن الولد، تنزهون هؤلاء المخلوقين تنزههم عن الولد، ولم تنزهوا الله عز وجل. فمن ثم بعد ذلك أخذت هذه الأمور بعض أهلها من هذه الأمة، فتركوا الزواج، بل أنهم يذمون من يتزوج، ويجعلونهم من أهل الشهوات، وهذا ممن غلا في التصوف، أو غلا في الزهد. وجد طائفة في البصرة، وكذلك ظهرت بعد ذلك في أماكن كثيرة، غلا في الزهد، حتى أنهم امتنعوا عن أشياء يظنونها أنها تخدش في العبادة، أو تؤخرهم عن العبادة، أو تشغلهم عن العبادة، فصاروا مثل النصارى. فتجد الواحد منهم يجلس في مكان في مسجد مثلا، ولا يخرج من المسجد، يصلي دائما، أو يكون له مكان في بيته، فينشغل بالعبادة والطاعة، ولا يلتفت إلى الناس، بل حتى لا يلتفت إلى أولاده، فيظن أن هذا هو الدين، وقد يضيع أولاده، قد يضيع زوجته، لا يلتفت إليها، إن كان تزوج، وبعضهم لا يتزوج، سواء كان رجالا أم نساء. حتى أن رجلا من أهل التصوف يقال له: عبدالواحد بن زيد، كان يعرف امرأة من المتزهدات، فطلبها من أهلها يريد يتزوجها، فرفضت، رفضت أن تتزوج، فحاول أن يرسل لها من يكلمها، فرفضت، ثم أنه جاءها بنفسه، معناه: عرف مكان عبادتها، فجاءها وكلمها، معناه: من وراء حجاب، فكلمها على أنه يريد أن يتزوجها، فقالت له: أنت فاضل، معناه: أنت فارغ، ما عندك شغل، فقالت له: اذهب إلى شهوانية مثلك، معناه: هي ليست من أهل الشهوة، فقالت له: اذهب إلى شهوانية مثلك. فهذا ظنهم، وهذا جهل. فيتركون الزواج، مع أن الأنبياء تزوجوا. وهذه الحالات لم توجد عند السلف، لهذا الشيخ هنا رحمه الله لما ذكر المرتبة الأولى، قال: هذه ما كانت، هذا دأب أهل السلف، ما عندهم شيء يخلط عليهم، ما عندهم شيء يخلط عليهم من هذه الأشياء التي أدخلت عليهم، مثل هذا، كما قلنا: ترك الزواج، وترك الشهوات. فهذا معناه: هناك من الصحابة من أراد هذا، لكن لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم ترك. يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: قال: إن النبي استأذن عثمان بن مظعون، النبي صلى الله عليه وسلم في الاختصاء، فنهاه عن ذلك، قال: ولو أذن له لاختصينا. يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: قال: لو أذن النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن مظعون بالاختصاء، لاختصينا. والاختصاء هو: رد الخصية حتى تذهب الشهوة. فقالوا: لو رخص النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان، لاختصينا. لكن لما كان منهي عنه، فما كانوا يقربون، بل كانوا يتزوجون، كان الصحابة يتزوجون، ولم يؤثر عن أحد من الصحابة أنه ترك الزواج لأجل العبادة، مع أنهم كانوا من أعبد الناس، بل كانوا يتزوجون، الواحد منهم يتزوج أكثر من واحد، ليس واحدة، وعندهم إماء، لكنهم كانوا أهل عبادة وطاعة، جمعوا بين هذا وهذا، مثل طريقة الأنبياء. ولهذا يقول الذهبي رحمه الله: لا أعرف أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يعدد، يقول: لا أعرف أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما عدد في الزواج، ليس أنه لم يتزوج، بل لم يعدد. فلهذا كانوا على سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أقصد في الزواج، ولم يتركوا الزواج. ثم حدثت هذه بعد القرون المفضلة، حدثت هذه البدع، وترك الزواج بعد القرون المفضلة التي هي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضا كذلك حصلت بعض الأشياء من صعق، أو يصعق الإنسان ويصيح عند قراءة القرآن، أو عند المواعظ، أو يبكي بكاء شديدا حتى يغشى عليه، أو غيرها، هذه أيضا حصلت، لم تكن في سلف الأمة، وخاصة في الصحابة، ولا في التابعين، وإنما حصلت بعد ذلك في أتباع التابعين، حصلت في أتباع التابعين، ولم تكن موجودة في الصدر الأول، ولا في عهد