الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 110، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يذكر المؤلف رموز أهل البدع ويحذر منهم، ويبين أنهم كانوا على الردة وضللوا الناس. كما يستفاد عدم جواز تمجيد أهل البدع والثناء عليهم.
المقطع يبين جواز تعيين المبتدع وتحذير الناس منه، ويفرق بين الترجمة والتحذير، ويستدل بفعل السلف وأقوالهم في ذلك. كما يوضح ضوابط التكفير وضرورة عدم إغلاق بابه أو فتحه بدون ضوابط شرعية.
يشير إلى ضرورة الرجوع إلى أهل العلم في الأمور التي تحتاج إلى تفسير دقيق، ويختم بالتضرع إلى الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وانظر إذا سمعت الرجل يذكر ابن أبي دؤاد وبشر المريسي وثمامة أو أبا الهذيل أو هشام الفوطي أو واحدا من أتباعهم وأشياعهم فاحذره، فإنه صاحب بدعة، فإن هؤلاء كانوا على الردة. وترك هذا الرجل الذي ذكرهم بخير، ومن ذكر منهم لا زال المؤلف رحمه الله تعالى، وخاصة في هذا الفصل الأخير من هذه الرسالة، يتكلم على مسائل متنوعة متعلقة بالبدعة ومتعلقة كذلك بأهلها. فهنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه العبارة في بيان لبعض الرموز والرؤوس لأهل البدع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وانظر إذا سمعت الرجل يذكر ابن أبي دؤاد. المؤلف هنا رحمه الله تعالى أشار إلى بعض المبتدعة، أول من ذكر ذكر ابن أبي دؤاد، وهو الداعية للإعتزال، وهو الذي كانت فتنته سببا لوقوع السيف على أهل السنة في زمان المأمون والمعتصم، فقتل من قتل من أهل السنة ونُكِّل بهم. وكان هو السبب الذي أثار الفتنة، عليه من الله ما يستحق، وهو رأس من الرؤوس المبتدعة، حتى قال عنه الذهبي رحمه الله تعالى: كان جهميا بغيضا، جهميا بغيضا. وذهب جماعة من أهل العلم إلى تكفيره، لأنه رجل عالم وعارف يعلم الحجج، فكفره جماعة من أهل العلم. هذا هو ابن أبي دؤاد، وكان يُسلِّط الولاة على الإمام أحمد، حتى كان يقول للوالي: يا والي إنه كافر بالله، أقتل إنه كافر بالله، أقتل. ومرت معنا في دروس قديمة حول فتنة هذا الرجل على أهل السنة والجماعة، حتى أن أهل السنة ما سلموا منه لا في أرض الإسلام ولا حتى في أرض الحرب، سلموا من شره. قال: وبشر المريسي، كذلك بشر المريسي رأس من رؤوس المبتدعة وضال المضل، بل بلغ من الضلال أن ذهب جماعة من أهل العلم إلى تكفيره، وإلى أنه كافر. قال أبو زرعة رحمه الله تعالى: بشر المريسي زنديق، بشر المريسي زنديق. وقال عنه قتيبة رحمه الله تعالى: بشر كافر. فجماعات من أهل الإسلام كفروا هذا الرجل لخبثه وضلالاته وبدعه الاعتقادية التي بثها في الأمة. قال: وثمامة، وهو ثمامة الملقب بأبي معن، كنيته بأبي معن، وهو ثمامة بن أشرس البصري، وهم الرؤوس المعتزلة ومن كبارهم. وكذلك تكلم حتى في دينه، قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى: وهو يتكلم وترجم لثمامة، قال عنه: كان ثمامة من رقة الدين وتنقيص الإسلام والاستهزاء به وإرسال لسانه ما لا يكون على مثله يعرف رجل يعرف الله ويؤمن به. أي أتى باعتقادات وأقوال لا يقولها رجل يعرف الله، لو أنه يعرف الله حق المعرفة لما تلفظ بهذه الأقوال والاعتقادات التي أتى بها. وحتى بلغ به الأمر إلى إرسال لسانه على دين