شرح السنة للإمام البربهاري 141

شرح السنة للإمام البربهاري 141

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 141، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التحذير من مجالسة أهل البدع في القرآن والآثار

يتناول التحذير الإلهي لنبيه موسى عليه السلام من مجالسة أهل البدع، ويبين أن هذا التحذير جاء في آثار مروية عن السلف الصالح. كما يشير إلى أن الشريعة الإسلامية تؤيد هذا التحذير بأدلة كثيرة.

دور المبتدعة في انحراف الأمم السابقة

يُناقش أسباب انحراف النصارى عن دينهم الصحيح، ويُرجع السبب إلى ظهور المبتدعة في زمن عيسى عليه السلام أو بعده، مثل بولس الذي أدخل عقائد جديدة. يُوضح كيف أدى ذلك إلى تحريف دين النصارى وظهور أناجيل متعددة ومحرفة.

تحذير الأنبياء والرسل من مبتدعة أهل الكتاب

يتناول تحذير الله تعالى لأنبيائه ورسله من مبتدعة أهل الكتاب، ويبين خطر المبتدعة على الدين والملة، ويحذر من مجالستهم والاستماع لهم. يُشير إلى أن العلماء أجمعوا على تحريم ذلك لخبث مكرهم ودسيستهم.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال داود بن أبي هند، أوحى الله تبارك وتعالى إلى موسى بن عمران: لا تجالس أهل البدع، فإن جالستهم فحاك في صدرك شيء مما يقولون أكببتك في نار جهنم. هذا الأثر، إخواني في الله، أورده المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل، وهو الفصل الأخير من رسالة المؤلف الموسومة بشرح السنة. وقد خص المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل في ذكر الآثار المروية عن سلفنا الصالح فيما تعلق بالحث على السنة والتحذير من البدع. وأورد رحمه الله تعالى هاهنا هذا الأثر الذي يذكره داود بن أبي هند رحمه الله تعالى، أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى بن عمران. وطبعا هناك مفاوز وقرون كثيرة بين داود وبين موسى بن عمران، فهذا الأثر من الإسرائيليات التي حقها لا تصدق ولا تكذب، إلا أنها أيدت في شريعتنا بالأثار الكثيرة، وبالآيات المحكمة، وبالأخبار السنة الصحيحة المؤيدة لهذا المعنى. وقد مر ذلك الكثير والكثير منها في دروس ماضية، أن الكتاب والسنة، وأقوال السلف، بل وإجماع الأمة على التحذير من البدع والتحذير من أهلها، وهكذا ما يتعلق بمجالستهم وما يتعلق بمجادلتهم. فهذا الأثر مؤيد من قبل الشريعة بأدلة كثيرة. وليس هذا فقط المروي عن موسى بن عمران، فموسى بن عمران قد جاءت في حقه الكثير من الآثار، وكلها تنصب في هذا المصب، أن موسى بن عمران قد حذره ربنا جل وعلا من المبتدعة. فمن ذلك ما نقل وما جاء عن محمد بن مسلم رحمه الله تعالى، أنه قال: أوحى الله تبارك وتعالى إلى موسى بن عمران أن لا تجالس أهل الأهواء فتسمع منهم كلمة فترديك فتدخلك النار. وهكذا نقل عن عطاء رحمه الله تعالى، أنه قال: أوحى الله عز وجل إلى موسى لا تجالس أهل الأهواء، فإنهم يحدثون في قلبك ما لم يكن فيه. وهذه الأوراد وهذه الآثار مذكورة في كتب السنة، ككتب الإبانة، وهكذا النهي عن البدع لابن وضاح، وجماعة من أئمة السنة. فالآثار كثيرة في هذا الباب مروية عن منقول عن موسى بن عمران، وكلها كما قلنا مؤيدة بأدلة الشرع. فيستفاد من هذه الآثار مما يستفاد منها أن الأمم السالفة ابتليت كذلك بالمبتدعة. لا تظن يا عبد الله أن البدع هم فقط في هذه الأمة، بل الأمم الماضية كانوا قد ابتلوا من قبل بالبدع. وقلنا هذه الآثار تدل على ذلك، بل في كتاب الله جل وعلا قال جل في علاه: ﴿ورَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾، أي ما فرضناها عليهم، وإنما هم ألزموا أنفسهم بهذه الرهبانية التي هم ابتدعوها. إذن فكانت البدع حاصلة، وكانت البدع موجودة في ملة أو في قوم موسى، وفي قوم عيسى عليهما السلام. بل إن هذه البدع كانت هي السبب في تدمير أديان الرسل وإذهاب للملل من الأنبياء والمرسلين. فموسى عليه السلام، من أعظم الأسباب التي أخرجت الناس عن ديانة موسى المبتدعة في زمنه. وأما النصارى، فحدث ولا حرج، ما ضيع دين النصارى إلا المبتدعة في زمن عيسى عليه السلام، أو بعد زمنه. كان النصارى بعد موت عيسى عليه السلام على التوحيد، على التوحيد، حتى ظهر من ظهر من المبتدعة، كما ينقل عن بولس -أو بولص- رجل نصراني، وقيل أنه كان يهوديا، كان يهوديا ثم دخل في النصرانية، قيل أنه كان ملكا جائرا، وقيل أنه كان عابدا زاهدا لكن على اليهودية. فأراد أن يضيع على النصارى دينهم، فتلبس بدين النصرانية وأصبح من عبادها، وادعى بعض المقامات، وادعى بعض الكرامات، أنه سمع الرب يناديه، وسمع الإله يناجيه. فحتى اغتر به من اغتر، وبعدما تسلل إلى المقام الأعلى في رتبة العليا عند النصارى، وبعد ذلك أصبح يحدث في دين النصارى ما ليس منه. من ذلك ما يتعلق بقضية اللاهوت والناسوت، اللاهوت والناسوت، ما كان معروفا أبدا عند النصارى. فذكر ابن القيم رحمه الله تعالى، أن بعد موت عيسى كان النصارى يعتقدون بأن الله واحد أحد، وأن عيسى مربوب لا رب، هذا كان اعتقاد النصارى حتى جاء هذا الرجل الذي ادعى هذه العقيدة، عقيدة اللاهوت والناسوت. وهكذا اعتنق وأخذ يدخل في عقيدة النصارى قضية التثليث، أو الأقانيم الثلاثة، الأب والابن والروح القدس، وما كانوا يعرفون ذلك. وهكذا أدخل في دين النصارى الصليب. وعدد يا عبد الله هذه البدع والتي بها ضاع دين النصارى وذهبت معالمه، حتى أصبح التحريف وأصبح التضييع لدين النصارى. وهذا الذي نراه، خرج دين النصارى أنزل عليهم إنجيل واحد، والآن نرى عند النصارى أربعة أناجيل، عند النصارى أربعة أناجيل، إنجيل يوحنا، ومرقص، وبرنابة، وكلها مصحفة محرفة. فهذه من أسباب ظهور هذا الاختلاف والتضيع لدين النصارى، المبتدعة، المبتدعة الذين ظهروا في زمن عيسى وظهروا في زمن موسى، فأفسدوا في دين الله الفساد العظيم. فهذه الآثار، أخواني في الله، مؤيدة وتذكر. بل ذكر العلماء أن خبث أولئك مبتدعة من مبتدعة أهل الكتاب لم يقف حالهم إلى تلكم الأزمان، بل تعدى حتى إلى زماننا. وقد مر ذلك في الدروس القديمة، أن معظم البدع الموجودة ها هنا، بل من رؤوس المبتدعة هنا، إنما جاءوا بالبدع الذي أدخلوها في دين الله، إنما كان اقتباسا من مبتدعة أهل الكتاب. كما صرح بذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أن غالب المبتدعة إنما أدخلوا في دين الله من الأفكار والآراء والأهواء المقتبسة من مبتدعة أهل الكتاب. فمثل ابن سبأ، هذا اليهودي والذي اندس بين المسلمين وأظهر التنسك وهو يهودي، فأدخل في دين الروافض الكثير والكثير من معالم اليهودية. من معالم اليهودية كقضية الرجعة، حيث قال لأتباعه: كيف تقولون بأن عيسى يرجع في آخر الزمان ولا تقولون أن محمدا يرجع ولا تقولون أن محمدا سيرجع؟ ثم ذكر تلك الآية: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، فأخذ يؤول كتاب الله جل وعلا على إنشاء هذه القضية، وقضية الرجعة، فأدخل في دين الله هذه العقيدة، وهي من عقائد مبتدعة أهل الكتاب. وهكذا ما يتعلق بالقدر، كانت من شاءها من رجل نصراني اسمه سوسن، رجل نصراني اسمه سوسن، ادعى الإسلام فأسلم، ثم تنصر، لكن بعدما أدخل في دين الله بدعة القدر. وهكذا الكثير من الأفكار الموجودة، بل ذكر العلماء ما يتعلق بفرقة التصوف الموجودة في هذه الأزمان، وما عليها من هذا التبتل والتضرع والأذكار والأوراد والخلوات، كل ذلك مأخوذ من دين الفلاسفة، ومن دين كذلك الهندوس والهندوك ممن كانوا قبلنا. فهذه الأفكار وهذه الأفرق إنما أخذت من مبتدعة أهل الكتاب ممن كانوا قبلنا. فلهذا جاءت هذه الآثار أن الله جل وعلا قد حذر أنبياءه وحذر رسله في تلك الأزمان من مبتدعة. كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: أوحى الله تبارك وتعالى إلى موسى بن عمران لا تجالس أهل البدع. ومن هنا نعلم، إخواني في الله، على أن وجود المبتدعة خطر، ليس خطر على الأفراد، بل حتى خطر على الدين والملة، خطر على الدين والملة، كما الذي وقع في دين النصارى، وقع في دين اليهود من التحريف والتصحيف. هذا الذي كاد أن يقع في دين الله وأن يقع في شريعة الإسلام، أن تذهب معالمه، لولا أن الله جل وعلا حبى هذا الدين بعلماء، وهكذا بأصفياء وأولياء يحمون هذا الدين، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، ويذبون عن دين الله. حتى أصبح هذا الدين واضحا شافيا. وقبل هذا وذاك، فإن ربنا جل وعلا قد تكفل بحفظ دينه سبحانه وتعالى، بجعل هؤلاء حماة على دين الله عز وجل. ومن هنا نعلم أن جميع الأديان في ملتنا وفي غير ملتنا قد تواترت وتضافرت على تحريم البدع، وعلى التحذير من أهل البدع. وما يتعلق بهذا الأثر، فمعناه واضح، قال: أوحى الله إلى موسى بن عمران لا تجالس أهل البدع، فإن جالستهم فحاك في صدرك شيء مما يقولون أكببتك في نار جهنم. قد قيل: وما ذنبي أني قد استمع إلى شبهة فتحوس وتحوك في صدري؟ أو أعاقب عليها أو أؤثم عليها؟ نعم تؤثم عليها، إن كنت أنت السبب، أنت السبب. فإذا أنت قد تسببت في إدخال هذه الشبهة في قلبك، فنفسك تحاسب عليها. إذا علمت مثال ذلك، وإذا علمت أن قوما ما في تلكم الزاوية أو تلكم الزاوية، أنهم يتحدثون بما لا يجوز من السب ومن الشتم ومن الكلام الفاسد، ومن السب واللعن، بل سب الدين والرب، وأنهم كذلك يتكلمون بما لا يجوز. يقول: أنا ما أعنيني، أنا سأتكلم بأمر طيب، فما سيتكلمون أو بأي بهم؟ لا، دخولك معهم، تكريم السواد، وما سيدخل إلى أذنك، فإنك ستحاسب عليه، لأنك دخلت معهم برضاك. وربنا جل وعلا قد حذر الجلوس مع هؤلاء. فالذي يخوض في آيات الله جل وعلا، حكمه وحقه أنك تعرض عنه، أنك تعرض عنه. فأهل السنة يحذرون دائما وأبدا من مجالسة المبتدعة. فالذي يسمع بمثل هذه الآثار المحذرة عن البدع وعن الجلوس مع أهل البدع، ثم بعد ذلك هو يتساهل، هو يتساهل أو يهون من شأن المبتدعة. فقلت: أنا سأجالسهم، فجالسهم، فإذا به ابتلي بشيء من بدعهم، أو قل بشيء من شبههم، فأصبحت هذه الشبهة تحرك وتحرك في صدره. أي يلام؟ نعم يلام، يلام، بل يحاسب، لأنه الذي سبب في إدخال هذه الشبهة في قلبه. ومن هنا كانت كلمة العلماء واحدة، بل أجمع العلماء على تحريم الجلوس والنقاش، وهكذا الاستماع مع المبتدعة، لخبث مكرهم، وهكذا لدسيستهم. وقد ذكرنا، إخواني في الله، الآثار المروية. ولزال مؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل سيذكر لنا الآثار الكثيرة المستفيضة، المشهورة، المستواترة عن سلفنا الصالح، من التحذير من أهل البدع. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.