التابعين، ثم انتشرت بعد ذلك في الناس، حتى أن بعض أهل الحديث تأثر بهذا، معناه: لم يكن يريد مثل هذا، لكن غلب عليه، إذا قرأ عليه القرآن غشي عليه، لكن ما وجد أن هناك من يصيح، لكن وجد من الصوفية، أو من أهل التزهد، أنه إذا قرأ عليه القرآن يصيح، وهذا من الشيطان، لكن وجد من أهل الحديث من إذا قرأ عليه القرآن غشي عليه، غشي عليه، وهذا يحصل عند بعض الصحابة أحيانا، يحصل عند بعض الصحابة أحيانا، لكن أن تكون طريقة دائمة، فلم تكن عند الصحابة رضي الله عنهم. قال رحمه الله: "كالوصال في الصيام، وترك جنس الشهوات، ونحو ذلك، أو قصد إحياء ليالي لا خصوص لها، كأول ليلة من رجب، ونحو ذلك". كأن يكون حاله خيرا من حال البطال الذي ليس فيه حرص على عبادة الله وطاعته، بل كثير من هؤلاء الذين ينكرون هذه الأشياء، زاهدون في جنس عبادة الله، من العلم النافع والعمل الصالح. يعني يقول: هذا أفضل، لكن يدخل نفسه في أشياء لا علم له فيها، خاصة هذا الذي يتزاهد، أو أنها غير مشروعة، فيخصص ليلة من الليالي يعبد الله فيها، مثلا في أول ليلة من رجب، أو في نصف شعبان، أو كذلك في ليالي، أو يحيي ليالي العيدين، أو غيرها من هذه التخصيصات التي لم يأتي بها شرع، فيخلط بين المشروع وغير المشروع. لكن يقول: قد يكون حاله خيرا من حال البطال. البطال: معناه الذي يترك عبادة الله عز وجل، الكسول في عبادة الله جل وعلا. قال: طالب الكثير من هؤلاء، أي من هؤلاء، من البطالين الذين أنكرون هذه الأشياء، زاهدون في جنس عبادة الله، من العلم النافع والعمل الصالح، أو في أحدهما، لا يحبونها ولا يرغبون فيها، لكن لا يمكنهم في ذلك في المشروع، فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء، فهم بأحوالهم منكرون للمشروع وغير المشروع، وبأقوالهم لا يمكنهم إلا إنكار هذا المشروع. يعني: أنهم ينكرون بأقوالهم، وإلا فأفعالهم أيضا تدل على إنكار هذا، يعني: أنهم ينكرون حتى على من في عباداته بدأ. قالوا: مع هذا، معناه: أنهم ما عندهم ميزان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما صار قلبهم مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فصار لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه. معناه: الذي في عقله هو الصح عنده، فينكر على هؤلاء، هؤلاء، يقول لك: أهل السنة ما عندهم طريقة صحيحة، هؤلاء متشددون، هؤلاء كذا. وإذا جاء عند الذين يخلطون أيضا بالبدع وغيره، قال: هؤلاء دائما في المساجد، دائما في كذا، دائما منعزلون عن العالم، وغيرها. مثل ما يحصل من الإخوان المسلمين، تجد ينكر على هؤلاء، ينكر على السنة، وينكر على أهل التصوف، ويريد معناه: دين مطاطي، دين كما يقولون يوافق المجتمع، يوافق أهل المجتمع، فيدخلون في المنكرات. ولهذا غيروا، فجعلوا هناك أشياء كانت محرمة، جعلوها إسلامية، شورى، أو أقصد: ديمقراطية، قالوا: في ديمقراطية إسلامية، سموها "الشورى الإسلامية"، وأيضا كذلك البدع، أو الموسيقى، قالوا: هناك موسيقى إسلامية، في كرة، كرة إسلامية، وأيضا أشياء كثيرة سموها بأسماء إسلامية. وهذا حاصل، ليس هذا معنى افتراء، مثلا عندك كتاب "شهيد المحراب" لعمر تلمساني، وهذا عمر تلمساني هو يعتبر من منظمي الإخوان المسلمين، يعني يعتبر من قادة الإخوان المسلمين، وهو المرشد الثالث للإخوان المسلمين، عن المرشد الأول، من المرشد الأول لإخوان المسلمين، ما عند من من المرشد الأول، حسن البنا، حسن البنا هو المرشد الأول للإخوان المسلمين، والمرشد الثاني: حسن الهضيبي، حسن الهضيبي، والمرشد الثالث: عمر التلمساني. هذا له كتاب سماه "شهيد المحراب"، وذكر فيه أن هناك موسيقى إسلامية، سماها "موسيقى إسلامية"، وأيضا سينما إسلامية، هناك سينما أيضا إسلامية، وهكذا تجد يغيرون الأمور، ويجعلون المنكر معروفا، جعلون المنكر معروفا، وهذا لعدم فقههم في شريعة الله جل وعلا. وهذا النوع الذي عناهم الشيخ: لا يعرفون المعروف، ولا ينكرون المنكر. قالوا: مع هذا، فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر، ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له ظاهرا في الأمر بذلك المعروف والنهي عن ذلك المنكر. بل هؤلاء تجدهم يحبون موافقة الكفار، موافقة أعداء الله عز وجل، ليش؟ حتى يقولون: حتى نوافق المجتمع، يظنون أن المجتمع هم هؤلاء الكفار. قال: ظاهرا في الأمر بذلك المعروف والنهي عن ذلك المنكر، ولا مخالفة، ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين. فهذه الأمور وأمثالها ما ينبغي معرفتها والعمل بها. قال: "النوع الثالث وهو معظم في الشريعة، كيوم عاشوراء، ويوم عرفة، ويومي العيدين". معناه: النوع الثالث الآن، معناه هذا عنوان آخر، معناه: النوع الثالث، أي من الأعياد الزمنية، الأعياد الزمنية التي تكلم عليها الشيخ، وهذا فصل، كأنه فصل، جعل لكل شيء فصل، فأن أولا ذكر أمرين من الأعياد الزمنية، أن ذكره قبل، عندما تكلم في أول الفصل، لما قال: "أما الزمن، أي لأعياد الزمنية، فثلاثة أنواع: أحدها: يوم لم تعظمه الشريعة أصلا، والنوع الثاني: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره". أن ما جرى فيه حادثة، مثل مثلا: حجة الوداع، مثل الإسراء والمعراج، إذا كان ثابتا، مثل أيضا ولادة النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال: "النوع الثالث"، هذا الذي ذكره استطرادا، ثم ذكر النوع الثالث: ما هو معظم في الشريعة، جاء تعظيمه في الشريعة، لكن تعظيمه ليس مثلا أن يعمل فيه شيء، تعظيمه مثلا للعبادة، أو تعظيم ذلك اليوم لأجل مثلا صيامه. قال: "ما هو معظم في الشريعة، كيوم عاشوراء، ويوم عرفة، ويومي العيدين، والعشر الأواخر من شهر رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، وليلة الجمعة ويومها، والعشر الأول من المحرم، ونحو ذلك من الأوقات الفاضلة". فهذه الأشياء معظمة في الشريعة، هذه الأزمان معظمة في الشريعة. فذكر أولا أنه لم تذكر في الشريعة شيء، ثم بعد ذلك الثاني الذي ذكره رحمه الله، معناه الأول: يوم تعظمه الشريعة، لم تعظمه الشريعة أصلا، ليس فيه تعظيم بالشريعة أصلا. والنوع الثاني: ما جرى فيه حادثة، معناه: حادثة تابعة للشريعة، كما قلنا: مثل الإسراء والمعراج، مثل ولادة النبي عليه الصلاة والسلام، مثل مثلا أيضا شيء من هذه الحوادث الكبيرة التي حصلت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم تعظمه الشريعة، لم تعظمه الشريعة. والنوع الثالث الآن: قد جاء تعظيمه في الشريعة. قال: "فهذا الضرب قد يحدث فيه ما يعتقد أن له فضيلة، وتوابع ذلك ما يصير منكرا ينهى عنه، أو ينهى عنه". أن هو اليوم معظم، مثل يوم عاشوراء، يوم معظم، لكن تجد أن هناك أناس يحدثون فيها أشياء، منهم من يحدث الحزن والضرب وكذا، مثل الروافض، تجعلونه يوم حزن، ومنهم من يجعله يوم احتفال، مثل الصوفية وغيرهم من أهل البدع، يجعلونه يوم احتفال، ولم يأتي شيء في ذلك. بل النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر أن اليهود كانوا يتخذونه عيدا، قال: "فلا تتخذوه عيدا وصوموه"، كما جاء في حديثه بموسى: "لا تتخذوه عيدا"، نهى أن يتخذ عيدا، معناه: يحتفل به. لكن الآن الصوفية مثلا، تجد لهم أعلام، لهم كذا، يحتفلون، يخرجون في الشوارع، ويظنون أن هذا الاحتفال تعظيم لهذا اليوم. فالشيخ هنا يقول: أن هذا وإن كان مشروع تعظيمه، معناه: الذي جاء في شرع تعظيمه، لكن ليس بهذا الكيفية، وتخصيص شيء من هذه الأمور التي لم يشرعها الشرع في هذا اليوم يعتبر