الدرس في كتاب الزكاة 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول التحذير من تخصيص العبادات دون دليل من الكتاب والسنة، ويؤكد على أهمية الرجوع إلى العلماء والكتاب والسنة. يبين أن البدع قد تحتوي على منافع لكن مفاسدها أكبر.
البدع تؤدي إلى إهمال السنن والفرائض وتجعل أهلها يتشبثون بها أكثر من الدين الصحيح، مما يسبب فوات الأجر وفقدان الاتباع للطريق المستقيم.
يُناقش حكم الخلطة في الزكاة والأثمان، حيث اختلف الفقهاء في شروطها وتأثيرها، ويُصحح أن الخلطة في الأثمان لا تصح.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه، ما بعد. بعدما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كلامه على البدع، ذكر أن أعظم ما يؤخذ على هؤلاء هو التخصيص، تخصيص مكان أو تخصيص زمان أو تخصيص عدد، ثم بعد ذلك تتبعه أشياء من الفضائل. قال الشيخ الإسلام: لو لم يعتقد الفضيلة لما خص هذه العبادة بشيء. فثم ذكر أن هذه الأمور تعود إلى السنة عند التنازع، تعود إلى العلماء، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. فهذه الرجوع يكون فيها إلى الكتاب والسنة، فهل خص الكتاب والسنة هذه الأشياء بفضل أو لم يخص؟ ثم ذكر أنه قد يكون في بعض هذه البدع شيء من المنافع، لكن يعارضها ما فيها من مفاسد البدع. قال الله عز وجل في الخمر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. فالإثم أكثر والإثم أكبر، فلهذا البدع قد يكون فيها منافع لبعض الناس، لكن فيها من المفاسد على دين الله عز وجل ما هي أرجح من هذه المصالح. ذكر من هذه المفاسد: اعتقاد الفضل في الشيء الذي ابتدعه، قال: «منها مع ما تقدم مفسدة الاعتقادية والحالية أن القلوب تستعذبها وتستغني بها عن كثير من السنن». قال: «حتى تجد كثيرا من العامة يحافظ عليها ما لا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس». هذا من المفاسد، «بدع تجد أهل البدع يجتهدون فيها ما لا يجتهدون في السنن». سئل الإمام أبو محمد سفيان بن عين رحمه الله: «ما لنا نرى أهل البدع يتشبثون ببدعهم؟ فقال: لم تسمع إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَاشْرَبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾». قال: «فالبدع تشربت في قلوبهم، فهم لا يرون شيئا إلا هذه البدع، لا يرون شيئا من الدين كأن الدين لا شيء فيه إلا هذا». فتجدهم يدافعون ويستميتون على هذه البدع. قالوا: «منها أن الخاصة والعامة تنقص بسببها عنايتهم بالفرائض والسنن ورغبتهم فيها». فتجد الرجل يجتهد في البدعة ويخلص وينيب، ويفعل فيها ما لا يفعله في الفرائض والسنن. قال: «فيفوته بذلك ما في الفرائض والسنن من المغفرة والرحمة والرقة والطهارة والخشوع وإجابة الدعوة وحلاوة المناجاة». وإن لم يفته هذا كله، فلابد أن يفته كمالا. قال: «ولهذا تجد أهل البدع يجتهدون في بدعتهم، يقرأ عليهم القرآن وتقرأ عليهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يحركون ساكنا». لكن لو تلي عليهم ما يعظمون من البدع، تجد أنهم يتميلون وأحدهم يقوم يقفز. قال: «ومنها مسارقة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع، وفوات سلوك الطريق المستقيم». وذلك أن النفس فيها نوع من الكبر، فتحب أن تخرج من العبودية والاتباع. قال أبو عثمان النيسابوري: «ما ترك أحد شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه». فهذا أمر مهم، أمر تفطن له أولئك العلماء. قال: «ثم هذا مضن لغيره، فإن سلخ القلب عن حقيقة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا». قالوا: «منها ما تقدم التنبيه عليه في عيده للكتاب من المفاسد التي توجد في كل النوعين المحدثين». قال: «الكلام في ذم البدع لما كان مقررا في هذا الموضع، لم نطل النفس في تقريره، بل نذكر بعض عيوب هذه المواسم». قال الإمام المحلي رحمه الله: «وللخلطة فصل، وللخلطة تأثير في وجوب الزكاة وسقوطها». الخلطة أن يجعل مال الرجلين أو الجماعة بمنزلة المال الواحد. قال الشافعي وحمد: «الخليطان زكيان زكاة الواحد»، بشرط أن يبلغ المال نصابا، ويمضي عليه الحول، ولا يتميز أحد المالين عن الآخر. قال أبو حنيفة: «الخلطة لا تؤثر، بل يجب على كل واحد ما كان يجب عليه منفردا». الخلطة لها تأثير في وجوب الزكاة وسقوطها، ومعنى الخلطة أن يشترك اثنان أو أكثر في ماشية. ذكر الشافعية والحنابلة أن الخلطة تكون بخمسة أشياء: المسرح والمراح والمحلب والراعي والفحل. قال: «ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة». هذا دليل على أن الخلطة لها دور. قال: «وإذا اشترك فيه نصاب واحد واختلط فيه، لم يجب على كل واحد منهم الزكاة عند أبي حنيفة ومالك». وقال الشافعي: «وجبت الزكاة حتى لو كان أربعون شاة لمئة من الأشخاص». قال: «وهل تجب في خلطة الأثمان والحبوب والثمار؟ قال الشافعي: تجب فيها كما في المواشي». لكن الصحيح أنه لا خلطة في الأثمان، ولا دليل على الخلطة في الأثمان. الخلطة في الأثمان لا تصح، وكذلك في الحبوب والثمار. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على مسألة الحبوب والثمار. والله تعالى أعلم.