الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 29، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع حكم تكفير الخوارج حيث يرى جمهور العلماء أنهم ليسوا بكفار لكونهم ينطقون بالشهادتين ويقيمون أركان الإسلام. ناقش أيضًا أحكام قتالهم وعدم قتل أسراهم أو جرحاهم.
الخوارج يقاتلون إذا خرجوا على الإمام العدل وكان لهم شوكة، أما إذا كانوا أفرادًا معدودين فلا يقاتلون بل يناصحون. العلماء أجمعوا على وجوب قتالهم إذا توفرت الشروط.
يتناول أحكام التعامل مع الخوارج عند خروجهم، حيث يبين أنهم يعاملون كالبغاة إذا لم يكفروا، مع تفصيل في أحكام جرحاهم وأسراهم ومدبريهم.
يختم الدرس بالدعاء أن ينفع الله قوله ويصلي على النبي محمد، ويعترف بأن الله تعالى هو الأعلم، ويظهر تواضعه واعتماده على الله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويحل قتال الخوارج إذا عرضوا للمسلمين في أنفسهم وأموالهم وأهاليهم، وليس له إذا فارقوه أن يطلبهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يأخذ فيئهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع مدبرهم. أورد المؤلف رحمه الله تعالى، وهو الإمام البربهاري أبو الحسن، هذه المسألة وهي المتعلقة بالأحكام التي تتنزل على الخوارج. وقد مر معنا في دروسنا الماضية نبذة سريعة عما هي الخوارج وكيف خرجت ومتى خرجت، وهي بالجملة فرق ضالة خرجت عن المسلمين وأسفكت الدم الحرام. المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذه الأحكام أو شيئًا من الأحكام المتعلقة في كيفية التعامل معهم. لكن هذه المسألة، إخواني في الله، قائمة على مسألة أعظم من هذه، وهي أصل المسألة، وهي ما حال الخوارج، أكفار هم أم لا؟ أكفار هم أم لا؟ وهذه المسألة وقع فيها الخلاف، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، بين السلف وبين الأمة حول حكمهم على الخوارج، قال على قولين مشهورين. الإشكال في هذه المسألة يعتبر من أعظم المسائل إشكالًا، حتى قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: إن هذه المسألة تعتبر من أشد المسائل إشكالًا عند المتكلمين. أي أصحاب المقالات احتاروا في حكمهم على الخوارج، أكفار هم أم لا؟ خلاصة الباب، وليس نحن في مبحث نستطيع أن نستفيد في ذكر أدلة هؤلاء وهؤلاء، لكن خلاصة المسألة أن مذهب جمهور العلماء والأئمة يرون أن الخوارج ليسوا بكفار. وهذا مذهب جمهور، ولهم أدلة عامة وخاصة. فمما استدلوا به أن هؤلاء الفرقة قد نطقت بالشهادتين وأنهم قد واظبوا على أركان الإسلام، معلوم ومعروف ذلك في حق من تتبع سيرتهم. أيضًا مما استدل به من استدل على عدم تكفير الخوارج ما كان من تعامل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه معهم. فإن علي قاتلهم، ومع ذلك لم يسبِ لهم ذرية، ولم يأخذ منهم فيئًا، ولم يقتل أسيرهم. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى لما حكى هذه المسألة وذكر هذه النبذة عن سيرة علي في الخوارج، قال: وذلك كان بمحضر من الصحابة، أي أن عليًا عامل الخوارج لم يعاملهم كمعاملة المرتدين، وإنما تجاوز عن بعض الأشياء، لم يسبِ الذراري، ولم يأخذ الأموال، ولم يقتل الأسارى. قال شيخ الإسلام: وكان هذا الفعل من علي بن أبي طالب بمحضر من الصحابة ممن شاركوا معه، قالوا: فدل هذا على اتفاق من الصحابة على عدم معاملة الخوارج معاملة المرتدين، إذن فهم ليسوا بكفار. أيضًا من أهل العلم من ذكر الإجماع على هذه المسألة، كما نقل ذلك الخطاب رحمه الله تعالى، حيث قال: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين. فاعتبرنا ماذا؟ من فرق المسلمين، ودعى الإجماع. ومسألة الإجماع مدعى حتى نطرف الثاني من قال بتكفيرهم، كذلك سدل بإجماع مدعى. لكن ظاهر النصوص ومذهب الجمهور واضح في هذا الباب على أن الخوارج ليسوا بكفار. مع هذا القول وترجيح هذه المسألة، مع التنبيه على أمر آخر، وهو مع القول أن الخوارج بالجملة ليسوا بكفار، إلى أن هناك من فرق الخوارج من ينتمي للخوارج قد تبنى أفكارًا كفرية. من تبنى أفكارًا كفرية كاتلكم الجماعة التي تقول ماذا؟ بأن الصلاة ليست هذه الصلاة، وأنها قصرت ركعة في الصباح أو ركعة في المساء، كما يدعون عن بعض فرقهم تسمى البدعية أو فرقة أخرى تسمى الميمونية، ويبيحون نكاح المحرمات. فهؤلاء كفار، مع أنهم من فرق الخوارج، لهم اعتقادات كفروا بها، كمن قال بقصر الصلاة، ومن أجاز النكاح المحرمات، وهكذا من أنكر سورة يوسف. وهذا جماعة من الخوارج، وهم كذلك كفار. فهؤلاء الذين تميزوا ببعض العقائد الكفرية فإنهم يخرجون من الحكم العام، وإلا الحكم العام في الخوارج أنهم ماذا؟ من أهل الإسلام، لكنهم فسقة وفجرة ومبتدعة وفرق ضالة. على هذا القول قول جمهور، المؤلف رحمه الله تعالى جنح إلى هذا المذهب، ويرى أن الخوارج ليسوا بكفار، ولذا ذكر هذه الأحكام التي يأتي بيانها. قال: ويحل قتال الخوارج إذا عرضوا للمسلمين في أنفسهم وأموالهم وأهاليهم. قتال الخوارج هذا مجمع عليه. قال المهلب رحمه الله تعالى: أجمع العلماء أن الخوارج إذا خرجوا على الإمام العدل وشقوا عصا المسلمين ونصبوا راية الخلاف أن قتالهم واجب. قال رحمه الله: أجمع العلماء أن الخوارج إذا خرجوا على الإمام العدل وشقوا عصا المسلمين ونصبوا راية الخلاف أن قتالهم واجب، وأن دماءهم هدر، فيقتلون ويقاتلون. الخوارج لكن متى، إخواني في الله؟ تأملوا إلى الجماعة المدعاة في هذا المسألة المذكورة في هذا المسألة إذا خرجوا، وأيضًا إلى قيد المؤلف ماذا قال رحمه الله تعالى؟ قال: ويحل قتال الخوارج إذا عرضوا. وتصور المسألة إخواني في الله، لا يكون هذا القتال وقتال الخوارج إلا إذا كانت لهم شوكة، إلا إذا كانت لهم شوكة، لهم تمركز في مكان، عندهم عتاد، عندهم عدة، معسكرات، نصبوا راية الخلاف، خرجوا على الناس. عينها يكون ماذا؟ القتال. لكن إذا لم يكن الخوارج على هذا الحال، وإنما هم أفراد معدودون في المجتمع، هذا رجل معلوم بين الناس على فكر الخارجي، وذاك آخر على فكر الخوارج، وخامس وسادس وسابع في تلك البلدة وفي تلك القرية قد تبنوا مذهب الخوارج، هؤلاء يقاتلون لا، لا يقاتلون. هؤلاء لا يقاتلون، وإنما يقاتلون إذا كانوا على شوكة، وإذا عرضوا للمسؤولين. هذا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه كان الخوارج في زمنه تركهم، الخوارج بل كانوا بالآلاف في فترة من فترات تركهم، لكن متى قاتلهم؟ لما هم خرجوا، خرجوا على الناس، سفكوا الدماء، حينها قاتلوا. إلا ما قتلهم، عاملهم معاملة ماذا؟ أهل الإسلام، لكم بلدة تعيشون ترعرعون فيها، المهم أنكم كفوا شركم على الناس. فإذا فعل ذلك تركوا، تركوا على ما هم عليه، ماذا تبنوا وما تعبدوا الله به. لكن إذا تجاوز بهم الحد إلى إشهار السلاح وإلى إخافة السبيل وإلى قطع الطريق وإلى قتل المسلمين، حينها تنصب لهم القتال. والأسف إخواني في الله، الكثير من الحكومات ومن ترأس بعض المسؤوليات في مكافحة الإرهاب يجهل مثل هذه المسائل. فصحيح إذا بعضهم يبادر إلى أمثال هؤلاء، لكن هذه المبادرة تأتي بأمر عكسي، يعني يعلموا أن فلان فلان على هذا الفكر، فإذن به ماذا؟ يتخذون الإجراءات التعسفية والتشديدات في حق هذا، يضر ويقتل ويعذب وينكل به حتى يخرج بأشد مما عليه. هذا معلم من فقه في دين الله، ولهذا العلماء ما قالوا بهذا. قال علماء أن قتال الخوارج إنما يكون إذا كانوا على شوكة، وعلى هذا كان سيرة السلف الصالح، يكون لهم شوكة وقاموا ونصبوا وشهروا السلاح، حين يقاتلون. أما دون ذلك فلا، أما دون ذلك فلا يقاتلون. إذن ما الذي بقي؟ النصيحة، تعلم الدولة، يعلم الناس، يعلم من هذا فلان وفلان على فكر الخوارج، يبقى بيننا وبين النصيحة، التناصح، التعاطف كما فعل علي لما سمع بالخوارج في حارورة، أرسل ابن عباس، أرسل ابن عباس يذهب يناصحهم، فوعظ، أخرج منهم الثلث، بل أخرج منهم النصف في بعض الروايات، كانوا ستة آلاف رجعوا معه ثلاثة آلاف، وفي بعض الروايات خرج معه أربعة آلاف بالموعظة. وهكذا الذي ينبغي للحكومات ومن أراد أن يحاول أن يهدي ويطمس هذه الجماعات يكون بهذا، بالنصيحة. لكن إذا استفحل الأمر فهذا أمره آخر. وعلى هذا تتنزل الفتاوى، بل حتى القابل العمال، بل حتى الأحاديث التي فيها ماذا؟ قتال الخوارج من السنة، كلها ما تدل على إذا خرجوا، أم إذا ما خرجوا؟ في مأمنهم يتركون على ما هم عليه، لكن بالنصيحة والاتعاظ وماذا؟ والترغيب. ونحن على ذلك، أما القتال فلا يتأتى ذلك إلا إذا كانت لهم شوكة كما كان عليه سيرة السلف، وعليه ماذا؟ فتوى العلماء، كقول الإمام البربهاري الذي بين أيدينا، حيث قال رحمه الله: ويحل قتال الخوارج إذا عرضوا للمسلمين في أنفسهم وأموالهم وأهاليهم. وهذا ما أخذ من سيرة سلفنا الصالح. قال: وليس له إذا فارقوه أن يطلبهم، إذا فارقوه تعدوا، أخذوا في رؤوس الجبال، إشمأزوا من المجتمعات، وأن تعلموا أن نظرتهم نظرة سوداوية لمجتمعات المسلمين، فارتحلوا، أخذوا متاعهم، أخذوا أهاليهم، أخذوا عاشوا في رؤوس الجبال وفي بطون الأودية. يتركون، لا إمام يطالبهم، ولا يتحرش بهم، يتركهم على ما هم عليه. نعم، الرقابة والحراسة لا بد منها، لكن لا تستبد الأمور. فلا. قال العلماء، وعليها كما قلنا هكذا، علم علي بن أبي طالب لما ارتحلوا وجلسوا في حارورة تركهم لحالهم، وما ماذا؟ بدأهم بقتال، ولا بشيء، وإنما يبقى التناصح بين المسلمين. قال: وليس إذا فارقوه، أي الخوارج فارقوا المسلمين، أن يطلبهم، لا يستدعيهم، ولا. وإنما يتركهم لحالهم. قال: ولا يجهز على جريحهم، إذا في حاجة دب الخلاف ودب القتال بين المسلمين وبين الخوارج، فإن لابد أن يكون التعامل معهم على أنهم ماذا؟ من أهل الإسلام. من هذه الأمور كما قال المؤلف: ولا يجهز على جريحهم، أحدهم سقط في المعركة، فلا تأتي يا عبد الله بالآلة تطيب ما أحب رصاصة في رأسه أو على قلبه تقضي عليه، لا. ماذا؟ مجروح، ماذا يجعل مع الجرح ويعالج؟ لأنه لا زال من أهل الإسلام، لأن شره قد انكف بسقوطه، بسقوطه شره على الناس قد انكف بهذه الجراحات، فماذا؟ فيجعل مع الجرح ويداوى. قال: ولا يجهز على جريحهم، ولا يأخذ فيئهم. هكذا المال الذي ماذا؟ تركوه، فلا يأخذ ماذا؟ غنيمة، كان غنيمة، لأن ماذا؟ لأن لا زال من أموال المسلمين. قال: ولا يقتل أسيرهم. وهكذا الأسارى، الأسارى من استسلم منهم أو من استولينا على جماعات منهم، فهؤلاء لا ماذا؟ لا يستعجل على قتلهم، وإنما يتركون في السجون، عل وعسى أن الله يهدي بهم ضال. قال: ولا يتبع مدبرهم. وهكذا من فر منهم ومن هرب منهم يترك، يترك. لماذا؟ لأن إذا قمعوا وانهزموا، فإن عودتهم صعب. طبعًا هذا إخواني مع التأمل، إمام مالك رحمه الله تعالى له كلام طيب في هذا المقام. قال إمام مالك رحمه الله تعالى: وإذا خيف منهم عودة، وإذا خيف منهم عودة، قال: أجهز على جريحهم وأتبع مدبرهم. إذا خشي الوالي من هذه الجماعة ومن هذه الفرقة الضالة أنهم سيعيدون الكرة، هناك قراءات تدل على ذلك، هناك مخططات عندنا، وثائق أنهم يسيرون على خطة منظمة، قتال هنا ثم بعد أيام قتال هنا، إذا هم خطة معينة، وأن هؤلاء إذا تركناهم سينضمون إلى أصحابهم. فهنا إمام مالك رحمه الله تعالى بيّن أنه إذا وجدت أن هناك نية لإعادة القتال للمسلمين، هنا لا، هنا يقاتلون بهذه الصورة، الجريح يقتل منهم، والأسير يقضى عليه، ومن فر منهم فإنه يلاحق. لماذا؟ إذا خفنا منهم العودة مرة أخرى، فماذا؟ يعطى لهم فرصة، وإنما يقضى عليهم، ما ليس لكفرهم، وإنما حتى يكف الناس عن شرهم، يكف الناس ماذا؟ عن شرهم. هذه إخواني في الله مسائل سريعة متعلقة بهذا الباب، وكما قلنا مسائل طويلة ذكروها العلماء في كتب المطولات. لكن المؤلف رحمه الله تعالى تتبنى هذه المسألة في أن الخوارج ليسوا بكفار، فأنزل أحكام البغاة عليهم. وأما من قال بكفرهم، وهم جماعة من العلماء، وكذلك من بعض المعاصرين من حكم بكفرهم، فإنه لا يقول بهذه الأحكام. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.