الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المبهم من الرواة هو من لم يُسمَّ اسمه، وأصله عدم القبول لجهالة حاله إلا إذا عُرف بعينه بطرق أخرى. قول الراوي «حدثني ثقة» لا يُكتفى به للتوثيق لأن التوثيق نسبي ويختلف فيه أهل العلم.
يبيّن المقطع أن قول الراوي «حدثني ثقة» لا يلزم توثيق الشيخ عند غيره، ويفرق بين صيغة التوثيق الصريح وصيغة نفي التهمة فقط، مع أمثلة من أقوال الشافعي وشعبة.
يذكر نماذج لرواة ضعفاء في الحفظ مع توثيقهم في الفقه، ثم يوضح خلاف العلماء في تعريف المجهول، قول الخطيب البغدادي، وموقف إمام أحمد من الشهرة في رفع جهالة العين.
أعلن المحاضر عن تأجيل ذكر كلام ابن الصلاح إلى الدرس القادم، مع تكرار ذكر ترجمة نانسي قنقر عدة مرات.
بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله عليه وسلم. قال: أما المبهم من الرواة فهو من لم يُسمَّ اسمه، نحو: «حدثنا رجل»، فهذا لا يقبل حديثه. وتعليل ذلك أن شرط قبول الرواية معرفة عدالة الراوي، ومن أُبهم اسمه لا تعرف عينه، فكيف تعرف عدالته وضبطه؟ هذا ليس على إطلاقه صحيحًا، أن هذا أن المبهم لا يقبل، لكن من عرف مثلًا ولو بإبهام اسمه، مثل: ابن كعب بن مالك، تجد في كثير من الحديث: ابن كعب بن مالك. وأبناء كعب بن مالك هم اثنان: عبد الله وعبد الرحمن، وكلاهما ثقة. فلهذا تجد أن العلماء يقبلون هذا الحديث ويعتبرونه سندًا صحيحًا؛ لأن أبناء كعب معناه يعرفون وهم ثقات، سوى كان عبد الله وعبد الرحمن. فإذا عرف هذا المبهم، عرف من هو، سوى كان من طرق أخرى، أو سواء كان من اعتياد نسبته مثلًا إلى صحابي أو إلى إمام أو كذا، فيعرف بذلك. قال: لكن قد يقع الإبهام بلفظ التوثيق، كان يقول الراوي: «حدثني ثقة»، فهذا محل خلاف على أقوال، أشهرها ما يلي. وهذا دائمًا في كلام الشافعي رحمه الله، وفي كلام غيره يقول: «حدثني الثقة». قال: قول الخطيب البغدادي وبكر بن محمد بن عبد الله الصيرفي: أن ذلك لا يكفي في توثيق الراوي، لا يكفي في توثيق الراوي أن يقول: «حدثني ثقة». وتعليل ذلك: لأن يكون ذلك الراوي ثقة عند من أبهمه مجروحًا عند غيره، وهذا يحصل. فهذا الشافعي رحمه الله يقول: «حدثني ثقة»، وأحيانًا يريد به محمد بن إبراهيم، وهو متروك. قال: تعليل ذلك أن الموثق مؤتمن على ذلك. طيب، القول الثاني وهو منقول عن الإمام أبي حنيفة: أن ذلك يكفي توثيقًا للراوي. وتعليل ذلك أن الموثق مؤتمن على ذلك، وهو نظير الاحتجاج بالمرسل من جهة أن المرسل لو لم يحتج بالمحذوف لما حذفه، فكأنه عدله. فالقبول في هذا الباب، أبي أو لا؟ لأن الإبهام قد وقع بلفظ التوثيق الصريح: «حدثني ثقة». وهذا ليس بصحيح؛ لأنه في الواقع هذا كلام نظري، لكن في الواقع خلاف هذا، يعني: كم من أناس من رجال أهل الحديث قال: «حدثني ثقة»، وبعد ذلك يكتشف أن هذا الثقة ليس من أهل الثقة. مثل كما قلنا: شيخ البخاري، الشافعي، أحيانًا أيضًا يقول: هذا الشافعي عند شيخه المكي، يعني: خالد بن عبد الله الزنجي المكي، فإنه من مشايخ الشافعي، لكنه ضعيف في الحديث، هو فقيه أخذ الشافعي عنه الفقه لكنه ضعيف في الحديث، وقد قال الشافعي في بعض ما يقوله: «حدثني ثقة». فلهذا قد يكون ثقة عنده لكنه ليس عند غير ثقة. فلهذا والراجح القول الأول، وذلك لما يلي: أنه لا يلزم من توثيق الراوي لشيخه أن يكون كذلك عند غيره، لأن الخبر عن التوثيق كخبر عن التصحيح والتحليل والتحريم، يمكن اختلاف أهل الديانة والإنصاف بحسب ما يؤدي إليه الاجتهاد. طيب، وهناك مسألة ما أذكر، هل ذكرها المؤلف أو لا؟ معنى: إذا كان هذا الذي قال: «حدثني ثقة» هو ممن لا يروي إلا عن ثقة، مثلًا: سليمان بن حرب، عبد الرحمن بن مهدي، أحمد بن حنبل، وجماعة من هؤلاء الذين قيل فيهم: إنهم لا يروون إلا عن ثقة. فهذا إذا روى الرجل مبهمًا فقال: «حدثني ثقة»، هل يكون ثقة أيضًا؟ الصحيح أنه يكون ثقة عنده، يكون ثقة عنده إذا لم يصرح به؛ لأن الآن العلماء يختلفون في توثيق وتجريح رجل، فكيف بأن يقال مثلًا: رجل من أهل الحديث يروي عن ثقة، هذا فقط حكم أغلبي. ولهذا وجد كثيرًا ممن قيل فيهم: لا يروي إلا عن ثقة، فرووا عن أناس ضعفاء. فهذا شعبة بن الحجاج، وهو أمير المؤمنين في الحديث ومتقن، روى عن بعض الضعفاء، روى عن عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف، وروى عن غيره مجالد وكذا. فلهذا فليس أن يقول مثلًا شخص، أو الذي يقال فيه: لا يروي إلا عن ثقة، فقال: «حدثني ثقة» يقبل، هو ثقة عنده، لكن هل هو ثقة عند الآخرين؟ الله أعلم. ذكرها بالتعارض أنه لا يلزم توثيق الراوي لشيخه أن يكون ذلك عند غيره، لأن الخبر عن التوثيق كخبر عن التصحيح والتحليل والتحريم. قال: ولأن الإمام قد ينفرد بتوثيق الراوي المتفق على ضعفه لكونه ثقة عنده، ولأن إضراب المحدث عن تسمية شيخه ريبة توقع ترددًا في القلب، أنا لماذا يقول: «حدثني ثقة» ولا يقول: «حدثني فلان»؟ فما أبهمه إلا لشيء. قالوا: من ضوابط هذه المسألة ما يلي: أن ذلك الراوي الموثق بتلك الصيغة «حدثني ثقة» قد يعرف بالنص عليه أو بالاستقراء من عمل الإمام، يعرف إما بالنص عليه أو بالاستقراء من عمل الإمام. يأتي بهذا الحديث مرة أخرى ويأتي باسمه مثلًا. قال: فإن كان ثقة اعتُمد في حقه ذلك التوثيق موافقة لتوثيق الأئمة الآخرين. ومثال ذلك: إذا قال الإمام الشافعي: «حدثني ثقة عن الليث بن سعد»، فالثقة: يحيى بن حسان التنيسي البكري. وإن كان دون مرتبة الثقة اعتُمد في حاله الدرجة التي تليق به. ومثال ذلك: إذا قال الإمام الشافعي: «حدثني ثقة عن ابن جريج»، فمراده بالثقة: مسلم بن خالد المخزومي الزنجي مولىً لهما، هو صدوق كثير الأوهام، فيعتبر ضعيفًا، ويقول الإمام الشافعي: «حدثني الثقة عن ابن جريج»، وظاهر أن الإمام الشافعي لعلمه أنهم يتكلمون فيه وهو عنده ثقة فيقول هذا. قال: أن هناك فرقًا بين إبهام بلفظ «حدثني الثقة» وإبهام بلفظ «حدثني من لا أتهم». فإن اللفظ الأولى: «حدثني الثقة» أرفع بكثير لصراحتها في التوثيق، بخلاف اللفظ الثاني: «حدثني من لا أتهم»، فإنها لا تفيد بلغة الراوي منزلة الثقة، أنا لا أتهم