منكرا. قال: "مثل ما حدث بعضه الأهواء في يوم عاشوراء من التعطش والتحزن والتجمع، وغير ذلك من الأمور المحدثة، التي لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وعلى وسلم، ولا أحد من سلف الأمة، عما يفعله الروافض، لا من أهل بيت رسول الله، ولا من غيرهم". أن ما في أحد كان يفعل هذا، ما جاء بهم إلا الشياطين، أوحى الشيطان إليهم. لكن لما أكرم الله فيه سبط نبيه، أحد سيدي شباب أهل الجنة، وطائفة من أهل بيته، عند الفجرة الذين هانهم الله، أن هؤلاء الذين قتلوا الحسين، الذين قتلوا الحسين بأمر وبيد عبيد الله بن زياد. قال: "وكانت هذه مصيبة عند المسلمين، حتى من مثلا تولى القتل فهو مؤاخذ، أنه خرج معه، مثل عمر بن سعد بن أبي وقاص، ولم يقتل، بل حاول أنه يبتعد عن الحسين، بل أنه كاد أنه يرجع، لكن بعض الأشقياء الذين كانوا معه أصروا على البقاء، وقتل الحسين ومن معه". قال: "وكانت هذه مصيبة عند المسلمين، يجب أن تتلقى به المصائب من الاسترجاع المشروع". أن هذا الذي جاء: إذا أصيبت المصيبة، هناك أشياء تشرع إذا جاءت مصيبة. النبي عليه الصلاة والسلام قال: "من أصيب بمصيبة فليتعزى بمصيبته في موته صلى الله عليه وآله وسلم، كانت أعظم مصيبة على المسلمين، موت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه". فالسلف من الصحابة وغيرهم، كانوا أحبوا الناس، أحبوا الناس إليهم النبي عليه الصلاة والسلام، لكنهم لم يحدثوا شيئا، لم يحدثوا حزنا يوم مثلا يجلسون حزنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات في هذا اليوم، أو يفعلون شيء مما يدلوا عليه، لا، ما فعلوا أي شيء. وهل معنى ذلك أنهم ما يحبون النبي صلى الله عليه وسلم؟ بل هم أشد الناس محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن علموا أن هذا غير مشروع. قال: "وكانت هذه مصيبة عند المسلمين، معناه: لما مات الحسين، يجب أن تتلقى به المصائب من الاسترجاع المشروع: إنا لله وإنا إليه راجعون. فأحدثت الشيعة البدع في مثل هذا اليوم، خلاف ما أمر الله به عند المصائب، وضموا إلى ذلك من الكذب والوقيعة في الصحابة، البراء من فتنة الحسين رضي الله عنه، وغيرها أمورا أخرى". أقصد: قتل الحسين بن علي رضي الله عنه، لما قتلوه في العراق في كربلاء. قال: "وغيرها أمورا أخرى مما يكرهه الله ورسوله". أن هذه البدعة جعلتهم يأتون ببدع عظيمة، بأشياء عظيمة، أنهم فقط كانوا يحزنون لأجل موت الحسين، ويفعلون، بل معناه: تطور الأمر، حتى صاروا يضربون أنفسهم بالأسياف وبالكذا، فتجد الواحد منهم يسيل دمه، بل بعضهم يموت، وكل ذلك تندما على أنهم فرطوا في الحسين بن علي. لكن تجد قديما كانوا ما يفعلون هذا، ثم تطور الأمر، وزد على ذلك أنهم بهذه البدعة صاروا يكفرون الصحابة، وأيضا يلعنون من شارك في قتل الحسين، كيزيد بن معاوية مثلا، لأنه قتل في ولايته، وعبيد الله بن زياد، وغيرهم من هؤلاء، ويكفرونهم ويسبونهم. وهكذا البدع تأتي بالبدع، وكما قال بعض السلف: البدع أول ما تأتي صغيرة، ثم إذا تركت جاءوا بالطامات. قالوا: "يروى عن فاطمة بنت الحسين، فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمية المدنية، وهي زوجة الحسن بن الحسن بن علي، عن أبيها الحسين بن علي رضي الله عنهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلي وسلم: من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا، وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثلها يوم أصيب". رواه أحمد وابن ماجة. طيب، هذا الحديث فيه ضعف، وغالب، وغالب مثل هذه الحديث أسانيدها غير صحيحة. طيب، قال: "فتدبر، كيف روى مثل هذا الحديث الحسين رضي الله عنه، وعنه بنته التي شهدت مصابه، لأنها كانت معه، أن كانت لما قتل الحسين كانت معه". قال: "قال: وعن اتخاذ أمثال أيام المصائب معتما، فهذا ليس في دين المسلمين، بل هو إلى دين الجاهلية أقرب". أن اتخاذ أيام المصائب معتما، ليس من طريقة أهل الإسلام، وإنما هي من طريقة أهل الكفر وأهل الجاهلية. قال: "ثم فوتوا بذلك ما في صوم هذا اليوم من الفضل". أن ماذا؟ يصومون عاشوراء، يقومون، ويفعلون هذه المجازات. قال: "وحدث بعض الناس في أشياء مستندة إلى حديث موضوعة لا أصل لها، مثل الفضل في الاغتسال فيه، أو التكحل، أو المصافحة، وهذه الأشياء، ونحوها من الأمور المحدثة، كلها مكروهة، وإنما المستحب صومه". أن بعضهم أيضا يقولون: التوسع في يوم عاشوراء، ولم يثبت شيء من ذلك. وقد روي في التوسعة على العيال في آثار معروفة، أعلى ما فيه حديث إبراهيم بن محمد، هنا يقول: أن المعلق... أن هناك سقطت بعض معنا، صفحة ونصف تقريبا. قال: "محمد بن المنكدر عن جابر، قال: بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء، وسع الله عليه سائر سنته". رواه عنه ابن عيينة. وهذا أنكره بعض الأئمة، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، وإنما جاء عن هذا، عن هذا المنكدر، محمد بن المنكدر الأجدع الهمداني، وهو من التابعين. ولما ذكروا الإمام أحمد: هل ورد شيء في هذا؟ قال: نعم، شيء رواه سفيان عن جعفر الأحمر عن إبراهيم بن محمد المنكدر، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء. قال: "وهذا بلاغ منقطع، لا يعرف قائله، والأشبه أن هذا وضع، لما وضعت لما ظهرت العصبية بين الناصب والرافضة، فإن هؤلاء اتخذوا يوم عاشوراء معتما، فوضع أولئك فيه آثارا تقتضي التوسع فيه، واتخاذه عيدا، وكلاهما باطل". يعني: ليس أنه يوم عيد، بل كما قلنا: النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتخذ عيدا، ولا هو يوم حزن، فهو يوم معظم بالصوم. قال: "وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: سيكون في ثقيف كذاب ومبير". هذا حديث أسماء بنت أبي بكر. فكان الكذاب: المختار بن أبي عبيد، وكان يتشيع للحسين، ثم أظهر الكذب والافتراء على الله، وكان المبير: الحجاج بن يوسف، وكان في انحراف عن علي وشيعته، وكان مبيرا، والمبير هو: المهلك أو الظالم. قال: "وهؤلاء فيهم بدع وضلال، وإن كانت الشيعة أكثر كذبا وأسوأ حالا". معناه: من الناصبة، صاروا الشيعة وناصبة، فهؤلاء يكذبون، هؤلاء يكذبون، فهؤلاء يتكلمون عن أهل البيت، أي: هؤلاء الناصبة، والشيعة يعظمون ويغلون في أهل البيت، وكلاهما على باطل. وتجد الشيعة يتهمون أهل السنة بأنهم ناصبة، وليس كذلك، أهل السنة يحبون أهل البيت، لكن محبة شرعية. قال: "لكن لا يجوز لأحد يغير شيئا من الشريعة لأجل أحد، وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء، وتوسيع النفقات فيه، من البدع المحدثة، المقابلة للرافضة، وقد وضعت في ذلك حديث مكذوب في فضائل ما يصنع فيه من الاغتسال والاكتحال وغير ذلك، وصححها بعض الناس كابن ناصر وغيره". عن ابن ناصر، معناه: بغدادي، يعرف بالسلام، وهو من أهل المذهب الشافعي. قال: "وغيره، وليس فيها ما يصح، لكن رويت لأناس اعتقدوا صحتها، فعملوا بها، ولم يعلموا أنها كذب". فهذا مثل هذا، بيّن رحمه الله أن هؤلاء على باطل، وهؤلاء على باطل، وهذا في النوع الثالث، الذي يتخذ في يوم معظم، أشياء يحدثونها. قالوا: "قد يكون سبب الغلو في تعظيم بعض المنتسب، لمقابلة الروافض، فإن شيطان قصده أن يحرف الخلق عن صراط المستقيم، ولا يبالي إلى أي شقين صار، إما إلى الغلو، وإما إلى الجفاء، فينبغي أن يجتنب جميع هذه المحبطات". ثم ذكر مثالا آخر: شهر رجب. إن شاء الله تعالى نجعله في الدرس القادماللهم ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر