شرح السنة للإمام البربهاري 95

شرح السنة للإمام البربهاري 95

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 95، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية طاعة ولاة الأمر

يؤكد على أهمية طاعة ولاة الأمر وعدم الخروج عليهم، مستندًا إلى أقوال النبي وتوجيهات السلف. يُشدد على أداء الفرائض معهم وكراهة معصية الله دون نزع اليد من طاعتهم.

تحذير من الخروج على الحكام وظلم النفس

يُحذّر من الخروج على الحكام والاستمرار في الظلم، ويؤكد أن هذا الفعل لن يأتي بخير بل سيزيد الأمر سوءاً. يستدل بحديث النبي وأقوال العلماء.

علاقة صلاح المجتمع بصلاح الحكام وتأثير الظلم

يشرح العلاقة بين صلاح المجتمع وصلاح الحكام، ويحذر من الاستمرار في الظلم. يستدل بآيات القرآن وأقوال السلف لدعم هذه الأفكار.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: واعلم أن جور السلطان لا ينقص فريضة من فرائض الله عز وجل التي افترضها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، جوره على نفسه، وتطوعك وبرك معه تام لك إن شاء الله تعالى، يعني الجماعة والجمعة معهم، والجهاد معهم، وكل شيء من الطاعات فاشارك فيه فلك نيتك. هذه الفقرة، إخواني في الله، من المسائل المهمة التي تعتبر من المسائل التي ينبغي أن تطرق، وخاصة في أزماننا هذه، لغفلة الناس عنها. في هذه الفقرة، تطرق المؤلف رحمه الله تعالى إلى ذكر شيء من حقوق الولاة وحقوق الأئمة على الرعية، وذلك بأن تؤدى لهم الحقوق، ولو كانوا على ظلم، ولو كانوا على جور، ولو كانوا على ذنوب ومعاصي. يقول رحمه الله تعالى: واعلم أن جور السلطان، أي ظلمه وغشمه، وكذلك ما يتعلق بشجته على رعيته، أن جور السلطان لا ينقص فريضة من فرائض الله، أي لا تظن يا عبد الله أن كون هذا الوالي، وكون ذاك السلطان قد خرج عن العدل وعن إحكام الشريعة وعن تنفيذ ما أمر الله جل وعلا من إنصاف الشعب والرعية، لا تظن أن بخروجه من هذا الباب مسوغ لك أنك تنقص شيء من دين الله، وأن تفرط في شيء مما أمر الله جل وعلا به. فقال رحمه الله تعالى: لا ينقص فريضة من فرائض الله التي افترضها على لسان نبيه، جوره على نفسه، ما ظهر من ظلمه ومن جوره، وكذلك من خبثه إن كان على خبث طوية، قال: فلا تظن أن هذا الظلم يكون لسبيل غيره، وإنما قال: جوره على نفسه، وتطوعك وبرك معه تام لك. أما أنت يا عبد الله، فعليك أن تؤدي الذي أمر به نبيك صلوات ربي والسلام عليه. ثم بيّن رحمه الله تعالى شيء من هذه الحقوق، مثل: قال: يعني الجمعة والجماعة والجهاد، وكل شيء من الطاعات، فشارك فيه فلك نيتك. وهذه المسألة، إخواني في الله، كما قلنا من المسائل المهمة التي غفل الناس عنها، لكن أهل السنة من علماء ومن تربى على هذا المنهج السلفي المنهج السني، يعلم عظم هذه المسائل وكيف التعامل معها. فالتعامل معها، رعاك الله، أنك إذا رأيت الجور والظلم، ولو صدر من الولاة، فهذا ليس بمسوّغ لك على أنك تفارقه أو على أنك تخرج من طوعه أو على أنك تخرج عليه، فهذا لا يسوّغ لك. وقد جاءت الأدلة الكثيرة من السنة تدل على هذا الباب، كقوله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح مسلم، قال: صلوات ربي وسلام عليه: «ألا من ولي عليه والي فرآه يأتي شيء من معصية الله فليكره الذي يأتي ولا ينزعن يدا من طاعة». كلام واضح، كلام بيّن، كلام صريح، يفهمه من كان من أهل اللسان العربي. «ألا من ولي عليه وال، عليك والي، أمير عليك، سلطان قد استتبت له الأمور، وصل بالأمور الشرعية إلى سدة الحكم، ألا من ولي عليه والي فرآه يأتي شيء أنت لا تسمع بل تراه رأي العين، أي أنت متحقق من أمره، يأتي شيء من معصية الله، خمور ودعارة ونحو ذلك، وما تأتيك لك أخبار أنه فعل وترك وذهب واشترى ومع المومسات ومع الغواني، وفي أوروبا وفعل تأتيك شيء، بل هنا الحديث ليس سماعًا وإنما تيقن، فرآه يأتي شيء من معصية الله، العمل فليكره، فليكره الذي يأتي، ما كان من حرام فهو محرم إلى يوم القيامة، لا يبرر ولا يسوق ولا يسول للأمر بفعله، يقول: هذا مما حرم الله تكره، وإن كان لك عندك قدوة، نصح تنصح لذي سلطان بالدلة الشرعية وبالطرق الشرعية، قال: فليكره الذي يأتي ولا ينزعن يدا من طاعة، اليد تبقى، اليد تبقى في محلها، السمع والطاعة تبقى، الأمور بهذا الحال، لا ربط ولا تزامن كما يدعي البعض، ظهر منك الجور، ظهر منك المعاصي، تنزع الأيادي، لا اليد لا تنزع، تبقى الأيادي، كما قال: جوره لنفسه، ظلمه لنفسه، أما نحن فتبقى ماذا؟ أيدينا على ما كانت عليه، وبهذا أمر نبينا عليه الصلاة والسلام. فانظر يا عبد الله إلى منهاج النبوة وإلى تربية النبي عليه الصلاة والسلام، وما عليه الخلوف من الناس والألوف من الخلق، كيف منهاجهم؟ الله أعلم، خرجوا عن الجادة وخرجوا عن وصية النبي عليه الصلاة والسلام. ثبت هذا كذلك في صحيح مسلم، أو في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر»، من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، ما قال: فليخرج أو ليثور أو ليزعزع الأمن أو يؤذي الفتن والقلاقل في الأمة، ما أمر بهذا، وما الذي نراه الذي عليه العالم الإسلامي في هذا الأزمان من الصخب والضجيج والخروج عن الجادة؟ ما وقع ذلك منهم إلا لبعدهم، إلا لبعدهم عن تعلم السنة التي أمر نبيهم بتعلمها، وخاصة في أيام الفتن، وفي أيام المحن، وخاصة في باب الإمامة، وما الذي ينبغي أن يفعله العامة والخاصة في هذا الباب؟ فأمر نبينا صلوات ربي بالصبر، بل جاء ما هو أصلح من ذلك، ما جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «إن من سيعش منكم فسيرى أمورًا من بعدي أو أنكم ستجدون بعدي أثرة وأمورًا تنكرونها»، أخبر نبينا أن من سيأتي بعده سيجد الأثرة، وما هي الأثرة؟ كما يقول العلماء: الأثرة عبارة عن اختصاص أن البعض يختص بشيء دون البقية، تختص هذه الأثرة، نسميها مثل الأنانية، تأتي طائفة من الناس، تأتي مثراة بأيديهم، فيختص بها دون البقية، يجعل البقية ينظرون إليه وهو يأكل ويأكل ويأكل، أثرة نفسه على شعبه، هذه الأثرة. قال: «إنكم ستجدون بعدي أثرة وأمورًا تنكرونها»، فقال الصحابة: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أدوا الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم»، الذي عليك تؤديه، الذي عليك تؤديه، وهذا الذي ينبه عليه المؤلف رحمه الله تعالى من الجمعة والجماعة والجهاد مع الولاة، هذا يبقى، السمع والطاعة يبقى، كل ذلك يبقى في محله، هذا الذي عليك تؤديه. وانظر إخواني في الله إلى تربية نبينا عليه الصلاة والسلام، وما عليه الكثير من الدعوات والجماعات والمجتمعات كذلك، حينما خرجوا عن هذا المنهاج المستقيم. ونتأمل إخواني في الله في كتب أهل السنة قديمًا وحديثًا، قديمًا وحديثًا، يرى أنهم يسطرون هذه المسائل في كتب الاعتقاد، في كتب الاعتقاد، لأنها أصبحت من أوصاف المبتدعة، ومن خرج عن دائرة أهل السنة والجماعة، أن يكون هذا فكره، أنه يخرج، يثير، يأتي بالزلازل، يأتي بالفتن، يأتي بالمحن في مجتمعاته، بحجة أن هذا الإمام فعل أو أن هذا الوالي فعل، وإلا عبد الله أمرك نبيك، وإن رأيت شيئًا ليس سماعًا، ولا غالب ما يدور في المجتمعات عبارة عن سماع، سمعتم؟ أخبرنا، حدثنا، نظن، نشك، لا شك وراء أن في ذلك وفي ذلك تأتي التخرصات، نبيك ما قال بالتخرصات، بل قال: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه»، وفي رؤية يأتي معصية الله، ومع ذلك ماذا قال النبي؟ قال: «فليكره الذي يأتي من معصية ولا ينزعن يدا من طاعة». يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى في كلام بديع، يقول في هذا المضمار: «هم يلون منا خمسة»، وهو يتكلم عن حقوق الولاة على الأمة، قال: «هم يلون من أمورنا خمسة: الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود»، أي هذه الأمور هم يلتزمون بها، ونحن نؤديها معهم، الجمعة والجماعة والعيد والثغور، أي الجهاد، قال: «والحدود»، ثم قال رحمه الله: «والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، والله لما يصلحون به أكثر مما يفسدون». انظر: تؤدى الحقوق لهم كما قال رحمه الله، وإن جاروا وظلموا، وقع منهم الجور، وقع منهم الظلم، وقع منهم الغشم، وقع منهم ما وقع مما حرم الله، تبقى لهم، وإذا صلح الولاية تبقى لهم، لماذا؟ لأن مع هذا الظلم والجور، إن لأن في وجودهم من الصلاح العام ما ليس في غيرهم، وهذا من يأتي به؟ هذا الكلام يأتي به العقلاء، يأتي به العلماء. أما الذي ليس بعاقل وليس بعالم، ممن هو من أشباه العلماء أو ممن يدعي العلم وهو ليس أهلًا للعلم، أو كذلك من جهال الناس أو من عوام الناس، وخاصة ممن لا ينظر إلا تحت قدمه، ما يرى إلى مآلات الأمور، أو إن نظر ينظر إلى مصالح الشخصية، أو يرى إلى بعض الحماسات الفارغة، مثل أمثال هؤلاء لا يفتون بهذا الكلام الرصين، وإنما يفتون بكل ما في أنفسهم من غير حساب العاقبة، من غير حساب لمآلات الأمور، من غير حساب لأمر شريعة الله عز وجل، وبما أمر به نبينا عليه الصلاة والسلام. هؤلاء مثل عندهم رعونة، رعونة وبرودة في الفتوى، الناس يدخلون الأمة في خضم من الدماء، ما يعلم به إلا الله، لا يعلم به إلا الله جل وعلا، كم سمعنا إخواننا في المثال هؤلاء، والله العظيم لا أحد يشهد له بالفتوى، لا أحد يشهد له بالفتوى، حسبه داعية، داعية، لك مضمارك، لك كلماتك، لك مسائل، العامة تدعو الناس إلى الأمور المجملة، فإذا به يتقمص الزي العلماء، ويتكلم باسم الفتوى، وأنه أهل الفتوى، فيتكلم في مسائل الدماء، النوازل العظام، الذي أمر الله جل وعلا أن تحال الراسخين من أهل العلمية، إذ بهذا كم يقال: الصغير الغمر يتقمص الزي العلماء، فيتكلم أمام القاصر والداني، في التلفاز والقنوات، في مثل هذه المسألة التي تقع في بياد المسلمين، بالخروج، واجعلوها سلمية، واجعلوها سلمية، والناس يتبعونه، ظنوه كما يقالوا: أسدًا، وظلوه رجلًا عالمًا ربانيا، بمعدمه، تخمص تلك الشخصية بإمرام عمامته، وتقصير ثوبه، وأصبغ لحيته، وخرج بالناس باسم الحماس والدين، يتكلم: خروج، خروج، وإذا رأينا بالدواهي رأينا الدواهي الذي مزقت القلوب، دماء وأشلاء، وذبح وقتل وتقتيل لأبناء المسلمين، الرجال والنساء والأطفال، الكل على حد سواء، ولا زالت المجازر إلى الآن، لو حسبت بلغت عشرات الألوف، عشرات الألوف من دماء المسلمين، ذهبت بدم بارد، بدم بارد، من الذي أفتى بهذا؟ عقلاء؟ لا والله، علماء؟ لا والله، إنما الأغمار، الأغمار الصغار، الدعاة الذي ليس أهل الفتوى. لو أن كل واحد منا، إخواني فينا، علم حد نفسه، ومسك الزمام أمره، وعلم أن هذه الأمور النوازل العظام، مسائل للدماء، ترجع إلى العلماء، لكفى الله الأمة، لكفى الله الأمة من هذا الشر الذي يدب، وهب في مجتمعات المسلمين، العلماء يسكتون على خوف، على وجل، على دراسة، وإذ بهذا الغمر يقتحم من القنوات، ويتكلم بما شاء، ويحرّض، بل يتهم، ويغمز، ويطعم في أهل العلم، بأنه أولئك: جبنوا، أن هؤلاء قد تقاعسوا وتخاذلوا، وما درى المسكين أن الجماعة قد مسكوا لعظم الأمر، فتوى يفتون عن رب العالمين، ليس هينة، الكلمة فيها، كم يقال: ربما تجرهم إلى غضب الله جل وعلا، يتريثون، ينظرون، يتكلمون عن علم، أما هؤلاء الأغمار يتكلمون بما شاء. ثم انظر ما الذي جلبته الأمة من أفتاتهم؟ وهؤلاء: الويل والثبور والنكال على أمة محمد عليه الصلاة والسلام. فإخواني في الله، في مثل هذه المسألة الدقيقة العظيمة، ينبغي أن تدرس، وينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار، أنها تجعل الراسخين في العلم، وكفى الله الأمة من شر الأغمار، ومن فتاويهم، وما يأتون به من كذلك من البلاء. ثم نعلم إخواني في الله حجة من يحتج بمثله، وهذا نبّه عليه: حجة من يحتج بإثارة الفوضى، أو أنهم لا يؤدون الحقوق للولاة، والصلاة يأمرون الشعوب الرعية بأداء الحقوق، فيأتي الواحد من الناس، يقول: أنا لا أوفي الحق، ويش أودي لهذا الظالم الذي أخذ الذي سلب الذي نهب الذي غش الذي أكل من أموالنا، والله ما أعطيه شيء من مالي، فيقطع من حقوق الله الذي أمر الله بإعطائه للولاة، يقطع بحجة أن هذا ظلم. نرجع الآن إلى مسئلة، وهي مسألة كميقات، ستكون سلسلة، سلسلة بعض، وأخذ ببعض. إذا قام الرعية بهذا الفهم، أنهم تركوا ما أمر الله جل وعلا به، إذن وقعوا في الظلم، فحينها يأتي البلية، إذا كان وقع من الأمراء شيء من الظلم، ثم عامل الرعية هذا الظلم بالتماد بالظلم، فإن هذا الذي فيه ظلم سيكون أظلم مما قبل، لأن القاعدة، والذي هذا من بديع أقوال أهل السنة والجماعة: أنه كيفما تكونوا يولى عليكم، هذه مسألة فيها طرائق، كيف يكون المجتمع، فسيكون الوالي على حال المجتمع، إذا كان المجتمع على حاله من الصلاح، على حالة من الاستقامة، فإن الله جل وعلا سيولي عليهم الخيار، وإن كان المجتمع على حالة من الشر والفسوق والمجون والتمرد على شرع الله، فإن الله جل وعلا سيولي عليهم من أمثالهم. ولك يا عبد الله أن تسمي هذا: فقه الواقع، انظر إلى واقع المجتمعات، انظر إلى كل أمة وإلى رأسها، قارن بينهما، تجد أن الله ما ظلم العباد، المجتمع الذي يظهر فيه التوحيد والاستقامة، ولزوم السنة والمتابعة، الخير، وفعل الطاعات، تجد أن من الولاة على مثل هذا الشعب من الخيرية والاستقامة، والحب للدين، وإذا رأيت الشعب فيه النوع من العناد والتمرد، فإن الوالي يكون من جلدتهم، من بني جلدتهم، ومتى ما رأيت من الشعوب والمجتمعات من الكفر والمروق والزندقة، فإن الله جل وعلا يولي عليهم الزنادقة. ولك يا عبد الله أن تتأمل في الأمم والملوك والسلاطين والمجتمعات قديمًا وحديثًا، ترى أن هذه القاعدة لا تنخرم، لا تنخرم، وعلى هذا جار فهم السلف، الحسن البصري رحمه الله تعالى، رأى رجلًا يدعو على الحجاج، وأنتم تعلمون من الحجاج السفاك، ذكر الحجاج يذكروا السيف معه، الذي بطش في الأمة وقتل، وسل السيف عليهم، فرأى الحسن رأى رجلًا يدعو على الحجاج، فماذا قال الحسن؟ قال: «ويحك لا تفعل، رحمك الله، لا تفعل، رحمك الله، قد يستغل بعض»، هل هذا حبًا من الحسن في الحجاج؟ لا، انظر لتمام العبارة، قال: «لا تفعل، رحمك الله، هذا جزاء»، أراد الحسن أن يطبق هذه القاعدة، على أن أنتم ما ولي عليكم مثل هذا الظالم إلا من أنفسكم، إلا من أنفسكم، قال: «لا تفعل، رحمك الله، إنكم من أنفسكم أوتيتم»، فإني والله أخشى إن قتل الحجاج أو مات، أن يولى علينا القرد والخنازير، أن يولى علينا القرد والخنازير، لأن في مجتمعه ظهر الخروج، ظهر الخروج عن الجادة، عن الصراط المستقيم، عن الطاعة، أقبل الناس على الدنيا، على الرذائل، فلما أقبل الناس على هذا، ابتلاهم الله بمثل هذا الوالي، وأراد الحسن أن كلما زدنا، زدنا في الطغيان، سيولى علينا من هو أخبث من الحجاج، من القرد والخنازير. ولهذا يقول ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى في شرح الطحاوية، بكلام بديع، على هذا السياق، وعلى هذا النظام، يقول: «إن الله ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، إن الله ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا»، ثم قال: «فإن أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير، فليتركوهم الظلم»، هذا الذي نريده، إن أردنا أن نريد من هذا الأمير أو من السلطان أن يترك الظلم، فعلينا يا إخوان نترك نحن الظلم كرعية، فإن تركنا الظلم، تجد أن هذا الإمام سيصلح حاله. إذا رأينا كما يقال: بعض الأمم والمجتمعات ترمي ذاك الأمير والسلطان بأنه صاحب أموال، وينهم أموال الناس، لكن انظر المجتمع، ترى أن المجتمع مصاب بهذا الداء، بهذا الداء، لأن الرعية أصلحوا من أنفسهم، لأصلح الله الأمراء، القاعدة: كما تكون يولى عليك، وحتى قال من قال من أهل السنة: «كونوا كمثل أبي بكر وعمر يولى عليكم من أمثال أبي بكر وعمر»، أما نحن على فساد المجتمعات، على رذيلة، ثم نطلب من الله أن يأتي لنا بأهل الصلاح، وهم نحن على هذا الحال، ما يستقيم أبدًا، عباد الله. وقد مر معنا في دروس من دروس قديمة، تذكرون، ذكر العبارات الكثيرة عن سلفنا الصالح، وخاصة عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَالِمِينَ بَعْضًا﴾، كان أهل السنة يستأنسون بهذه الآية على أن الأمراء إنما يكونوا من حال الرعية، إن كانوا على صلاح، كانوا على صلاح، وإن كانوا على فساد، كانوا على فساد. فأنت يا عبد الله إذا استمررت في ضلالك وفي ظلمك، وعدم تأدية الحقوق الذي أمر الله جل وعلا بها، بحجة أن الأمير ظالم، اعلم أن فعلك هذا لا يأتي بخير، بل إن عاقبته ستأتي بما هو أشد وأكثر مما كنت تهرب منه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.