الدرس في التعليق على شرح الزيادة الرجبية على الأربعين النووية للشيخ العصيمي 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
هذا الفصل يشرح تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والانتفاع بها، مبينا معاني هذه المحرمات وأسباب تحريمها. يوضح الشارح أن هذه الأشياء محرمة بالكتاب والسنة.
يناقش هذا الفصل تحريم الانتفاع بشحوم الميتة ودهن الجلود بها، ويبين أن جمهور أهل العلم يحرمون الانتفاع بها. كما يتناول موضوع الحيل المحرمة ويستشهد بأمثلة على الحيل الجائزة والمحرمة.
يتناول هذا الفصل ضابط الحيل في الإسلام، موضحا أن الحيل التي تهدف إلى الوصول إلى الحق أو دفع الباطل مشروعة، بينما الحيل التي تؤدي إلى فعل المحرمات أو ترك الواجبات محرمة. يستشهد بقصة يوسف عليه السلام وبموقف النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: الحديث الخامس والأربعون، وهو الحديث الثالث من الزيادة الرجبية، عن جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، وهو بمكة، يقول: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس. فقال: «لا، هو حرام». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «قاتل الله اليهود، إن الله حرم عليهم الشحوم فأجملوها، ثم باعوها فأكلوا ثمنها». قال: أخرجه البخاري ومسلم. قال الشارح - فقه الله -: هذا هو الحديث الثالث من الزيادة الرجبية، وهو الحديث الخامس والأربعون، مضموما إلى الأربعين النووية، وقد أخرجه البخاري ومسلم، فهو من المتفق عليه. وجاء نحو هذا الحديث، بمعنى - يعني - في تحريم الخمر والانتفاع بشحوم الميتة، جاء في الصحيح من حديث ابن عباس، ومن حديث عمر، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث عائشة، لكن بهذا اللفظ، ومن حديث جابر رضي الله تعالى عنه. قال: وفي ثلاث مسائل من جوامع الأحكام في الحلال والحرام: المسألة الأولى: أن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فهذه الأمور الأربعة محرمة. الخمر: كل ما خامر العقل - يعني ما غطى العقل وأذهب العقل - فهو خمر، فيحرم بيعه. والميتة: كل حيوان مات حتف أنفه، من غير ذكاة شرعية - من غير أن يذكى ويذبح - فيكون ميتة، سواء كان منخنقة، أو موقوذة - التي رميت بشيء فماتت - أو متردية من فوق مكان مرتفع، أو التي نطحت فماتت بسبب ذلك، أو صدمت، أو أكلها السبع، أو غير ذلك، ماتت بمرض، هي ميتة تعتبر ميتة، فلا يجوز بيعها، ولا أكلها. قال: والخنزير والحيوان المعروف - الحيوان المعروف حيوان مستخبث من ذوع الغيرة - حرم الشرع أكله وبيعه. والأصنام: ما كان مجسما على صورة - صورة حيوان أو إنسان - فهو صنم، وما كان بغير صورة فهو وثن، وقد يطلق هذا على هذا من باب التوسع، لكن يفرق بين الصنم والوثن: أن الصنم يكون على صورة، على هيئة صورة، والوثن لا يكون له صورة، فالقبر مثلا الذي يعبد يسمى وثنا، ولا يسمى صنما. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد». وما كان له صورة فهو الصنم، فالأصنام كذلك يحرم بيعها؛ لأنها وسيلة من وسائل الشرك، ويلحق بها التماثيل والصور ذوات الأرواح. قال: والمسألة الثانية: أنه يحرم الانتفاع بها كما يحرم بيعها، فالضمير في قوله: «لا، هو حرام»، عائد على الانتفاع - يعني في قولهم: أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه يطلع بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس - تطلع بها السفن - يعني القوارب كانت تصنع من أخشاب، ثم تطلع بشحوم الميتة حتى تسد الفتحات - أي تكون بين الخشب - ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس - يعني يوقدون النار من شحوم الميتة، توضع الفتيلة في وسط هذا الزيت أو الشحم وتوقد النار - فقال: «لا، هو حرام». اختلف أهل العلم في عود الضمير في قوله: «لا، هو حرام»، هل يعود إلى الانتفاع أو يعود إلى البيع؟ وجمهور أهل العلم أن الضمير يعود إلى الانتفاع: أن الانتفاع بها محرم. قال: فالمنفعة المذكورة في الحديث، وهي طلاء السفن بشحوم الميتة، ودهن الجلود، والاستصباح بها، محرمة؛ تحريم البيع، فالمنفعة من المحرم محرمة كبيعه، هذا قول جمهور أهل العلم، وهو الصحيح. لأن الانتفاع بما حرم فهو محرم، لا يجوز الانتفاع بالشيء المحرم. وهكذا ألحق أهل العلم بهذه المحرمات - يعني كل ما كان مثلها مما لا نفع فيه - مما لا نفع فيه من الحيوانات أو من الأعيان، فإنه يحرم بيعه؛ كما حرم - يعني - بيع الخنزير لقبثه، وكذلك ضرره، يلحق به كل الحيوانات التي لا نفع فيها، فإنها تأخذ حكم التحريم. وهكذا أيضا - يعني - تحريم بيع الأصنام، يلحق بها ما كان بمعناها مما لا نفع فيه - يعني من الأعيان والمجسمات نحو ذلك - فإنها كذلك يحرم بيعها. قال: والمسألة الثالثة: إبطال الحيل والوسائل المفضية إلى المحرم. قال: واسم الحيل عند الأقدمين مقترن بالاحتيال والمكر، وهذا ذمه السلف - يعني كان اسم الحيل يطلق على المعنى المذموم - على المعنى المذموم الذي هو الاحتيال والمكر للوصول إلى محرم أو تضييع الحق، قالوا: هذا ذمه السلف. ثم توسع المتأخرون في حقيقة الحيل، فجعلوها اسما لكل ما يتوصل بها إلى مقصود، سواء كان صحيحا أو كان فاسدا. قال: وصيروا من الحيل حيلا مأذونا بها، وحيلا منهيا عنها. فينبغي أن تعي مورد اسم الحيل الواقع عند الأقدمين وعند المتأخرين؛ لئلا تقع في الغلط عليهم. فإن اسم الحيل في الصدر الأول كان اسما لما يذم من الوسائل المحرمة، ثم اتخذه متأخرو الفقهاء اسما لكل شيء يوصل إلى مقصود، وجعلوا منه حيلة جائزة، وحيلة محرمة، باعتبار ورود الإذن بها أو عدمه، على ما بسطه ابن القيم رحمه الله تعالى بكتابه «إعلام الموقعين». فإذن الحيل على قسمين: حيل جائزة، وحيل محرمة. فالحيل التي يتوصل بها للوصول إلى حق من غير مخالفة للشرع، فهذه جائزة. ومن يذكر دليلا على جواز ذلك من القرآن؟ من يذكر دليلا على جواز الحيل المشروعة؟ نعم، فعل يوسف - حتى يجعل أخاه يبقى عنده - في وضع الصواع ماذا في رحل أخيه؟ هذه حيلة. حيلة فعلها حتى يبقى أخوه عنده. واضح أيضا لما كسر الأصنام، قالوا: «من فعل هذا بآلهتنا؟» قال: «فعله كبير هؤلاء الأصنام، انظروا هذا الآلة موجودة، اسألوه، دعوه ينطق ويخبركم إن كان هذا إله». أيضا الخضر مع موسى، لما خرق السفينة خرقها لأجل ماذا؟ لأجل تسلم للمساكين حتى لا يأخذها الملك الظالم، فخرقه لها حيلة حتى تبقى لهم وتسلم من ظلم هذا الظالم. نعم، فالحيل التي يقصد منها الوصول إلى حق، أو دفع باطل، هذه مشروعة. وأما الحيل التي توصل بها إلى فعل المحرم، أو ترك الواجب، فهذه محرمة. ومن ذلك ما في هذا الحديث من فعل اليهود من إذابة الشحوم، ثم القيام ببيعها، وأكل ثمنها، ثم يقولون: ما أكلنا الشحوم، الله حرم عليهم الشحوم، فاحتالوا، أذابوا هذا الشحوم، جملوه - أي أذابوه - ثم باعوه، قالوا: نحن باعنا زيتا، وأكلوا ثمن هذه الشحوم، وقالوا: ما أكلنا الشحوم، تحايل على شرع الله وعلى حكم الله، فهذا محرم. وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من التحايل على فعل المحرمات، فيرتكب الناس مرتكب اليهود، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا ترتكبوا مرتكبة اليهود، فتستحلون ما حرم الله بأدنى الحيل». وذلك مثل الحيل على الربا التي تفعلها كثير من البنوك، بفعل بعض المبيعات، إدخال بعض السلع لأجل أن تقرض من يحتاج لتلك السلعة، فتشترى له السلعة - اشتريها له البنك أو ربما محل آخر - ثم تسدد عليه المبلغ بزيادة، وهذه حيلة على الربا. حيلة على الربا أيضا مثل بيع العينة. وأيضا من التحايل على الربا. وهكذا أيضا النكاح التحليل هو أيضا من الحيل المحرمة. قال: وما يوجد في كلام السلف من ذم كتاب الحيل لمحمد بن الحسن الشيباني، هو من إرادة النوع الأول الذي يغلب فيه التوصل بطريق غير مأذون به. على أن من الأعذار التي اعتذر بها عن محمد بن الحسن الشيباني: أن كتابه مما أدخل فيه أشياء دست عليه مما لم يكن - رحمه الله تعالى - يريده ولا يرتضيه. قال: وكانت حيلة اليهود - كما في الحديث - لما حرمت عليهم الشحوم: أنهم أجملوها - أي أذابوها حتى صارت ودكا - والودك آخره كاف، هو الذائب الشحم - الشحم الذائب الذي أصبح زيتا - قال: فكانوا يذيبون تلك الشحوم، ثم يبيعونها ودكا، ويأكلون ثمنها، ويقولون: نحن ما أكلنا الشحم، الله حرم علينا الشحم، نحن أذبنا هذه الشحوم وبيعناها وأكلنا الثمن، تحايل على محارم الله. قالوا: من عيون المصنفات النافعة في هذا الباب: كتاب «إبطال الحيل» للحافظ ابن بطة الحنبلي، وكتاب «إقامة الدليل على بطلان التحليل» لأبي العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى - رحمهم الله تعالى - فإنهم كتابان نافعان في تفهم ما يتعلق بباب الحيل. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.