الله والاستهزاء بشرع الله سبحانه وتعالى، من ذلك ما ذكر عنه أن أهل المقلدين من أهل الكتاب ومن عامة عباد الأصنام أن هؤلاء في الآخرة لا يدخلون النار، وإنما يكونوا ترابا. وهكذا ذكر على أن الفاسق صاحب المعصية إذا مات وهو عاص لله ولم يعرف عنه توبة فإنه يخلد في نار جهنم، وله أقوال غريبة عجيبة تطعن في دينه، فهو مبتدع ضليل. قال: أو أبى الهذيل، وكذلك من رؤوس المبتدعة محمد بن الهذيل، وذكرنا من العلماء في عقيدته، قال الخطيب رحمه الله تعالى: كان خبيث القول، كان خبيث القول، فارق الإجماع ورد نص كتاب الله، وجحد صفات الله تعالى، الله عما يقول علوا كبيرا. هكذا يقول الخطيب رحمه الله تعالى في حق هذا الضليل المبتدع أبي الهذيل. قال: أو هشام الفوطي، كذلك هشام الفوطي هو من المعتزلة، بل من خبث هذا الرجل مع أنه معتزلي وكفاه شرا وخبثا أنه اعتنق هذا المذهب، إلا أنه زاد في الاعتزال بدعا، زاد في الاعتزال بدعا كثيرا. حتى قال صاحب الوافي بالوفيات: زاد على أصحابه المعتزلة بدعا ابتدعها، منها أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين. ومنه نشأ قول معتزلة في الأخير على أن الجنة والنار لم تخلقا، فهو الذي ابتكر وهو الذي أتى بهذه العقيدة الخبيثة من إنكار وجود الجنة والنار. وأيضا هشام ابتكر هذا الفوطي ابتكر عقيدة غريبة في مفادها يقول على أن المسلم رجل مسلم في دنياه يعمل الصالحات ويؤدي شعائر الله، أن هذا المسلم لو أنه في علم الله سيموت كافرا فإنه الآن كافر. يعني طبعا ما أحد يدري بعلم الله على ماذا يختم بحال الرجل. فيقول هذا الفوطي بهذه العقيدة الغريبة، قالوا أن مسلما يعمل الصالحات، لو أنه في علم الله أنه سيموت كافرا فإنه الآن كافر، والعكس بالعكس، قالوا أنه كافرا يعبد الأوثان يعبد الأصنام يعبد الصليب، وهو في علم الله أنه سيكون مسلما في آخر عمره، فإنه الآن مسلم، فإنه الآن مسلم. وهذه كما قال عن عقيدة لم يقل بها أحد من الناس، حتى استنكر ابن حزم رحمه الله تعالى لما ذكر هذه العقيدة، قال: وهذا ما قاله مسلم قط قبل هشام الفوطي، ما أحد أتى بهذه العقيدة أو هذه الفكرة من أبين العالمين إلى هذا الرجل، ماذا رديء القول؟ فهذا هو هشام الفوطي. فالحاصل إخواني في الله، المؤلف ذكر نماذج، طبعا هذا وكل واحد من هؤلاء تحتهم مسائل كثيرة، لكن هي إشارات إلى ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى. المؤلف رمز إلى رؤوس من أهل بدع، ابن أبي دؤاد، بشر المريسي، ثمامة بن الأشرس، أبو الهذيل، وهشام الفوطي. وثم قال رحمه الله: أو واحد من أتباعهم وأشياعهم، فاحذره، فإنه صاحب هوى أو صاحب بدعة. إلى آخر كلامه. هنا، تأتي مسائل مستفادة من هذه الفقرة. المسألة الأولى إخواني في الله، يستفاد من كلام المؤلف رحمه الله تعالى عدم التلميع والتمجيد لأهل البدع، ما ينبغي ولا يجوز لمن كان معتنقا لمذهب السنة أن يجعل لسانه يلهج بتمجيد والثناء على أهل البدع. قد مر معنا في دروس الماضية أن من صنيع أهل السنة والجماعة أنهم يذمون المبتدع، المبتدع حقه الصغار، حقه الهوان. وهذا مصداق ما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام: وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، من خالف أمر الرسول من خالف أمر السنة، فحقه الصغار والهوان والمذلة. وجعل الصغار والذل والهوان على من خالف أمري، وعلى هذا جرى السلف على أنهم لا يلمعون ولا يمجدون، ولا كذلك يحسنون إلى المبتدع، بل المبتدع حقه في المجتمع أن يمحى، أن يلغى، أن لا يمكن له، لأنه رجل خبيث القول، خبيث الاعتقاد. ما وصل إلى ما وصله من البدعة إلا بعدما تطاول على شرع الله وتطاول على سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وغرز في دين الله عز وجل ما ليس فيه، وغير ذلك من الأضرار الخبيثة، والتي قد مر بعضها معنا في دروس قاعد قديمة حول بعض ثمار أهل البدعة. فإذا كان المبتدع بهذه المثابة وبهذه الصورة من التلاعب بدين الله وعدم تعظيم شرع الله، فلا ينبغي أن يزكى أو يمدح أو يمجد، وإنما هذا يحذر منه كما فعل مؤلف رحمه الله تعالى ها هنا. كذلك فيه فائدة ثانية، وهو جواز تعيين المبتدع بأسمائهم، هذه مسألة للأسف كثير من بعض المعاصرين أو بعض من تأثر بالمجتمع، ورأوا أن مذهب السنة يعيش في حالة من العزل، فيرى أنه ما ينبغي أن نذكر الأسماء، ما ينبغي أن نذكر أو نشهر أو ما يسميه بالتعيير، أن نعير الناس بأسمائهم. إن كنت يا عبد الله عليك أن تحذر فحذر بالأوصاف، ما بالأقوام، لا يا عبد الله هذا ليس بلازم. نعم صحيح التعميم ينفع، لكن هل هذا ينبغي أن تلتزم به أنك ما تذكر أحدا أبدا ولو كان مبتدعا ولو كان رأسا لا تذكره. من يقول بهذا؟ نبينا صلواته ربي وسلامه عليه كان يقع من أصحابه بعض الأخطاء، ومع ذلك يصرح بأسمائهم عليه الصلاة والسلام. وهكذا درج السلف على كل مخالف، ثم على حسب مخالفته، فكان السلف رحمه الله تعالى إذا اضطر الأمر إلى تعيين رجل بإسمه، فلان بن فلان، سموا بإسمه تحذيرا لشره. وهذا الذي فعله أبو الحسن البربهار رحمه الله تعالى، ذكر أسماء ناس، ابن أبي دؤاد، بشر المريسي، ذكر أبا الهذيل، ذكر كذلك هشام الفوطي، وجماعة. فهذا فيه صنيع المؤلف يدل على أن ما كان عليه سلف صالح، وهذا المنوال أنه الأمر إذا احتاج إلى تعيين يعين الشخص بإسمه، سواء كان فاسقا، سواء كان فاجرا، سواء كان منافقا، سواء كان مبتدعا، إذا كفى شره، وذا ما علم خطره إلا بتعيينه فإنه يعين. أما من أراد أن يميت هذه المسألة ويجعل أنه ما ينبغي التعيين، وإنما ينبغي يكفيك أنك تعمم أو تأتي بالصفة، فقل هذا الأصل، إذا كان شر المبتدع أو أن الشري سيعرف بصفته، انتهى الإشكال. لكن إذا لم يعرف إلا بالتحذير، أو طار شره الناس، في هذا أزمة. مثاله عند الرؤوس من المبتدعة، أصبحت لهم منابر مرموقة، لهم أصوات مسموعة، لهم صولة وجولة في مجتمعات المسلمين، فهذا أنت قد تصف، لكن الناس ما يستوعبون من تريد، فإذا اضطر الأمر إلى ذكره يذكر، لماذا؟ تحذيرا لشره، وتبيينا للأمة من خطره، حتى لا يندس على أمة محمد بما لا يحمد عقبا. وهذا ذي فعله المؤلف رحمه الله تعالى هاهنا هو عين الصواب، وذكر أناسا بأسمائهم. كذلك مما يستفاد من هذا الباب، ماذا بعد التعيين؟ أنك لك أن تذكر ما فيه من خبث. طبعا هؤلاء الأسماء الذين عندنا، قد يقول قائل: يا أخي أنت لماذا لا تأتي بما فيه من خير؟ نعم هؤلاء فيه لهم ذهب للتراجم، يجد أن بعض هؤلاء عندهم أياد بيضاء، عندهم ما نسميه بحسنات، عند بعضهم فضائل لهم من الأخلاق، بعضهم عندهم من التعبد، بعضهم بعضهم عندهم أشياء فضائل. فبعضهم ينكر على أهل السنة يقول: أنتم لماذا هكذا؟ أنتم لماذا لا تلتزمون العدل مع المخالف؟ أنتم عندما تأتون إلى المخالفين من خالفكم، تأتون له بشر أعماله، مع أن هذا رجل مصلي، مع أنه مزكي، مع أنه عابد، مع أنه التالي، مع أنه مناضل، مع أنه داعي إلى الله، مع أنه موحد. فيه اجتزاء الفضائل، لماذا تأتون إلى هذا الأمر الذي وقع فيه من بدعة؟ تذكرون ولا تذكرون ما فيه من خير. وبهذا ظهر ما عندنا فيما يسمى في هذا الأزمان بمصطلح غريب جديد، وهو شيء طرأ على مذهب أهل السنة وجماعة، بما يسمى بالموازنة. وفيه أن أصحاب هذا المنهج يلزمون أنك إذا ذكرت أحدا من المخالفين، عليك أن تلتزم العدل معه، وجه العدل أنك تذكر ما عنده من شر وتذكر ما له من خير. وهذا صحيح؟ طبعا هذا ليس بصحيح، بل أهل السنة والجماعة يذكرون المبتدع بما فيه من شر، دون ذكر ما عنده من حسنات، دون ذكر ما عنده من حسنات. بل رأوا أن ذكرها أو لا أن ذلك من العبادات، وأن ذلك ليس من الغيبة، حتى قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: ليس لأهل البدع غيبة، إنما يذكرون في كل آن وفي كل حين، تذكر ما عليهم من شر. وهنا نبين إخواني في الله على مسألة أن بعض الناس قد تشكل عليه هذه المسألة. يقول أخي: صحيح أنا أرى في كتب أهل السنة من القدماء، إذا سطروا وتكلموا عن بعض المبتدعة، ذكروا عن بعض فضائلهم، عن جهادهم، عن كتاباتهم. طبعا أنتم لماذا تتسيرون على منهج السلف في هذا الباب؟ إخوانا من بغي أن نفرق في مسألة، وهنا مسألة يقع فيها الإشكال. أهل السنة والجماعة إذا أرادوا أن يتكلموا عن مخالف، هم يكونون بين مقامين، بين مقامين اثنين. منهم من يتكلم عن المخالف من باب الترجمة، ومنهم من يتكلم عن المخالف من باب التحذير. فباب الترجمة له وقع وله صورة، وباب التحذير له وقع وله صورة. فإذا أراد إمام من أئمة السنة قديما أو حتى حديثا، إذا أراد أن يتكلم عن رجل من المخالفين، من أي باب ستتكلم عنه؟ يقول: أنا ستكلم في باب الترجمة، وهذا يقع متى؟ يقع إذا أراد إمام من أئمة السنة، مثال أو رجل كاتب، يريد أن يكتب ترجمة عن رجل، عن تاريخ حياته، في باب التاريخ، في باب السير، في باب القصص. يريد أن يترجم لرجل، فالذي ستتكلم في هذا الباب لابد أنه يلتزم ما يسمى بالموازنة، كما تنازع لهذا المصطلح، يذكر لهذا الرجل كيف تربى، وأين عاش، وأين ولد، وكيف ترعرع، ومتى نشأ، وعند من درس، وما أفعاله في دين الله من خير فخير، ومن شر فشر. كان عابدا زاهدا، قارئا تاليا، مجاهدا، وكان ضالا مبتدعا، يذكر الذي له، يذكر الذي عليه، على هذا ما تأتي. إذا أراد أن يترجم ترجمة، لكن إذا جاء في باب التحذير، لا أحد يذكر ما له، ما عليه، يذكر الشر الذي فيه. ولهذا أخوان، بعض الناس يضطرب، يأتي إلى بعض الكتب التي فيها ترجمة، ويلزم أهل التحذير أن يسيروا على حذوه، وهذا غلط، هذا خلط. ما حين يقول بهذا؟ ولهذا تنظر إلى كتب الجرح والتعديل، هل أحد من أهل صحاب الجرح والتعديل يذكر ترجمة، يقول: فلان كان وكان، لا يقول: ضال مبتدع، فاسق، ضعيف، كذاب، ما يترجم له. لكن هذا بنفسه الذي حذر، إذا ألف كتابا في الترجمة، ماذا يفعل؟ ينفسح المجال، يتكلم عن صغره وعن كبره، وعن أخلاقه، وعن فضائله، وعن أعماله، وعن خيره، وعن شره، يترجم. انظر ما الذي فعل الذهبي هنا، وفعله الحافظ بن حجر هنا، وهنا يفرقون في باب الترجمة له وقع خاص، يذكر ما له، ما عليه. ستترجم كما يقول: أنت تريد تتكلم عن رجل من، وإليه تذكر الذي كل الذي له، والذي عليه، هذا ترجمة. لكن في باب التحذير، أنت غير ملزم، ولا أحد يلزمك. فهنا لما هذه الأمور كانت مواضعة عند السلف، وعند العلماء، جاء الذي لا يفرق، ألزم أصحاب الجرح والتعديل وأصحاب التحذير أنكم تحذون حذو هؤلاء، لا، ما حد يقول بهذا أبدا. ومن أراد أن ينظر يراجع كتب العلماء من ألف في الجرح والتعديل كيف كتابته، ومن ألف في التراجم هو نفسه كيف كتابته، فرق بين هذا وبينها. ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى هنا في ماذا؟ في باب التحذير، فما ذكر شيء من فضائلهم، ما يتكلم في الباب بهذا. لو أراد يتكلم في ترجمة أبي دؤاد، سيتكلم عن صغره وعن كبره، وكان قاضيا، وكان على فصيحا في اللغة، وكان ذكيا، وكان سيتكلم بما له، وما عليه. لكن هنا في مقام التحذير، فينبغي إخواننا أن نفرق في هذه المسألة التي وقع فيها الخلط عند بعض، والأسف لا يقول عند العامة، بل حتى عند بعض الدعاة، وعند بعض من ينتسب إلى الفكر، أنه ماذا يلزم أهل السنة أن في كل تحذير لابد لك أن تذكر الخير والشر، وهذا لا يقول به أحد أبدا ممن عرف وتمعنا ونظر إلى منهج سلفنا الصالح. كذلك في هذه المسألة أن المؤلف رحمه الله تعالى من الفوائد أنه لما حذر من المبتدعة اختار الرؤوس، اختار الرؤوس، وحذر من الرؤوس، وهذا الذي قلنا ينبغي ونكرر عليه، فأثناء التحذير الأصل أنك تحذر من المبتدعة كعامة، لكن إذا أردت أن تعين فركز على الرؤوس، ركز على الرؤوس، لا تنشغل بالصغار، لا تنشغل بالذيول، أو أنك تجعل دعوتك مكرسة إلى رجل ليس بذاك، ليس بذاك في البدعة، قد يكون مقلدا، قد يكون عاميا. فإخواني في الله ينبغي أن ننظر إلى حال سلفنا الصالح هنا، أبو الحسن البربهار رحمه الله تعالى حذر وعين أشخاص، ننظر من هؤلاء الأشخاص، رؤوس من أراد أن ينظر إلى بدعة، لوصف عند المترجمين بأنه رأس في البدعة، أبو الهذيل رأس في البدعة، هشام الفوطي رأس في البدعة، الأشرس رأس في البدعة. كل هؤلاء رؤوس في البدعة، أما يا إخوان بعض الناس يفتح باب التحذير من المخالفين، فيذكر من هب ودب، يذكر من هب ودب، يذكر الصغير والكبير والنكرة، لا، ما كان السلف يذكره النكرات في زمن البربهار رحمه الله تعالى، يعفى أنه هناك مئات مبتدعة، لماذا ما ذكرهم؟ إمعه نكرات. فليس من الفقه يا عبد الله أن تأتي إلى مبتدع وهو كما يقول ليس له أثر في البدعة، وليس له نشاط في البدعة، وليس رأسا، وليس بداعية، ثم تأتي وتذكره، تلمعه، بل فعلك هذا إحياء للبدعة، إحياء للبدعة. سلفنا الصالح رحمه الله تعالى كان بعض يطلب منه أن يذكر فلانا بم فلان من المبتدعين ونكره، لماذا؟ أرفعه، ما أذكره، يموت مع الناس. لكن إذا كان رأسا يذكر، تحذيرا لشره، وعلى هذا جرى سلفنا الصالح. وهذه قصة ذكرها الإمام عبد الله بن أحمد رحمه الله تعالى، يعني يحكي عن أبيه في هذه الطريقة، يقول عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ما تقول في أصحاب الحديث، أي طلاب علم في أصحاب الحديث يأتون الشيخ لعله أن يكون مرجئيا أو شيعيا أو فيه شيء خلاف السنة. طلاب علم من هذا الحديث، ربما يطلبون علم عنده شيخ، وهذا الشيخ ليس سني مية في المية، بل عليه أشياء، قد يكون عنده إرجاء، قد يكون عنده ترفض، تشيع، أو عنده شيء مخالف للسنة. فقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: أيسعني أن أسكت عنه أم أحذر منه؟ هنا السؤال: السكوت أم أني أحذر، أشهر به؟ فقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إذا كان يدعو إلى بدعة، وهو الإمام وهو إمام فيها، يدعو إليها، نعم تحذر. هكذا إخوان، موازين تحذر، ويأتينا واحد، يعني ينصب نفسه في باب الجرح والتعديل، من بعض الأغمار والصغار، إذا رأى مخالفة لا أقول بممتعض، بل حتى من إخوانه إذا رأى بها مخالفة، يأتيك بأقوال السلف، وأنا محذر، وشهره، ويؤلاء، ويؤلاء، بأعيانهم، فيصرح ويصرخ. لا يعرفون لا بتأليف ولا بكتابة ولا بدعوة، هم كما قال: نكرات في مجتمعاتهم. فيأتي هذا السني بعد حسنية، والتطبيق لمنهج السلف في التشهير وفي الذكر والتعيين، فيأتي فيعين، لكن في غير محله، فليس كل واحد يذكر، ماذا بأمره؟ إلا من كان رأسا، كما قال الإمام أحمد: يدعو إليه، وكان إماما، هذا خطره واضح، يشهر باسمه، ويحذر، حتى يعلم الناس. أما إذا كان نكرا يا عبد الله، فإنه ينزجر بأي شيء من غير ذكر، إلا إذا احتاج الأمر لذلك، فلكل مقام مقال. وكذا إخواني في الله في قول المؤلف رحمه الله تعالى: هؤلاء كانوا على الردة، في كذلك موضوع التكفير، والناس في باب التكفير على طرفين ووسط. من أهل الناس من أغلق باب التكفير، ولو ما ينبغي لأحد أن يكفر أحد من أمة محمد، الكل على الإسلام، والكل على الإيمان، والكل موحد، إلى أن يلقى الله، مهما أتى من طوام، أتى من الكفريات وشركيات، يترك، وبالمقابل على طرف آخر، منه من فتح باب التكفير، بل كسر باب التكفير، وأصبح يكفر من شاء، وكيف شاء، وعلى أي شيء، لو حتى في مخالفة أو في معصية أو في ذنب أو على سوء فهم أو على مخالفة أو مسألة خلافية اجتهادية، لربما كفر صاحبه عليها. كما تفعل زمرة التكفير والهجرة، ونحو ذلك، يكفرون المجتمعات على أدنى الأمور. هؤلاء الطرف الأول أغلق التكفير، والثاني خاض في بحر التكفير، والقول الصحيح والقول الوسط: ألا لا نغلقه غلقا محكما، ولا يفتح بابا مشرعة، وإنما يفتح بضوابط التكفير. يبقى من وقع في كفر، من وقع في شركيات قولية فعلية اعتقادية، من قول أو فعل أو اعتقاد أو شك، فإنه يكفر، لكن بضوابط، بضوابط شرعية، بانتفاء الشروط، وانتفاء الموانع، وإقامة الحجة، وأن تكون من عالم، نحو ذلك شروط تنضبط. والمؤلف رحمه الله تعالى إنما دخل في تصويب، قالوا: هؤلاء كانوا على الردة، لأن هذا أمور ماذا قد توفرت عند المؤلف رحمه الله تعالى، يرى المؤلف أن هؤلاء الرؤوس قادة ماذا؟ ليسوا بجهلة، وليسوا يعذرون بجهلهم، بل هم علماء ويعرفون، والحجة قد أقيمت عليهم، وأنهم كذلك الشروط قد انتفت، فرأى أن هؤلاء وصف التكفير انطبق عليهم، فكفروا. قال: هؤلاء كانوا على الردة، فالتكفير ليس يغلق إغلاق المحكمة، وليفتح فتحة مشرعة، وإنما يفتح لكن بضوابط. وطبعا قالوا: إلى أهل العلم، إلى الراسخين من العلم، يعرفون كيف إطلاق هذه الأمور. فهذه إخواني في الله مسائل سريعة متعلقة بهذه الفقرة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.