ممكن يقول: لا أتهمه بكذب، لكن ممكن يكون مخطئ واهم، إذ لا يلزم من عدم اتهام الراوي توثيقه من جانب الضبط، وغاية العبارة نفي التهمة دون تعرض للإتقان. وذكر هنا عن ابن السبكي أنه يساوي بين العبارتين عند الشافعي خاصة. قال: ويوضح ذلك أن عبد الله بن لهيعة، وعبد الله بن جعفر بن المديني، وعبد الرحمن بن زيادة الأفريقي، وهم ضعفاء في الحفظ، لا يحتج بهم حتى عند الاضطرار، وليسوا بمتهمين، بل هؤلاء ثقات عندنا من الفقهاء، وكذلك من بعضهم لهم عبادة، كعبد الرحمن بن زيادة الأفريقي، وعبد الله بن جعفر بن المديني ثقة، أو أقصد: فقيه، وله هيبة، وهو والد علي بن عبد الله بن المديني، لكنه ضعف في الحديث لعدم إتقانه. قال: وأما المجهول فقد تنوعت آراء العلماء في تحديد المراد به على أقوال، أشهرها... معنا الآن ندخل في المجهول وحد المجهول. قال: وأما المجهول فقد تنوعت آراء العلماء في تحديد المراد به على أقوال، أشهرها... المجهول هنا ينقسم لقسمين: مجهول عين ومجهول حال، سيأتي الكلام في تقسيم الحافظ ابن الصلاح. قال: وأما المجهول فقد تنوعت آراء العلماء في تحديد المراد به على أقوال، أشهرها ما حكاه الخطيب البغدادي: المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد. أنا هذا يقول الخطيب: عند العلماء هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد. وهذا الكلام الذي ذكره الخطيب جمع فيه بين أقوال العلماء في معرفة المجهول، لأن بعضهم يرى أن المجهول هو من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولم يعرفه العلماء بذلك، وهذا تجده مذهب الإمام أحمد كما ذكر ذلك الحافظ بن رجب في شرح العلة، وكذلك مذهب أيضًا جماعة من العلماء كيحيى بن معين وغيره. ولم يعرف كما قال الحافظ بن رجب: لم يعرف أدنى المجهول من روى عنه واحد، أي مجهول العين، إلا في كلامي... إلا في كلام محمد بن يحيى الذهلي، أنا يقول أن أول من قال بهذا هو محمد بن يحيى الذهلي. قال: ثم تبعه المتأخرون. وأما كلام الأئمة المتقدمين فيرون أن مجهول العين هو من لم يعرف بطلب العلم، لم يشتهر بطلب العلم ولا عرفه العلماء بذلك. ولهذا تجد في كتب التوثيق وكتب التعديل والجرح، كتب ابن أبي حاتم وقبله أيضًا كتب الإمام أحمد، تجد يقول مثلًا: «كنت أعرفه يطلب العلم»، معنى: يقول الإمام أحمد: «كنت أعرفه يطلب العلم»، أو يقول مثلًا: «اشتهر بطلب العلم». وأيضًا أبو حاتم يقول: «اكتبوا عنه، فإن قد رأيته يكتب العلم»، معنى عند خلان. فهذا كل العبارات تدل على أنهم يرون أن الشهرة كافية في رفع الجهالة عنه، أن الشهرة كافية في رفع الجهالة عنه. لكن هل هذه الجهالة التي ترفع عنه جهالة عين أو جهالة حال؟ فهذا محل التجاذب بينهم العلماء. أنا من يقول أن هذا محل هذا القول على أساس أنه يرفع جهالة العين، ومنهم من يقول: لا يرفع الجهالة كلها ويكون ثقة، وهذا يحتاج إلى أكثر ضبط في هذه المسألة. طيب، إن شاء الله كلام ابن الصلاح نذكره في الدرس القادم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر